ارتفاع حاد في أسعار الغاز الأوروبي مع تصاعد التوترات العسكرية في مضيق هرمز

سجلت أسواق الطاقة العالمية موجة جديدة من الارتفاعات خلال تعاملات يوم الأربعاء، بعدما تصاعدت التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.

 

وامتدت تداعيات التصعيد العسكري إلى مختلف أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بصورة ملحوظة، بالتزامن مع صعود أسعار النفط العالمية وأسهم شركات الطاقة الأوروبية، في ظل إعادة المستثمرين تسعير المخاطر الجيوسياسية واحتمالات تعطل الإمدادات القادمة من منطقة الخليج العربي.

 

ورغم دخول أوروبا موسم إعادة ملء مخازن الغاز خلال فصل الصيف بمستويات تخزين مرتفعة نسبياً، فإن المخاوف المتعلقة باستمرار الاضطرابات في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز دفعت المتعاملين إلى إضافة علاوة مخاطر جديدة على أسعار الغاز، وهو ما انعكس سريعاً على عقود التداول الأوروبية والبريطانية.

أسعار الغاز الأوروبي تقفز بفعل تصاعد المخاطر الجيوسياسية

شهدت أسعار الغاز الطبيعي بالجملة في أوروبا ارتفاعاً حاداً خلال تعاملات الأربعاء، حيث سجلت العقود المرجعية في كل من هولندا والمملكة المتحدة مكاسب قوية، مدفوعة بتصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أثارت مخاوف متزايدة بشأن سلامة إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) حول العالم.

 

فعلى الرغم من أن أوروبا تدخل موسم إعادة التخزين الصيفي بمستويات مخزون توصف بأنها مرتفعة نسبياً مقارنة بالسنوات الماضية، فإن احتمالات استمرار الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط دفعت الأسواق إلى إعادة تقييم المخاطر، وهو ما تسبب في زيادة ملحوظة في علاوة المخاطر الجيوسياسية داخل سوق الغاز الطبيعي.

 

وأدى هذا التطور إلى إرباك توقعات المتداولين بشأن توازن العرض والطلب خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع استمرار اعتماد أوروبا على واردات الغاز الطبيعي المسال لتعويض جزء كبير من الإمدادات الروسية التي تراجعت خلال السنوات الأخيرة.

عقود الغاز الأوروبية والبريطانية تحقق مكاسب قوية

انعكس هذا القلق مباشرة على أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في أوروبا.

 

فقد ارتفع عقد الغاز الهولندي TTF، الذي يُعد المعيار الرئيسي لتسعير الغاز في أوروبا، بنسبة 3% ليصل إلى 47.90 يورو لكل ميغاواط/ساعة (MWh).

 

وفي المملكة المتحدة، قفز عقد الغاز البريطاني للشهر الأمامي بنسبة 5.4% ليبلغ 116.59 بنساً لكل ثيرم، في واحدة من أكبر المكاسب اليومية خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد رهانات المستثمرين على احتمال حدوث اضطرابات في تدفقات الغاز العالمية.

مضيق هرمز يعود إلى صدارة المخاطر في أسواق الطاقة

جاءت هذه الارتفاعات بعد تصعيد عسكري كبير في منطقة الخليج العربي، إذ أفادت تقارير بأن القوات الإيرانية استهدفت سفناً تجارية أثناء عبورها مضيق هرمز، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى الرد عبر تنفيذ ضربات عسكرية انتقامية ضد أهداف داخل إيران، إلى جانب إلغاء تنازلات رئيسية كانت تسمح لطهران بمواصلة تصدير النفط.

 

ويُعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحراً على مستوى العالم، فضلاً عن كونه البوابة الرئيسية لصادرات كبار منتجي الغاز الطبيعي المسال، وعلى رأسهم قطر والإمارات العربية المتحدة.

 

ولهذا، فإن أي تهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة البحرية فيه قد يؤدي إلى تقليص الإمدادات الفورية للأسواق العالمية، وهو ما يزيد المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على شحنات الغاز الطبيعي المسال، ويرفع الأسعار بصورة سريعة.

تداعيات محتملة على التضخم والاقتصاد الأوروبي

لا تقتصر أهمية ارتفاع أسعار الغاز على قطاع الطاقة وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد الأوروبي بأكمله.

 

فالغاز الطبيعي يُعد عنصراً أساسياً في توليد الكهرباء داخل العديد من الدول الأوروبية، كما يمثل مادة خام رئيسية في صناعة الأسمدة النيتروجينية والعديد من الصناعات الثقيلة.

 

ومن ثم، فإن أي ارتفاع غير موسمي في أسعار عقود الغاز بالجملة قد ينتقل تدريجياً إلى أسعار الكهرباء والمنتجات الصناعية، الأمر الذي يهدد بزيادة معدلات التضخم في منطقة اليورو خلال الفترة المقبلة.

 

ويضع هذا السيناريو البنوك المركزية الأوروبية أمام تحديات إضافية، إذ قد تضطر إلى التعامل مع موجة جديدة من الضغوط التضخمية في وقت لا تزال فيه الاقتصادات الأوروبية تسعى إلى ترسيخ التعافي الاقتصادي.

أسعار النفط ترتفع مع اتساع التوترات العسكرية

لم تقتصر تداعيات التصعيد على سوق الغاز، بل امتدت أيضاً إلى سوق النفط العالمية.

 

فقد ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات الأربعاء بعد أن شنت الولايات المتحدة موجة جديدة وواسعة من الغارات الجوية ضد أهداف داخل إيران، بالتزامن مع قرارها إلغاء الترخيص الذي كان يسمح لطهران بتصدير النفط، وهو ما أعاد إشعال المخاوف من اضطرابات محتملة في إمدادات الطاقة العالمية، كما هدد بانهيار الهدنة الهشة التي جرى التوصل إليها خلال الشهر الماضي.

 

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 6.45% لتصل إلى 78.94 دولارًا للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 6.54% إلى 75.05 دولارًا للبرميل، مع اندفاع المستثمرين لتسعير مخاطر تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران.

وكان الخامان القياسيان قد حققا مكاسب تقارب 3% أيضًا خلال جلسة الثلاثاء، بعدما ألغت الولايات المتحدة الترخيص العام الذي كان يسمح ببيع النفط الخام الإيراني.

أسهم شركات الطاقة الأوروبية تستفيد من صعود النفط

انعكست مكاسب النفط بصورة مباشرة على أداء أسهم شركات الطاقة الأوروبية.

 

فقد ارتفع مؤشر قطاع الطاقة الأوروبي بنسبة 1.2%، ليصبح من بين أفضل القطاعات أداءً ضمن مؤشر STOXX 600 الأوروبي، الذي تراجع في المقابل بنسبة 0.7% خلال الجلسة.

 

وسجلت أسهم عدد من شركات الطاقة الكبرى مكاسب قوية، حيث ارتفعت أسهم:

  • Vaar Energi
  • Aker
  • ريبسول (Repsol)
  • YPF
  • Maurel & Prom
  • Equinor

بنسب تراوحت بين 1.5% و3.2%.

كما ارتفعت أسهم:

  • TotalEnergies
  • OMV
  • Galp

بنسب تراوحت بين 1.1% و2.2%.

وفي الوقت ذاته، صعد سهم Shell بنسبة 0.6%، بينما ارتفع سهم BP بنسبة 1.6%.

تفاصيل الضربات الأمريكية ضد إيران

جاءت هذه التحركات في الأسواق عقب إعلان القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ عملية عسكرية واسعة استهدفت أكثر من 80 هدفاً على امتداد الساحل الإيراني.

وشملت الضربات:

  • منظومات الدفاع الجوي.
  • شبكات القيادة والسيطرة.
  • مواقع الصواريخ المضادة للسفن.
  • أكثر من 60 زورقاً إيرانياً صغيراً بالقرب من مضيق هرمز.

ووفقاً لما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، وصف مسؤولون أمريكيون هذه العملية بأنها أوسع بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف مقارنة بأي عمليات عسكرية نُفذت منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في 17 يونيو 2025، والتي هدفت إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتهدئة الأعمال العدائية.

الرد الإيراني وتصاعد المخاطر الإقليمية

في المقابل، ردت إيران بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ باليستية باتجاه البحرين والكويت، اللتين تستضيفان قواعد عسكرية أمريكية، بالتزامن مع دوي صفارات الإنذار في كلا البلدين الخليجيين.

 

كما أدانت طهران قرار الولايات المتحدة بإلغاء ترخيص تصدير النفط، واعتبرته انتهاكاً واضحاً للاتفاق السابق، مؤكدة أنها سترد على هذه الإجراءات.

 

وأثار هذا التطور مخاوف جديدة من احتمال توسع دائرة الصراع في منطقة الخليج، وهو ما يزيد حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسواق الطاقة العالمية.

دويتشه بنك يحذر من انهيار الهدنة الهشة

علق محللو Deutsche Bank على هذه التطورات، مؤكدين أنها أعادت المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى واجهة الأسواق العالمية.

 

وأشاروا إلى أن إدانة إيران للضربات الأمريكية وإلغاء التراخيص النفطية، إلى جانب تعهدها بالرد، يزيد من احتمالات انهيار عملية السلام الهشة التي بدأت الشهر الماضي، وذلك قبل اكتمال المفاوضات المتعلقة بالتوصل إلى تسوية دائمة بين الطرفين.

 

وفي المقابل، أوضح تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة لا تزال تعتبر اتفاق وقف إطلاق النار سارياً، رغم التصعيد العسكري الأخير.

 

الخاتمة

تكشف التطورات الأخيرة مدى الترابط الوثيق بين الأوضاع الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية، حيث أدى التصعيد العسكري في منطقة الخليج إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي والنفط خلال ساعات قليلة، نتيجة إعادة المستثمرين تسعير المخاطر المرتبطة بأمن الإمدادات.

 

ومع استمرار أهمية مضيق هرمز باعتباره ممراً استراتيجياً يعبر من خلاله جزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، فإن أي تصعيد إضافي قد يفرض ضغوطاً جديدة على أسعار الطاقة، ويزيد من المنافسة على الإمدادات بين أوروبا وآسيا، كما قد ينعكس على معدلات التضخم العالمية والسياسات النقدية خلال الأشهر المقبلة، ما يجعل تطورات المنطقة عاملاً محورياً في تحديد اتجاه أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي خلال الفترة القادمة.

تم التحديث في: الأربعاء, 08 تموز 2026 12:49
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول