انهيار البيتكوين إلى أدنى مستوى منذ أشهر.. العملات المشفرة تحت ضغط التوترات الجيوسياسية

تواصل العملات المشفرة خسائرها الحادة مع هبوط البيتكوين إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2024، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.

 

كما تعرضت إيثريوم ولايتكوين وعملات رقمية أخرى لضغوط بيعية قوية، في حين خسرت الشركات المالكة للبيتكوين عشرات المليارات من الدولارات من قيمتها السوقية، ما يعكس تحولاً واسعاً في توجهات المستثمرين نحو الأصول الآمنة.

انهيار البيتكوين إلى أدنى مستوى منذ أشهر

شهدت أسواق العملات المشفرة موجة بيع قوية دفعت عملة البيتكوين إلى أدنى مستوياتها منذ عدة أشهر، مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط العالمية، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر والاتجاه نحو الملاذات الآمنة.

 

ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية حالة من عدم اليقين المتزايدة، وسط مخاوف من تباطؤ اقتصادي عالمي وارتفاع معدلات التضخم واستمرار التوترات العسكرية والجيوسياسية، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر على معنويات المستثمرين تجاه الأصول الرقمية.

البيتكوين تهبط دون 60 ألف دولار لأول مرة منذ أكتوبر 2024

سجلت عملة البيتكوين تراجعاً حاداً خلال تعاملات الجمعة، لتنخفض إلى ما دون مستوى 60 ألف دولار للمرة الأولى منذ أكتوبر 2024، وهو المستوى الذي سبق الانتخابات الأمريكية التي أوصلت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وأطلقت لاحقاً موجة صعود تاريخية في سوق العملات المشفرة.

 

وتراجعت أكبر عملة رقمية في العالم بأكثر من 15% خلال أسبوع واحد، لتختتم واحدة من أسوأ فتراتها خلال العام الحالي، بينما فقدت نحو 50% من قيمتها مقارنة بأعلى مستوى تاريخي سجلته فوق 126 ألف دولار في أكتوبر 2025.

 

وخلال التداولات، هبط سعر البيتكوين بنسبة وصلت إلى 2.96% ليصل إلى 61,123 دولاراً عند الساعة 10:47 صباحاً بتوقيت تركيا، مواصلاً مساره الهابط الذي بدأ منذ عدة أشهر.

 

كما انخفضت عملة الريبل بنسبة 3.46% لتصل إلى 1.0959 دولار، في إشارة إلى اتساع نطاق الضغوط البيعية في مختلف أنحاء سوق العملات الرقمية.

لماذا تتراجع البيتكوين بقوة؟

يرى محللون أن موجة الهبوط الحالية لا ترتبط بعامل واحد فقط، بل جاءت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة التي ضغطت على السوق في وقت واحد.

ومن أبرز هذه العوامل:

1. تصاعد التوترات الجيوسياسية

أدى ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى زيادة حالة القلق في الأسواق العالمية، وهو ما دفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول ذات المخاطر المرتفعة مثل العملات المشفرة.

 

وفي أوقات الأزمات، تميل رؤوس الأموال عادة إلى التحرك نحو الأصول الدفاعية مثل الدولار الأمريكي والسندات الحكومية والذهب، بدلاً من الأصول الرقمية شديدة التقلب.

2. خروج الأموال من صناديق البيتكوين المتداولة

شهدت الصناديق المتداولة في البورصة المرتبطة بالبيتكوين تدفقات خارجة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ما أدى إلى زيادة الضغوط البيعية على السوق.

 

وكانت هذه الصناديق تمثل أحد أهم محركات الطلب على البيتكوين خلال فترة الصعود السابقة، وبالتالي فإن تراجع التدفقات إليها ينعكس سلباً على الأسعار.

3. عمليات البيع من قبل شركة Strategy

تعرضت معنويات السوق لضربة إضافية بعد إعلان شركة Strategy، إحدى أكبر الشركات المالكة للبيتكوين في العالم، عن بيع جزء من حيازاتها من العملة الرقمية.

 

ورغم أن عملية البيع كانت محدودة نسبياً، إلا أنها أثارت مخاوف المستثمرين بشأن استدامة نموذج الشركات التي تعتمد على الاحتفاظ بالبيتكوين كأصل احتياطي ضمن ميزانياتها.

4. انتقال السيولة نحو أسهم الذكاء الاصطناعي

خلال الأشهر الأخيرة، تحولت شهية المستثمرين بصورة متزايدة نحو أسهم الذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا المتقدمة، التي أصبحت تمثل الوجهة المفضلة لرؤوس الأموال المضارِبة.

 

وأدى هذا التحول إلى تقليص التدفقات المالية التي كانت تتجه سابقاً نحو العملات المشفرة.

تراجع العلاقة بين البيتكوين وأسهم التكنولوجيا

خلال السنوات الأخيرة، تطورت علاقة قوية بين البيتكوين وأسهم التكنولوجيا الأمريكية، خصوصاً أسهم الشركات المدرجة ضمن مؤشر ناسداك لكن وفقاً للمحللين، بدأت هذه العلاقة بالتراجع مؤخراً.

 

وأوضح راجيف ساهني، رئيس إدارة المحافظ الدولية في شركة Wave Digital Assets، أن الارتباط الإيجابي بين البيتكوين ومؤشري ناسداك وستاندرد آند بورز 500 وصل قبل شهر تقريباً إلى مستويات شبه كاملة، إلا أن هذا الارتباط انهار خلال الأسابيع الأخيرة.

 

وأشار إلى أن أسواق الأسهم العالمية وخصوصاً أسهم التكنولوجيا واصلت تسجيل مستويات قياسية جديدة، بينما فشلت البيتكوين في مواكبة هذا الصعود.

أداء البيتكوين خلال العام الماضي

تعكس التطورات الأخيرة حجم التحول الذي شهدته سوق العملات المشفرة خلال الأشهر الماضية.

 

فبعد أن وصلت البيتكوين إلى مستوى قياسي تجاوز 126 ألف دولار في أكتوبر 2025، فقدت العملة نحو نصف قيمتها خلال عشرة أشهر فقط ويتداول البيتكوين حالياً قرب مستوى 61.000 دولار، بينما يراقب المستثمرون مستوى 60 ألف دولار باعتباره حاجزاً نفسياً وفنياً بالغ الأهمية.

 

وكان آخر مرة انخفضت فيها العملة دون هذا المستوى في سبتمبر 2024 ومن اللافت أن السوق لم تشهد حتى الآن موجة شراء قوية عند الانخفاضات، وهي الظاهرة التي كانت تظهر عادة خلال الدورات الهابطة السابقة.

هل تمثل الأسعار الحالية فرصة للشراء؟

على الرغم من الصورة السلبية الحالية، يرى بعض المستثمرين أن الانخفاضات الأخيرة قد تمثل فرصة استثمارية طويلة الأجل وقال مات كول، الرئيس التنفيذي لشركة Strive، إن أساسيات البيتكوين ما تزال قوية للغاية، مؤكداً أن العملة وصلت للمرة الخامسة فقط إلى متوسطها المتحرك لـ200 أسبوع.

 

وأشار إلى أن المرات الأربع السابقة التي لامس فيها البيتكوين هذا المستوى كانت جميعها نقاط دخول ممتازة للمستثمرين على المدى الطويل في المقابل، يحذر محللون آخرون من أن استمرار الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية قد يؤدي إلى مزيد من التراجعات قبل ظهور أي تعافٍ مستدام.

خسائر ضخمة لشركات إدارة أصول البيتكوين

لم تقتصر الخسائر على العملات المشفرة نفسها، بل امتدت أيضاً إلى الشركات المدرجة التي تعتمد على الاحتفاظ بالبيتكوين ضمن أصولها ووفق بيانات Artemis، تراجعت القيمة السوقية المجمعة لشركات خزائن البيتكوين إلى نحو 72 مليار دولار فقط، مقارنة بذروة بلغت 134 مليار دولار في أوائل أكتوبر.

 

وبذلك فقدت هذه الشركات ما يقارب 62 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال فترة قصيرة ويعكس هذا الانخفاض مدى هشاشة نموذج الأعمال القائم على الاحتفاظ بكميات ضخمة من العملات المشفرة، خاصة في فترات الهبوط الحاد للأسواق.

مخاوف متزايدة من عمليات البيع القسري

يخشى المستثمرون من أن تؤدي الخسائر المتزايدة إلى موجة من عمليات البيع القسري وتشير التقديرات إلى أن الشركات المالكة للبيتكوين وخزائن الأصول الرقمية باتت تسيطر على أكثر من 5% من إجمالي المعروض المتداول من البيتكوين.

 

وفي حال تعرض هذه المؤسسات لضغوط مالية أو متطلبات تمويل إضافية، فقد تضطر إلى بيع جزء من ممتلكاتها، وهو ما قد يفاقم التقلبات السعرية في السوق.

تسلا تخسر أكثر من 220 مليون دولار من حيازاتها الرقمية

تأثرت شركة Tesla بشكل مباشر بانخفاض أسعار العملات المشفرة، حيث تراجعت قيمة حيازاتها من البيتكوين بأكثر من 220 مليون دولار خلال الشهر الماضي ورغم ذلك، لم تكشف الشركة عن أي عمليات بيع جديدة خلال الربع الأول من عام 2026، واستمرت في الاحتفاظ بـ 11,509 وحدة بيتكوين ضمن ميزانيتها العمومية.

إيثريوم تهبط إلى أدنى مستوى في أكثر من عام

لم تكن البيتكوين وحدها ضحية موجة الهبوط الأخيرة فقد تراجعت عملة Ethereum بنسبة تجاوزت 6.15% لتصل إلى 1,575.9 دولار، وهو أدنى مستوى لها منذ أبريل 2025 وجاء هذا التراجع في ظل استمرار عزوف المستثمرين عن الأصول الرقمية عالية المخاطر وتزايد الضغوط البيعية على معظم العملات المشفرة الرئيسية.

 

تعرضت عملات الخصوصية لخسائر أكبر من بقية السوق فقد هبطت عملة Zcash بأكثر من 50% خلال 24 ساعة فقط بعد تقارير عن ثغرة أمنية محتملة.

 

كما تراجعت عملة Monero بنسبة وصلت إلى 17%، ما يعكس حجم المخاوف التي تسيطر على المستثمرين في هذا القطاع.

لايتكوين تتكبد خسائر حادة

شهدت عملة لايتكوين Litecoin تراجعاً قوياً لتصل إلى 40.85 دولار، منخفضة بنسبة 10.02% خلال يوم واحد كما تراجعت قيمتها السوقية إلى نحو 3.17 مليار دولار، مقارنة بذروة تاريخية بلغت 25.61 مليار دولار.

 

وخلال الأيام السبعة الماضية، تحركت العملة ضمن موجة هبوط واسعة، في ظل تراجع السيولة وخروج المستثمرين من الأصول الرقمية ذات المخاطر المرتفعة.

مستقبل العملات المشفرة بين الضغوط والفرص

تدخل سوق العملات المشفرة مرحلة جديدة من الاختبار، مع استمرار الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وتغير أولويات المستثمرين عالمياً وفي حين يرى البعض أن الأسعار الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية على المدى الطويل، يعتقد آخرون أن السوق قد تواجه مزيداً من التقلبات والانخفاضات إذا استمرت التدفقات الخارجة وتراجعت شهية المخاطرة عالمياً.

 

ومع بقاء البيتكوين فوق مستوى 60 ألف دولار بصعوبة، ستظل الأنظار متجهة نحو قدرة أكبر عملة مشفرة في العالم على الحفاظ على هذا المستوى النفسي المهم، والذي قد يحدد اتجاه السوق خلال الأشهر المقبلة.

تم التحديث في: السبت, 06 حزيران 2026 10:58
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول