أسعار الذهب ترتفع لأعلى مستوى لها منذ أكثر من أسبوع بدعم من ضعف بيانات التوظيف الأمريكية
سجلت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال تعاملات يوم الجمعة، متجهة نحو تحقيق أول مكاسب أسبوعية منذ خمسة أسابيع، في ظل تغير واضح في توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية.
وجاء هذا الأداء الإيجابي بعدما كشفت بيانات سوق العمل في الولايات المتحدة عن تباطؤ أكبر من المتوقع، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على استمرار رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما انعكس إيجابًا على الطلب على المعدن النفيس، بالتزامن مع تراجع أداء الدولار الأمريكي.
ويؤكد هذا التطور استمرار الارتباط الوثيق بين تحركات الذهب والتوقعات الخاصة بأسعار الفائدة الأمريكية، حيث يواصل المستثمرون متابعة المؤشرات الاقتصادية الأمريكية باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه أسواق المعادن النفيسة خلال المرحلة المقبلة.
أداء أسعار الذهب اليوم
شهدت أسعار الذهب موجة صعود قوية عقب صدور سلسلة من البيانات الاقتصادية التي أظهرت تباطؤًا واضحًا في سوق العمل الأمريكي، وهو ما خفف المخاوف المتعلقة باستمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، وأعاد الزخم إلى المعدن الأصفر بعد أسابيع من الضغوط.
واستمد الذهب قوته من بيانات التوظيف الأمريكية التي جاءت دون توقعات الأسواق، بعدما أظهرت تباطؤًا ملحوظًا في نمو الوظائف، سواء في تقرير الوظائف غير الزراعية أو تقرير وظائف القطاع الخاص، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغوط المرتبطة بالتضخم، وأضعف توقعات استمرار رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
بيانات التوظيف الأمريكية تخالف التوقعات
أظهرت البيانات الاقتصادية أن الاقتصاد الأمريكي أضاف نحو 57 ألف وظيفة فقط خلال الشهر الماضي، مقارنة مع توقعات الاقتصاديين التي كانت تشير إلى إضافة ما يقارب 114 ألف وظيفة.
وشكلت هذه الأرقام مفاجأة للأسواق، إذ عززت الاعتقاد بأن سوق العمل الأمريكي بدأ يفقد زخمه بصورة تدريجية، وهو ما انعكس مباشرة على توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
ويرى المستثمرون أن تباطؤ التوظيف يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتريث في اتخاذ قرارات رفع أسعار الفائدة، كما يقلل الحاجة إلى مواصلة تشديد السياسة النقدية بالوتيرة التي كانت متوقعة سابقًا.
إعادة تسعير توقعات الفائدة الأمريكية
أكد كلفن وونغ، كبير محللي الأسواق لدى أواندا، أن الأسواق تشهد حاليًا عملية إعادة تسعير واضحة لتوقعات أسعار الفائدة الأمريكية، سواء خلال ما تبقى من العام الحالي أو خلال الربع الأول من العام المقبل.
وأوضح أن هذا التحول في توقعات المستثمرين جاء مدفوعًا بصورة رئيسية بضعف بيانات سوق العمل الأمريكية، والتي أظهرت تباطؤًا أكبر من المتوقع في وتيرة التوظيف، الأمر الذي دفع الأسواق إلى إعادة تقييم احتمالات استمرار التشديد النقدي.
ووفقًا لبيانات أداة متابعة الفائدة الأمريكية المتاحة على منصة إنفستنغ السعودية، تراجعت احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع شهر سبتمبر إلى نحو 54%، مقارنة مع 66% قبل صدور تقرير الوظائف.
تراجع الدولار يعزز جاذبية المعدن النفيس
بالتزامن مع تغير توقعات السياسة النقدية، اتجه الدولار الأمريكي نحو تسجيل خسائر أسبوعية، وهو ما وفر دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب.
ويؤدي انخفاض الدولار إلى جعل الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أقل تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، وهو ما يعزز الطلب العالمي على المعدن النفيس ويدعم أسعاره في الأسواق الدولية.
هل تستمر مكاسب الذهب خلال النصف الثاني من العام؟
رغم التحسن الأخير في أسعار الذهب، يرى كلفن وونغ أن احتمالات رفع أسعار الفائدة الأمريكية لم تتلاشَ بالكامل، محذرًا من إمكانية تعرض المعدن النفيس لضغوط جديدة خلال النصف الثاني من العام.
وأشار إلى أن عودة البيانات الاقتصادية الأمريكية لإظهار قوة أكبر، أو ارتفاع الضغوط التضخمية مرة أخرى، قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا، وهو ما قد ينعكس سلبًا على أسعار الذهب.
وأضاف أن استمرار هذا السيناريو قد يؤدي إلى تراجع الذهب مجددًا، وربما اختبار مستويات تقترب من 3500 دولار للأونصة خلال الفترة المقبلة.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية كبيرة في ظل استمرار تركيز المستثمرين على بيانات التضخم الأمريكية، إلى جانب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، باعتبارها المؤشرات الرئيسية التي ستحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
مشتريات البنوك المركزية توفر دعمًا طويل الأجل
في المقابل، لا تزال مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد أهم عوامل الدعم الأساسية لأسعار الذهب على المدى الطويل.
فقد أعلن مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية عادت إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب خلال شهر مايو، حيث ارتفعت الاحتياطيات الرسمية عالميًا بمقدار 41 طنًا على أساس صافٍ، وفقًا لأحدث البيانات المتاحة.
ويعكس استمرار هذه المشتريات بقاء الطلب الرسمي على الذهب عند مستويات قوية، وهو ما يشكل عامل دعم رئيسيًا للأسعار، حتى في ظل استمرار التقلبات المرتبطة بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية.
أسعار الذهب اليوم
سجلت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال تعاملات اليوم، حيث ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.33% ليصل إلى 4,178 دولارًا للأونصة عند الساعة 10:15 بتوقيت تركيا، بعدما سجل في وقت سابق أعلى مستوياته منذ 23 يونيو.
كما ارتفعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم شهر أغسطس بنسبة 1.48% لتصل إلى 4,186 دولارًا للأونصة.
وعلى أساس أسبوعي، يتجه المعدن الأصفر إلى تحقيق مكاسب تبلغ نحو 1.8%، لتكون أول مكاسب أسبوعية منذ الأسبوع المنتهي في 29 مايو.
المعادن النفيسة الأخرى تلحق بموجة الصعود
لم تقتصر المكاسب على الذهب وحده، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة التي سجلت ارتفاعات قوية خلال تعاملات اليوم.
فقد ارتفعت أسعار الفضة الفورية بنسبة 2.55% لتصل إلى 62.52 دولارًا للأونصة، كما صعد البلاتين بنسبة 2.31% ليسجل 1,662 دولارًا للأونصة، في حين ارتفع البلاديوم بنسبة 1.58% إلى 1,283.8 دولارًا للأونصة.
واقتربت المعادن الثلاثة من تسجيل أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، كما تتجه جميعها نحو تحقيق مكاسب أسبوعية، مستفيدة من تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض توقعات الأسواق بشأن استمرار رفع أسعار الفائدة الأمريكية.
الخاتمة
تعكس التحركات الأخيرة في سوق الذهب حساسية المعدن النفيس الكبيرة تجاه البيانات الاقتصادية الأمريكية، ولا سيما مؤشرات سوق العمل التي أصبحت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل توقعات المستثمرين بشأن مستقبل السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
وبينما وفر ضعف بيانات التوظيف وتراجع الدولار الأمريكي دعمًا قويًا للأسعار خلال الأسبوع الحالي، فإن استمرار هذا الاتجاه سيظل مرهونًا بمسار التضخم الأمريكي والبيانات الاقتصادية المقبلة، إضافة إلى قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
وفي المقابل، تواصل مشتريات البنوك المركزية العالمية توفير قاعدة دعم قوية للذهب على المدى الطويل، مما يعزز مكانته كأحد أهم الأصول الدفاعية في فترات عدم اليقين الاقتصادي والمالي.