ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي مع تصاعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية وتنامي المخاطر الجيوسياسية
يتجه الدولار الأمريكي لاكتساب دعم قوي على المدى القريب، مدفوعاً بتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك في أعقاب الضربات العسكرية الواسعة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في واحدة من أخطر موجات التصعيد التي تشهدها المنطقة منذ عقود.
وعلى الرغم من أن ردود فعل أسواق العملات جاءت غير متجانسة، فإن المؤشرات الأولية تعكس ميلاً واضحاً نحو تعزيز الطلب على الدولار كملاذ آمن في أوقات الاضطراب وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.80% ليصل إلى مستوى 98.34 نقطة، وهو ما يعكس تحسناً ملحوظاً في أداء العملة الأمريكية، مدعوماً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها القفزة الكبيرة في أسعار الطاقة وتزايد حالة النفور من المخاطرة في الأسواق العالمية.
ارتفاع أسعار الطاقة يعزز الطلب على الدولار
قال ثيميستوكليس فيوتاكيس، رئيس أبحاث العملات الأجنبية في بنك باركليز، إن التصعيد العسكري الأخير في إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع أضاف زخماً جديداً للعوامل الداعمة للدولار الأمريكي، موضحاً أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل عاملاً أساسياً في هذا الاتجاه.
وأضاف أن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط يمكن أن تترجم إلى ارتفاع يتراوح بين 0.5% و1% في قيمة الدولار، وهو ما يعكس العلاقة الوثيقة بين تحركات أسعار الطاقة وأداء العملة الأمريكية، خاصة في ظل ازدياد الطلب العالمي على الدولار لتسوية عقود النفط والمعاملات التجارية المرتبطة به.
وأشار فيوتاكيس إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية يعزز أيضاً من حالة النفور من المخاطرة، ما يدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر والتوجه نحو العملات والأدوات المالية الأكثر أماناً، وعلى رأسها الدولار الأمريكي.
تصعيد عسكري غير مسبوق ورسائل حرب مفتوحة
أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل جولة جديدة من الضربات العسكرية وُصفت بأنها الأوسع نطاقاً مقارنة بالعمليات السابقة، حيث أفادت تقارير إعلامية بأن القيادة الإيرانية تكبدت خسائر كبيرة، شملت مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في تطور بالغ الخطورة قد يعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة.
وفي رسالة مصورة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أهداف لحرب شاملة، ملمحاً إلى أن الحملة العسكرية قد تمتد لأيام أو حتى أسابيع، وهو ما زاد من حالة الترقب والقلق في الأسواق المالية العالمية، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
الدولار يستعيد دوره كملاذ آمن
من جانبه، قال ديفيد ماي، استراتيجي العملات في بنك HSBC، إن الدولار الأمريكي مرشح للاستفادة في المرحلة الأولى من تصاعد المخاطر الجيوسياسية، مؤكداً أن العملة الأمريكية ستكون صاحبة الأداء الأقوى على المدى القريب.
وأوضح ماي أن هذا السلوك يختلف عن رد فعل الأسواق خلال الصراع الإيراني في يونيو 2025، عندما سرعان ما تلاشت مكاسب الدولار بسبب الضغوط الناجمة عن عدم اليقين بشأن السياسة الاقتصادية الأمريكية، ما أثار حينها تساؤلات حول ما إذا كانت العملة الأمريكية تفقد جاذبيتها التقليدية كملاذ آمن.
وأضاف: «ما حدث في يونيو 2025 لا يعكس بالضرورة تآكلاً هيكلياً في مكانة الدولار، بل كان نتيجة لظروف استثنائية مرتبطة بالسياسة الداخلية الأمريكية»، مشيراً إلى أن الصدمات الجيوسياسية غالباً ما تولد إشارات متباينة في أسواق العملات، ولا يمكن تعميم رد فعل واحد عليها.
تحركات واسعة في أسواق العملات العالمية
في أعقاب هذه التطورات، كانت أسواق العملات من أوائل فئات الأصول التي استأنفت التداول، في محاولة من المستثمرين لتقييم المسار المحتمل للأحداث وتداعياتها الاقتصادية.
وسجل الفرنك السويسري والين الياباني ارتفاعاً ملحوظاً، باعتبارهما من أبرز عملات الملاذ الآمن، في ظل تنامي الطلب على الأصول الدفاعية.
في المقابل، تراجع اليورو بنسبة 0.34% إلى مستوى 1.1776 دولار، مقارنة بنحو 1.18 دولار في أواخر تعاملات نيويورك يوم الجمعة، كما انخفض بنسبة 0.5% أمام الفرنك السويسري ليصل إلى 0.9039، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2015.
أما الدولار الأمريكي، فقد تراجع بنسبة 0.26% أمام الين الياباني إلى 155.65 ين، وانخفض بنحو 0.3% مقابل الفرنك السويسري، في حين حقق مكاسب أمام الجنيه الإسترليني والدولار الأسترالي، مستفيداً من التحول النسبي في شهية المخاطرة العالمية.
سيناريوهان لمستقبل الأسواق العالمية
قال سامي شعار، كبير الاقتصاديين في بنك لومبارد أودييه، إن الأسواق تواجه حالياً سيناريوهين رئيسيين لتطور الأحداث:
الأول يتمثل في اضطرابات محدودة في أسواق الطاقة العالمية مع تداعيات اقتصادية محدودة نسبياً، وهو السيناريو الذي يرى أنه الأقرب للتحقق في المرحلة الحالية.
أما السيناريو الثاني، فيتعلق باندلاع صراع واسع النطاق وطويل الأمد قد يؤدي إلى صدمة نفطية حادة، ما سينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع، وعوائد السندات، وأسواق العملات، وقطاعات الأسهم الحساسة للطاقة، إضافة إلى توقعات التضخم ومسارات السياسات النقدية والنمو الاقتصادي العالمي، خاصة في حال حدوث إغلاق مطول لمضيق هرمز.
وأضاف: «في حال تحقق السيناريو الثاني، فإن التأثيرات لن تقتصر على أسواق الطاقة فحسب، بل ستمتد إلى مختلف فئات الأصول والاقتصادات الكبرى حول العالم».
النفط يقفز وأسواق الطاقة في حالة تأهب
شهدت أسعار النفط قفزة قوية، حيث أفاد متداولون بأن خام برنت ارتفع بنسبة تراوحت بين 8% و10% ليصل إلى نحو 80 دولاراً للبرميل في تعاملات خارج المقصورة يوم الأحد، بعد أن كان قد صعد يوم الجمعة إلى 73 دولاراً، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو.
وتُعد إيران من كبار منتجي الطاقة عالمياً، كما تقع على ضفاف مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة تهديداً مباشراً لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، ويغذي المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل حاد.
خاتمة
في ظل هذا المشهد الجيوسياسي المتوتر، تتزايد حالة الترقب في الأسواق العالمية، حيث يراقب المستثمرون تطورات الصراع وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد العالمي وأسواق العملات والطاقة.
وبينما يبدو الدولار الأمريكي في موقع قوي حالياً مستفيداً من دوره التقليدي كملاذ آمن، فإن استمرار هذه المكاسب سيظل رهناً بتطور الأحداث ومستوى المخاطر الجيوسياسية ومدى تأثر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.