توقف صادرات قطر يقفز بأسعار الغاز الأوروبية 20% لتتجاوز 50 يورو ويشعل سباقاً عالمياً على الإمدادات
شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزة حادة خلال تعاملات الثلاثاء، متجاوزة مستوى 50 يورو لكل ميغاواط/ساعة في بورصة هولندا، لتسجل أعلى مستوياتها منذ فبراير/شباط 2025، في تحرك يعكس تصاعد القلق بشأن أمن الإمدادات العالمية بعد توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر نتيجة التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط.
هذا الارتفاع جاء مدفوعاً بمخاوف حقيقية من نقص المعروض العالمي، بعدما توقفت صادرات الغاز من أكبر منشأة لتسييل الغاز الطبيعي المسال في العالم، وسط تصعيد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما ترتب على ذلك من اضطرابات مباشرة في البنية التحتية للطاقة.
أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا
ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 20% خلال جلسة واحدة، في ظل حالة عدم اليقين بشأن مدة توقف الصادرات القطرية، وتأثير ذلك على التوازن الدقيق بين العرض والطلب في أسواق الطاقة العالمية.
وقفزت العقود المستقبلية القياسية لليوم الثاني على التوالي، بالتزامن مع تحركات مكثفة من دول آسيوية لتأمين شحنات بديلة، بعد إغلاق منشأة تابعة لـ قطر للطاقة عقب استهدافها بهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية.
وارتفعت العقود الهولندية لأقرب استحقاق – التي تمثل المعيار المرجعي لسوق الغاز الأوروبية – بنسبة 23.04% لتصل إلى 54.76 يورو لكل ميغاواط/ساعة عند الساعة 8:25 صباحاً بتوقيت أمستردام. كما بدأ عدد من المشترين بالمطالبة بتسليم الشحنات في وقت أبكر من المعتاد لتلبية الطلب الفوري، على أمل أن تكون الأزمة قصيرة الأجل.
منذ إغلاق جلسة الجمعة، ارتفعت الأسعار بأكثر من 60%، في موجة تقلبات لم تشهدها الأسواق منذ أزمة الطاقة العالمية عام 2022. ويأتي هذا الارتفاع في وقت حساس للغاية، إذ تدخل أوروبا المرحلة الأخيرة من الشتاء بينما مستويات التخزين لديها منخفضة نسبياً، ما يزيد احتمالات احتدام المنافسة على الإمدادات خلال موسم إعادة ملء المخزونات.
السؤال المركزي الذي يواجه الأسواق حالياً يتمثل في: إلى متى ستستمر الحرب؟
ففي الوقت الذي أرسلت فيه الولايات المتحدة إشارات متباينة بشأن مدة التصعيد، تعهد الرئيس دونالد ترمب بالقيام "بكل ما يلزم"، ما أبقى حالة عدم اليقين مرتفعة.
كما يترقب المتعاملون تقييم حجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة القطرية، والتي تمثل إحدى أكبر حالات التوقف غير المخطط لها في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال.
قطر تمثل خُمس الإمدادات العالمية
تمثل المنشأة القطرية المتوقفة نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال وحتى قبل هذا التوقف، كانت الحرب المتسعة في المنطقة قد أدت عملياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر البحري الحيوي الذي تعتمد عليه قطر لشحن صادراتها، منذ عطلة نهاية الأسبوع.
هذا التطور يهدد خطط التخزين الأوروبية، ويزيد حدة المنافسة مع آسيا على الشحنات الفورية، ما أدى إلى اتساع الفوارق السعرية. فقد قفزت عقود الصيف الأوروبية إلى علاوة كبيرة مقارنة بعقود الشتاء اللاحق، ما جعل تخزين الغاز غير مجدٍ اقتصادياً للتجار في المرحلة الحالية.
تحذيرات من تقلبات حادة وأزمة إمدادات جديدة
قال روس ويينو، المدير المشارك ورئيس تحليلات الغاز الطبيعي المسال قصيرة الأجل لدى إس آند بي غلوبال إنرجي، إن الأسواق تتوقع تقلبات سعرية كبيرة خلال الأيام المقبلة بينما يقوم المشاركون بتقييم أثر فقدان الإنتاج على محافظ الإمدادات الخاصة بهم.
من جانبه، صرّح هويبرت فيغيفينو، الرئيس التنفيذي لشركة MET Group السويسرية، بأن أمن الإمدادات قد يتحول مجدداً إلى مشكلة حقيقية بالنسبة لأوروبا، مضيفاً أن المشترين الأكثر اندفاعاً نحو السوق الفورية على المدى القريب سيكونون على الأرجح في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وبالفعل، بدأت موجة البحث عن بدائل، إذ تسعى كل من تايوان وكوريا الجنوبية إلى تأمين مصادر بديلة للغاز المستخدم في توليد الكهرباء. كما أفاد مشترون صينيون بأن بكين تمارس ضغوطاً على طهران لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً لتجنب خنق تدفقات الطاقة.
غولدمان ساكس يرفع توقعاته للأسعار في أوروبا وآسيا
على صعيد التوقعات، رفع بنك غولدمان ساكس تقديراته لأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا عقب اضطرابات الإنتاج في قطر.
ووفق مذكرة صادرة عن البنك، تم تعديل توقع سعر الغاز الهولندي (TTF) للربع الثاني من العام الحالي إلى 45 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بـ36 يورو سابقاً. كما رفع البنك توقعاته لشهر أبريل 2026 إلى 55 يورو بدلاً من 36 يورو.
أما في آسيا، فقد تم تعديل توقع سعر الغاز (JKM) لشهر أبريل إلى 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بـ11.90 دولار سابقاً، في انعكاس مباشر للمخاوف المتزايدة بشأن تقلص الإمدادات العالمية.
هذه التعديلات تعكس ضغوطاً متصاعدة على الأسواق الأوروبية والآسيوية، وتؤشر إلى إمكانية انتقال موجة ارتفاع الأسعار إلى مختلف قطاعات الطاقة عالمياً.
تظل قطر لاعباً محورياً في صناعة الغاز العالمية بفضل احتياطياتها الضخمة التي تُقدر بنحو 24.7 تريليون متر مكعب، ما يجعلها ثالث أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات الغاز بعد روسيا (37.4 تريليون متر مكعب) وإيران (32.1 تريليون متر مكعب).
بلغ إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025 نحو 81.07 مليون طن متري، مع سيطرة الدولة على 18.8% من الإمدادات العالمية، ما يعكس ثقلها الاستراتيجي في أسواق الطاقة الدولية.
ويُعد مجمع رأس لفان أكبر مجمع لتسييل الغاز في العالم، فيما تمثل أسواق اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأوروبا أبرز المستهلكين للغاز القطري. ويرى خبراء الطاقة أن أي اضطراب في الإنتاج القطري يؤدي تلقائياً إلى موجات تقلب حادة، خاصة في الأسواق ذات المخزونات المحدودة، وهو ما يكشف هشاشة منظومة الإمدادات العالمية أمام أي صدمة إنتاجية مفاجئة.
تداعيات على التضخم والسياسات النقدية
لا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الغاز على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي. فصعود أسعار الطاقة يزيد من صعوبة احتواء التضخم بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في وقت يشهد انقساماً بين صناع السياسات بشأن التأثيرات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي.
وأظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الأميركي لشهر فبراير/شباط نمواً مستقراً في النشاط، بينما سجلت أسعار المصانع أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات ونصف السنة حتى قبل الضربات الأميركية على إيران، ما يشير إلى ضغوط تضخمية إضافية قد تتفاقم إذا استمرت أزمة الطاقة.
خلاصة المشهد
توقف صادرات الغاز القطرية لم يكن مجرد حدث إنتاجي عابر، بل تحول إلى صدمة جيوسياسية أعادت رسم خريطة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية. وبينما تترقب الأسواق مسار الحرب وتقييم الأضرار، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التقلبات الحادة واحتدام المنافسة بين أوروبا وآسيا على الإمدادات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة لمستقبل أسعار الغاز العالمية، مع احتمالات بقاء مستويات الأسعار مرتفعة طالما استمرت حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتعطل أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.