اليوان الصيني يواصل زخمه الصعودي ويتجه لتسجيل أطول مكاسب أسبوعية منذ 2020
يواصل اليوان الصيني تحقيق مكاسب قوية في أسواق الصرف العالمية، مسجلاً أداءً لافتاً يعكس تحولاً تدريجياً في ميزان القوى داخل سوق العملات، حيث بلغ، خلال تعاملات يوم الجمعة، أعلى مستوى له منذ 32 شهراً مقابل الدولار الأميركي، في وقت يوشك فيه على تسجيل أطول سلسلة مكاسب أسبوعية متتالية منذ أكثر من خمس سنوات، وتحديداً منذ عام 2020.
ويأتي هذا الأداء القوي للعملة الصينية في ظل مزيج معقّد من العوامل النقدية والاقتصادية والهيكلية، يتقدمها الموقف المتساهل نسبياً للسلطات الصينية تجاه ارتفاع قيمة العملة، إلى جانب ضعف الدولار الأميركي على نطاق واسع، وازدياد الطلب الموسمي على اليوان من قبل الشركات المصدّرة، وتحسن المعنويات الاستثمارية تجاه الاقتصاد والأسواق المالية في الصين.
أداء اليوان الصيني اليوم
سجّل اليوان في السوق المحلية ارتفاعاً إلى مستوى 6.9645 يوان للدولار الأميركي، وهو أقوى مستوى له منذ مايو 2023، قبل أن يقلّص جزءاً من مكاسبه ليستقر قرب 6.9660 يوان للدولار.
وفي الأسواق الخارجية، ارتفعت النسخة الخارجية للعملة الصينية إلى 6.9649 يوان للدولار، ما يعكس انسجاماً واضحاً في حركة العملة بين الأسواق الداخلية والخارجية.
في المقابل، ظل مؤشر الدولار الأميركي مستقراً عند 99.36 نقطة، وذلك بعد صدور بيانات اقتصادية أميركية إيجابية ساهمت في تقليص توقعات المستثمرين بشأن خفض وشيك لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ورغم هذا الدعم النسبي للدولار، فإن اليوان واصل تحقيق مكاسب قوية، في إشارة إلى أن العوامل الداعمة للعملة الصينية تتجاوز مجرد تحركات الدولار قصيرة الأجل.
أطول سلسلة مكاسب أسبوعية منذ 2020
من المنتظر أن يسجل اليوان الأسبوع الثامن على التوالي من المكاسب، ليحقق بذلك أطول مسار صعودي أسبوعي منذ عام 2020.
ويُعد هذا التطور مؤشراً مهماً على تغير تدريجي في ديناميكيات سوق الصرف، لا سيما في ظل البيئة العالمية التي لا تزال تتسم بالحذر وعدم اليقين.
ويعود هذا المسار الصاعد الطويل إلى عدة عوامل متداخلة، من أبرزها ضعف الدولار الأميركي، وازدياد الطلب على اليوان من قبل المصدرين الصينيين مع اقتراب نهاية العام، إضافة إلى تحسن النظرة العامة تجاه الاقتصاد الصيني والأسواق المالية المحلية.
البنوك الصينية تلعب دوراً محورياً في تحويل العملات
خلال شهر ديسمبر، ساعدت البنوك الصينية عملاءها على بيع كمية قياسية من العملات الأجنبية وتحويلها إلى اليوان، في خطوة عكست تغيراً ملحوظاً في سلوك الشركات والمستثمرين تجاه العملة المحلية، مدفوعين بتوقعات استمرار صعودها وزيادة الطلب الموسمي عليها.
وأظهرت بيانات رسمية صادرة عن إدارة الدولة للنقد الأجنبي أن البنوك العاملة داخل الصين باعت صافي 99.9 مليار دولار من النقد الأجنبي نيابة عن العملاء خلال ديسمبر، وهو رقم يفوق بأكثر من ستة أضعاف الكمية المسجلة في الشهر السابق.
ويعكس هذا الارتفاع الحاد في عمليات التحويل رغبة متزايدة لدى الشركات والمستثمرين في تعزيز مراكزهم باليوان والاستفادة من مكاسبه المتصاعدة.
اليوان الأفضل أداءً في آسيا خلال شهر
خلال الشهر الماضي، ارتفع اليوان بأكثر من 1% مقابل الدولار الأميركي، ليصبح أفضل العملات أداءً في القارة الآسيوية خلال تلك الفترة.
كما نجح في اختراق مستوى 7 يوانات للدولار، وهو مستوى يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره حاجزاً نفسياً مهماً في سوق الصرف.
ويُعزى هذا الأداء القوي إلى مجموعة من العوامل، من بينها الضعف الواسع للدولار الأميركي، وتنامي الفائض التجاري الصيني، إلى جانب التفاؤل المتزايد بشأن آفاق النمو الاقتصادي، وهو ما أسهم في دعم أسواق الأسهم المحلية وتعزيز الطلب على العملة.
يرى محللون أن هناك عاملاً موسمياً داعماً لصعود اليوان، إذ تشهد الأسواق عادة زيادة في أنشطة التسوية خلال شهر ديسمبر، نتيجة ميل المصدرين إلى تحويل العملات الأجنبية إلى اليوان لتلبية احتياجاتهم التشغيلية والمالية قبل نهاية العام. ويسهم هذا السلوك في رفع الطلب على العملة المحلية بشكل مؤقت لكنه مؤثر.
سياسة نقدية مرنة وإشارات دعم إضافية
على صعيد السياسة النقدية، أعلن البنك المركزي الصيني يوم الخميس عن خفض أسعار الفائدة القطاعية في خطوة تهدف إلى دعم الاقتصاد، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود مجال لمزيد من خفض متطلبات الاحتياطي النقدي، وإجراء تخفيضات أوسع في أسعار الفائدة خلال العام.
كما حدّد البنك سعر منتصف اليوم لليوان عند 7.0078 يوان للدولار، مع السماح للعملة بالتداول ضمن هامش 2% صعوداً أو هبوطاً حول السعر المرجعي، وهو ما يعكس التزام السلطات بنهج مرن يسمح بتحركات مدروسة في سعر الصرف.
قالت شياوجيا تشي، كبيرة الاقتصاديين في كريدي أغريكول، إن البيانات الأخيرة «تشير إلى تحول ملحوظ في توقعات السوق تجاه اليوان باتجاه الارتفاع»، مرجعة ذلك إلى «توقعات أضعف للدولار، وتحسن المعنويات تجاه الأسهم الصينية، مع انتقال الاستثمارات من أسهم التكنولوجيا الأميركية إلى نظيرتها الصينية».
وفي السياق نفسه، واصل بنك الشعب الصيني تحديد سعر الصرف المرجعي اليومي لليوان عند مستويات أقوى بشكل متدرج خلال الأسابيع الأخيرة، في إشارة واضحة إلى تقبّله لارتفاع العملة بوتيرة مُدارة. وجاء تثبيت سعر الصرف يوم الخميس عند أقوى مستوى له منذ مايو 2023.
المستوى النفسي وتأثيره على السياسات
يرى محللون أن تجاوز مستوى 7 يوانات للدولار قد يعزز توقعات السوق بأن البنك المركزي سيواصل التساهل مع ارتفاع تدريجي للعملة. ومع ذلك، يُتوقع أن تبقى وتيرة الصعود محدودة، نظراً لحرص السلطات على تحقيق توازن بين دعم العملة والحفاظ على تنافسية الصادرات.
وأكد زو لان، نائب محافظ البنك المركزي الصيني، أن قوة أداء اليوان في عام 2025 جاءت نتيجة تخفيف التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وضعف الدولار، مشدداً على التزام البنك بالحفاظ على مرونة سعر الصرف.
توقعات المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية
يرى المستثمرون أن السياسات الحالية تشير إلى قبول رسمي أكبر لمزيد من قوة اليوان، مع توقع استمرار مسار صعود تدريجي ومتقطع، رغم احتمال تباطؤ الوتيرة مع تراجع اندفاع التسويات النقدية.
ومع استمرار المكاسب، بدأت المصارف العالمية بمراجعة توقعاتها. فقد توقعت مورغان ستانلي أن يبلغ اليوان مستوى 6.85 مقابل الدولار في الربع الأول، مقارنة بتوقع سابق عند 7.05.
كما يرى بنك أستراليا ونيوزيلندا أن اليوان سيصل إلى 6.85 بحلول نهاية العام، في حين تتوقع ماكواري غروب مستوى 6.8.
قد يظهر دعم إضافي لليوان خلال الأشهر المقبلة، مع احتمال شروع الشركات الصينية في تقليص جزء من حيازاتها من الدولار. وبحسب تشونغتاي سيكيوريتيز، يُقدّر إجمالي مخزون النقد الأجنبي غير المسدد لدى المصدرين منذ عام 2022 بنحو 930 مليار دولار وكتب المحلل تشانغ ديلي في مذكرة بحثية:
«نتوقع أن تصبح الشركات أكثر ميلاً لبيع العملات الأجنبية في عام 2026، ما سيشكّل تلاقياً إيجابياً مع استمرار ارتفاع اليوان».