أسعار الذهب تتراجع في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتأثير قوة الدولار وتراجع احتمالات خفض الفائدة
شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا خلال التداولات الآسيوية يوم الاثنين، في تحوّل لافت بعد موجة مكاسب قوية سجلها المعدن النفيس خلال الأسبوع الماضي.
ويأتي هذا التراجع في ظل تداخل معقد بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، حيث تصاعدت حدة التوترات في الشرق الأوسط عقب تصريحات دونالد ترامب، مقابل تزايد الضغوط الناتجة عن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، بالإضافة إلى بيانات اقتصادية أمريكية فاقت التوقعات وأعادت تشكيل رهانات السياسة النقدية.
أداء أسعار الذهب اليوم
انخفضت أسعار الذهب الفوري بنسبة 0.7% لتصل إلى 4,644.74 دولار للأوقية بحلول الساعة 10 صباحًا بتوقيت تركيا، في حين تراجعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.2% إلى 4,672.75 دولار للأوقية.
ويأتي هذا الأداء بعد أن حقق المعدن النفيس مكاسب أسبوعية بلغت نحو 4% خلال الأسبوع السابق، مدعومًا بتزايد الإقبال على الملاذات الآمنة، قبل أن يعكس جزءًا كبيرًا من هذه المكاسب خلال جلسة الخميس الأخيرة، ما يشير إلى تغير سريع في معنويات المستثمرين.
تصريحات ترامب وتصاعد المخاطر الجيوسياسية
تصاعدت المخاوف الجيوسياسية بشكل كبير بعد التحذيرات الصادرة عن الرئيس الأمريكي، والتي ركزت على ضرورة إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، والذي تمر عبره نحو 20% من شحنات النفط العالمية.
وفي منشور عبر منصة Truth Social، شدد ترامب على أن إيران تواجه مهلة زمنية محددة لإعادة تشغيل حركة الناقلات، محذرًا من أن عدم الامتثال قد يؤدي إلى استهداف منشآت حيوية مثل محطات الطاقة والجسور، وهو ما يفتح الباب أمام تصعيد عسكري واسع النطاق.
ورغم هذه التصريحات الحادة، ظهرت مؤشرات على إمكانية التهدئة، حيث أفادت تقارير إعلامية بوجود محادثات بين الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء إقليميين لبحث هدنة محتملة لمدة 45 يومًا، قد تشكل أساسًا لاتفاق أشمل لإنهاء الصراع.
مضيق هرمز وأسواق الطاقة: تأثير مباشر على التضخم العالمي
تُعد التطورات في مضيق هرمز عاملًا محوريًا في تحديد اتجاهات أسواق الطاقة العالمية، إذ يؤدي أي اضطراب في هذا الممر الحيوي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط.
وقد انعكس ذلك بالفعل على أسعار Brent Crude، التي سجلت ارتفاعات ملحوظة مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات، في ظل استمرار الحرب وتأثيرها على تدفقات الطاقة العالمية.
هذا الارتفاع في أسعار النفط عزز من الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي، وهو ما يُعد عاملًا سلبيًا للذهب، إذ يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة لفترة أطول.
بيانات الوظائف الأمريكية: قوة الاقتصاد تعيد تسعير الفائدة
في سياق متصل، قيّم المستثمرون أحدث بيانات سوق العمل الأمريكي، والتي أظهرت أداءً أقوى من المتوقع، حيث ارتفعت الوظائف غير الزراعية بنحو 178 ألف وظيفة خلال شهر مارس، وهو أعلى مستوى منذ ديسمبر 2024، بينما تراجع معدل البطالة إلى 4.3%.
وقد ساهمت هذه البيانات في تعزيز الثقة بمرونة الاقتصاد الأمريكي، ما أدى إلى ارتفاع مؤشر الدولار بنسبة 0.1% خلال التداولات الآسيوية، إلى جانب صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات.
ويُعد هذا التطور عامل ضغط مباشر على الذهب، إذ يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء المعدن النفيس لحائزي العملات الأخرى، كما أن ارتفاع العوائد يقلل من جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.
تراجع جاذبية الذهب كملاذ آمن
على الرغم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية، إلا أن الذهب فشل في الحفاظ على زخمه الصعودي، في ظل هيمنة العوامل الاقتصادية والنقدية.
وفي هذا السياق، أشار Tim Waterer، كبير محللي الأسواق، إلى أن قوة بيانات الوظائف الأمريكية عززت من توجهات البنوك المركزية نحو التشديد النقدي، خاصة مع استمرار المخاوف من التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة.
وأوضح أن هذه البيئة تقلل من جاذبية الذهب كملاذ آمن تقليدي، حيث يفضل المستثمرون الأصول التي توفر عوائد أعلى في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
امتد التراجع ليشمل باقي المعادن النفيسة، حيث انخفضت أسعار الفضة بنسبة 0.6% إلى 72.58 دولار للأوقية، فيما تراجع البلاتين بنسبة 0.4% إلى 1,985.60 دولار للأوقية، متأثرة بنفس العوامل المرتبطة بقوة الدولار وارتفاع العوائد.
تحولات توقعات السياسة النقدية الأمريكية
شهدت الأسواق تحولًا جذريًا في توقعاتها بشأن السياسة النقدية، حيث بات المستثمرون يستبعدون بشكل شبه كامل أي خفض لأسعار الفائدة من قبل Federal Reserve خلال العام الجاري، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى احتمال تنفيذ خفضين.
ويعكس هذا التحول إعادة تقييم شاملة لتوقعات التضخم والنمو، في ظل استمرار الضغوط السعرية ومرونة الاقتصاد الأمريكي.
خلاصة تحليلية: هيمنة العوامل الاقتصادية على حساب الجيوسياسية
في المحصلة، يُظهر أداء الذهب الحالي أن العوامل الاقتصادية الكلية، وعلى رأسها قوة الدولار وارتفاع العوائد وتراجع احتمالات خفض الفائدة، باتت أكثر تأثيرًا من المخاطر الجيوسياسية في توجيه الأسواق.
ورغم استمرار التوترات في الشرق الأوسط، إلا أن غياب إشارات واضحة على تيسير نقدي قريب، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية، قد يُبقي الذهب تحت الضغط خلال الفترة المقبلة، ما لم تشهد الأسواق تحولًا جذريًا في موازين القوى الاقتصادية أو تصعيدًا فعليًا يغير قواعد اللعبة.