أسعار الذهب تتحرك بحذر وسط ترقب بيانات الوظائف الأمريكية وضغوط الدولار والعوائد

شهدت أسعار الذهب تحركات محدودة خلال تعاملات يوم الجمعة، في ظل ترقب المستثمرين صدور بيانات الوظائف الأمريكية لشهر سبتمبر، بحثاً عن مؤشرات جديدة بشأن مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي وتوجهاته المقبلة حيال أسعار الفائدة.

 

وفي الوقت الذي استفاد فيه المعدن الأصفر من تراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتقلص التوقعات بشأن رفع جديد للفائدة، حدّت قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات من جاذبيته، باعتباره أصلاً لا يدرّ عائداً.

 

وتزامنت هذه التطورات مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وما تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وتوقعات التضخم، الأمر الذي أبقى الأسواق المالية أمام مجموعة من العوامل المتعارضة التي تحدد اتجاه أسعار الذهب والمعادن الثمينة.

أسعار الذهب اليوم وتحركات المعادن الثمينة

ارتفع سعر الذهب الفوري إلى 4,183 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 10:45 صباحاً بتوقيت تركيا، فيما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للذهب بنسبة 0.2% لتصل إلى 4,214 دولاراً للأوقية.

 

ورغم هذه المكاسب المحدودة، كان الذهب يتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية للأسبوع الثاني على التوالي، إذ تراجع بنسبة 2.5% منذ بداية الأسبوع، في ظل استمرار الضغوط الناتجة عن قوة العملة الأمريكية وارتفاع عوائد سندات الخزانة.

 

وفي أسواق المعادن الثمينة الأخرى، سجلت الأسعار التحركات التالية:

  • الفضة: ارتفعت بنسبة 0.2% لتصل إلى 61.11 دولاراً للأوقية.
  • البلاتين: صعد بنسبة 0.4% ليبلغ 1,731 دولاراً للأوقية.

وتعكس هذه التحركات حالة الترقب التي تسيطر على الأسواق، مع انتظار المستثمرين بيانات اقتصادية أمريكية من شأنها التأثير في توقعات أسعار الفائدة والطلب على الأصول المعدنية.

أسعار النحاس ترتفع في الأسواق العالمية

امتدت المكاسب المحدودة إلى سوق النحاس، حيث ارتفعت العقود الآجلة القياسية للنحاس في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.2% لتصل إلى 14,298.33 دولاراً للطن.

 

كما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للنحاس بنسبة 0.4% لتسجل 6.58 دولاراً للرطل، في ظل تحركات متباينة في أسواق السلع الأساسية وترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية والتطورات المؤثرة في الأسواق العالمية.

الدولار الأمريكي وعوائد السندات يحدّان من مكاسب الذهب

شكّل أداء الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة عاملين رئيسيين في تحديد حركة الذهب خلال تعاملات الجمعة، إذ حدّت قوة العملة الأمريكية من قدرة المعدن الأصفر على تحقيق مكاسب أوسع.

 

وانخفض مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.2% إلى 101.64 نقطة، لكنه بقي قريباً من أعلى مستوى له في 17 شهراً، والذي سجله خلال الجلسة السابقة.

 

وكان المؤشر يتجه نحو تحقيق مكاسب أسبوعية بنحو 1%، وهو ما يزيد تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى المستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، ويؤثر سلباً في الطلب عليه.

 

وفي سوق السندات، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بصورة مؤقتة إلى 5.344% يوم الخميس، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.25% خلال تعاملات الجمعة.

 

وتؤدي العوائد المرتفعة إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، نظراً إلى أن المستثمرين يستطيعون تحقيق عوائد من أدوات الدخل الثابت، في حين لا يوفر المعدن الأصفر دخلاً دورياً. ومن ثم، فإن استمرار ارتفاع العوائد قد يحد من جاذبية الذهب، حتى في ظل وجود طلب على الملاذات الآمنة.

بيانات الوظائف الأمريكية في صدارة اهتمامات المستثمرين

تتركز أنظار الأسواق على تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي لشهر سبتمبر، المقرر صدوره في وقت لاحق من يوم الجمعة، لما يحمله من أهمية في تقييم قوة سوق العمل الأمريكي واستشراف قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة.

 

وتشير توقعات الاقتصاديين إلى أن أصحاب العمل في الولايات المتحدة أضافوا نحو 90 ألف وظيفة خلال سبتمبر، مقارنة بإضافة 162 ألف وظيفة في أغسطس. كما يُتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.1%.

 

وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة في ظل حساسية الأسواق لأي مؤشرات تتعلق بالنشاط الاقتصادي والتضخم، إذ يمكن أن تؤثر نتائج التقرير في توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة، وبالتالي في حركة الدولار وعوائد السندات وأسعار الذهب.

 

ومن شأن صدور بيانات توظيف أقوى أو أضعف من المتوقع أن يعيد تشكيل رهانات الأسواق على توجهات السياسة النقدية، في وقت لا يزال فيه المستثمرون يحاولون تقييم مدى استعداد الاحتياطي الفيدرالي لمواصلة تشديد السياسة النقدية.

الاحتياطي الفيدرالي يقلّص توقعات رفع أسعار الفائدة

رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة القياسي بمقدار 25 نقطة أساس خلال الشهر الماضي، ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4.00%، في أول زيادة للفائدة منذ ثلاث سنوات، مع الإشارة إلى إمكانية تنفيذ زيادات إضافية خلال الفترة المقبلة.

 

لكن صدور قراءات تضخم جاءت أقل من المتوقع أسهم في تقليص رهانات المستثمرين على تنفيذ زيادة جديدة خلال شهر أكتوبر، بعدما أظهرت البيانات مؤشرات على تراجع الضغوط التضخمية.

 

وبحسب تسعير الأسواق، تراجعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في أكتوبر إلى نحو 26%، مقارنة بنحو 69% قبل أسبوع، في إشارة إلى تغير واضح في توقعات المتعاملين بشأن الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.

 

وكان الذهب قد تلقى دعماً في وقت سابق من الأسبوع، بعدما ساعدت بيانات التضخم الأمريكية الأضعف من المتوقع على خفض التوقعات المتعلقة بمزيد من التشديد النقدي. ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة بشأن استمرار ارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات، وما قد يترتب على ذلك من بقاء الضغوط التضخمية عند مستويات مرتفعة.

تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تعزز الحذر في الأسواق

ساهمت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي في تهدئة التوقعات بشأن رفع وشيك لأسعار الفائدة، إذ أكد نائب رئيس المجلس فيليب جيفرسون أن تقييم الحاجة إلى زيادات إضافية قد يتطلب مزيداً من الوقت.

 

وتشير هذه التصريحات إلى أن صانعي السياسة النقدية لا يزالون بحاجة إلى دراسة البيانات الاقتصادية والتضخمية قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الفائدة.

 

وقد انعكس هذا التوجه على رهانات الأسواق، حيث تراجعت احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر إلى نحو 27%، مقارنة بنحو 70% في وقت سابق من الأسبوع، وفقاً للتقديرات الواردة في التداولات.

 

ورغم أن تراجع احتمالات رفع الفائدة قد يوفر دعماً للذهب، فإن استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات يحدان من قدرة المعدن على الاستفادة الكاملة من هذه التطورات.

التوترات في الشرق الأوسط وأسعار النفط تضيف مزيداً من التعقيد

على الصعيد الجيوسياسي، ظلت التوترات في الشرق الأوسط من أبرز العوامل المؤثرة في الأسواق العالمية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة واحتمالات اتساع نطاق المواجهات الإقليمية.

 

وفي هذا السياق، نقل مسؤول أمريكي أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد تنشر حاملة طائرات إضافية ونحو 10 آلاف من البحارة وأفراد مشاة البحرية في مياه الخليج العربي.

 

ومن شأن هذه الخطوة، في حال تنفيذها، أن تعيد عدد المجموعات القتالية لحاملات الطائرات الأمريكية إلى المستوى نفسه الذي كانت عليه عند بداية الحرب على إيران في أواخر فبراير.

 

وقد أسهمت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط في إبقاء تكاليف الطاقة مرتفعة، مع انعكاسات محتملة على توقعات التضخم والأسواق المالية.

 

كما ساهم ارتفاع أسعار النفط، المدفوع بالمخاوف الجيوسياسية، في دفع عوائد السندات العالمية إلى الارتفاع، وهو ما أوجد توازناً معقداً بين عاملين متعارضين بالنسبة إلى الذهب: زيادة الطلب على الملاذات الآمنة من جهة، وارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن من جهة أخرى.

 

وتبقى هذه المعادلة من أبرز التحديات التي تواجه أسعار الذهب، إذ قد تدعم المخاطر الجيوسياسية الطلب على المعدن الأصفر، بينما يؤدي ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار إلى الحد من المكاسب المحتملة.

محللون: الذهب عالق بين دعم تباطؤ التضخم وضغوط الدولار والعوائد

في قراءة لتطورات السوق، قالت هيبي تشين، كبيرة محللي السوق لدى شركة «فانتج غلوبال ماركتس» (Vantage Global Markets Pty Ltd)، إن الافتتاح الهادئ لتداولات الذهب يشبه سطحاً هادئاً يخفي تحته تيارات متعارضة قوية.

 

وأوضحت أن تباطؤ التضخم الأمريكي، وتراجع التوقعات بشأن تنفيذ زيادة جديدة في أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي خلال أكتوبر، إلى جانب انخفاض أسعار النفط، تمنح المعدن النفيس بعض المساحة للتنفس.

 

لكنها أشارت في المقابل إلى أن استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وقوة الدولار يشكلان سقفاً ضاغطاً بقوة على الأسعار، ما يبقي الذهب عالقاً بالقرب من مستوى 4,100 دولار للأوقية.

 

وتبرز هذه القراءة حجم التباين بين العوامل المؤثرة في سوق الذهب، حيث تتقاطع توقعات السياسة النقدية مع تحركات أسواق السندات والعملات، فضلاً عن المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة.

توقعات أسعار الذهب بين السياسة النقدية والمخاطر الجيوسياسية

تظل حركة الذهب في المرحلة الحالية مرتبطة بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية والمالية، يأتي في مقدمتها تقرير الوظائف الأمريكي، وتوقعات أسعار الفائدة، وأداء الدولار، وعوائد سندات الخزانة، إلى جانب تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط.

 

فمن جهة، قد يؤدي تباطؤ التضخم وتراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى توفير دعم إضافي للمعدن الأصفر، من خلال تقليل الضغوط المرتبطة بارتفاع تكلفة الاحتفاظ به.

 

ومن جهة أخرى، قد تحدّ قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات من المكاسب، خصوصاً إذا أظهرت البيانات الاقتصادية الأمريكية استمرار متانة سوق العمل أو تجدد الضغوط التضخمية.

 

كما تظل أسعار النفط عاملاً مهماً في تحديد اتجاهات الأسواق، إذ إن استمرار ارتفاعها نتيجة التوترات الجيوسياسية قد يعزز المخاوف بشأن التضخم، ويدفع عوائد السندات إلى مستويات أعلى، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الذهب.

 

وبذلك، تبقى الأسواق في حالة ترقب، مع سعي المستثمرين إلى تقييم تأثير البيانات الاقتصادية والتطورات الجيوسياسية في مسار السياسة النقدية الأمريكية، وانعكاس ذلك على أسعار المعادن الثمينة.

 

خاتمة

تعكس تحركات الذهب خلال تعاملات الجمعة حالة من التوازن الهش بين العوامل الداعمة والضاغطة، إذ ساعد تراجع عوائد السندات وتقلص احتمالات رفع أسعار الفائدة على دعم الأسعار، في حين حدّت قوة الدولار واستمرار ارتفاع العوائد من اتساع المكاسب.

 

وفي الوقت نفسه، أضافت التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط مزيداً من التعقيد إلى المشهد، من خلال تأثيرها في توقعات التضخم وعوائد السندات والطلب على الملاذات الآمنة.

 

ومع اقتراب صدور بيانات الوظائف الأمريكية، تترقب الأسواق مؤشرات قد تحدد اتجاه توقعات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، بينما يظل الذهب عرضة لتقلبات ناجمة عن تداخل العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، في ظل استمرار الضغوط التي أبقته قريباً من مستوى 4,100 دولار للأوقية.

تم التحديث في: الجمعة, 02 تشرين الأول 2026 11:30
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول