تراجع أسعار الذهب بعد قفزة أسبوعية قوية مع تعافي الدولار الأمريكي رغم انحسار توقعات رفع الفائدة

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الاثنين بعد أن سجلت أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين، متأثرةً بالتعافي الطفيف للدولار الأمريكي من أدنى مستوياته الأخيرة، الأمر الذي زاد من الضغوط على المعدن النفيس.

 

ورغم هذا التراجع، فإن انخفاض توقعات الأسواق بشأن مواصلة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة ساهم في الحد من خسائر الذهب، في ظل استمرار المستثمرين في إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية عقب صدور بيانات اقتصادية أظهرت تباطؤًا واضحًا في سوق العمل.

 

وتتجه أنظار الأسواق العالمية خلال الأسبوع الجاري إلى محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، والذي يُعد أحد أهم الأحداث الاقتصادية المنتظرة، نظرًا لما قد يحمله من إشارات جديدة بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على تحركات الدولار الأمريكي وأسعار الذهب وبقية الأصول المالية.

أداء أسعار الذهب اليوم

شهدت أسعار الذهب تراجعًا خلال تعاملات يوم الاثنين، بعدما نجحت في وقت سابق من الجلسة في تسجيل أعلى مستوياتها منذ 22 يونيو، إلا أن التعافي المحدود للدولار الأمريكي دفع المعدن الأصفر إلى التخلي عن جزء من مكاسبه.

 

ويأتي هذا التراجع في وقت لا تزال فيه الأسواق توازن بين عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في قوة الدولار الأمريكي التي تضغط على أسعار الذهب، والثاني يتمثل في تراجع رهانات رفع أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما يحد من خسائر المعدن النفيس ويمنحه بعض الدعم.

قوة الدولار الأمريكي تفرض ضغوطًا على المعدن النفيس

ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.1% خلال تعاملات الاثنين ليصل إلى 100.79 نقطة، بعد أن كان قد سجل أدنى مستوياته خلال الفترة الماضية.

 

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون العملات الأخرى، باعتبار أن المعدن النفيس يتم تسعيره بالدولار الأمريكي، وهو ما يقلل من الطلب العالمي عليه ويضغط على أسعاره.

 

ورغم هذا التعافي المحدود للعملة الأمريكية، فإن الذهب لا يزال يحتفظ بجزء كبير من المكاسب التي حققها الأسبوع الماضي، عندما ارتفع بأكثر من 2%، منهياً بذلك سلسلة خسائر استمرت أربعة أسابيع متتالية.

محلل الأسواق: الدولار لا يزال العائق الأكبر أمام صعود الذهب

قال تيم واترير، كبير محللي الأسواق لدى شركة كي سي إم تريد، إن الذهب لا يزال يواجه ضغوطًا ناجمة عن استمرار قوة الدولار الأمريكي، موضحًا أن هذا العامل يحد من قدرة المعدن النفيس على مواصلة الارتفاع، رغم التحسن الملحوظ في معنويات المستثمرين تجاه الذهب خلال الفترة الأخيرة.

 

وأضاف واترير أن الأسواق تترقب باهتمام بالغ صدور محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة خلال الأسبوع الحالي، بحثًا عن مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن توجهات السياسة النقدية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.

 

وأشار إلى أن المستثمرين سيراقبون بدقة ما إذا كان بقية أعضاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يتبنون النهج المتشدد الذي يدعمه رئيس البنك، كيفن وورش، أم أن هناك أصواتًا داخل اللجنة تميل إلى موقف أكثر مرونة فيما يتعلق بأسعار الفائدة.

 

وأكد أن أهمية محضر الاجتماع تكمن في قدرته على إعادة تشكيل توقعات الأسواق بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما قد يحدد اتجاه كل من الدولار الأمريكي والذهب خلال الأسابيع المقبلة.

بيانات سوق العمل الأمريكية تغير حسابات المستثمرين

جاءت التحركات الأخيرة في أسعار الذهب مدعومة بالتغير الكبير في توقعات الأسواق عقب صدور بيانات سوق العمل الأمريكية يوم الخميس الماضي.

 

وأظهرت البيانات تباطؤًا حادًا في نمو الوظائف الأمريكية خلال شهر يونيو، إلى جانب إجراء مراجعات هبوطية لأرقام التوظيف الخاصة بالشهرين السابقين، وهو ما عكس تراجعًا في قوة سوق العمل الأمريكي مقارنة بالفترات الماضية.

 

وأشارت هذه النتائج إلى أن الاقتصاد الأمريكي بدأ يفقد جزءًا من زخمه، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية، وتقليص رهاناتهم على تنفيذ رفع قريب لأسعار الفائدة.

تراجع احتمالات رفع الفائدة الأمريكية بعد بيانات التوظيف

وفقًا لأداة متابعة أسعار الفائدة الأمريكية المتاحة على إنفستنغ السعودية، انخفضت احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع شهر سبتمبر إلى نحو 55%، مقارنةً بأكثر من 60% قبل صدور بيانات الوظائف الأخيرة.

 

ويعكس هذا التراجع تحولًا واضحًا في توقعات المستثمرين، الذين باتوا يرون أن تباطؤ سوق العمل قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتبني سياسة نقدية أقل تشددًا خلال الأشهر المقبلة.

لماذا يدعم انخفاض الفائدة أسعار الذهب؟

يُنظر إلى الذهب تقليديًا باعتباره أحد أبرز الأصول المستفيدة من انخفاض أسعار الفائدة أو تراجع احتمالات رفعها.

 

ويعود ذلك إلى أن الذهب لا يدر عائدًا دوريًا، وبالتالي فإن انخفاض عوائد السندات والأصول المنافسة يزيد من جاذبية الاحتفاظ بالمعدن النفيس، سواء باعتباره أداة للتحوط من المخاطر أو وسيلة للحفاظ على القيمة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي.

 

ولهذا السبب، فإن تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة ساهم في الحد من خسائر الذهب، رغم الضغوط التي فرضها تعافي الدولار الأمريكي.

جي بي مورغان يتبنى رؤية أكثر تحفظًا لأسعار الذهب

في المقابل، خفّض بنك جي بي مورغان سقف توقعاته لأسعار الذهب خلال الفترة المتبقية من العام، بعدما رأى أن الطلب على المعدن النفيس من القطاعات الرئيسية لن يكون بالقوة التي كان يتوقعها سابقًا.

 

وأوضح البنك أن هذه الرؤية الأكثر تحفظًا جاءت نتيجة توقعات بتباطؤ وتيرة الطلب مقارنة بالتقديرات السابقة، رغم استمرار العوامل الداعمة للاتجاه الصاعد على المدى المتوسط.

 

ويتوقع البنك أن تصل أسعار الذهب إلى نحو 4300 دولار للأوقية خلال الربع الثالث من العام، قبل أن ترتفع إلى حوالي 4500 دولار للأوقية خلال الربع الرابع.

 

وتشير هذه التوقعات إلى أن البنك لا يزال يرجح استمرار الاتجاه الصاعد للذهب، إلا أن وتيرة الارتفاع ستكون أكثر اعتدالًا مقارنةً بما كان متوقعًا في السابق.

أداء الذهب في الأسواق الفورية والعقود الآجلة

على صعيد التداولات، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.44% ليصل إلى 4,157 دولارًا للأوقية عند الساعة 10:37 صباحًا بتوقيت تركيا، وذلك بعد أن لامس خلال وقت سابق من الجلسة أعلى مستوياته منذ 22 يونيو.

 

وفي المقابل، ارتفعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم شهر أغسطس بنسبة 1.04% لتصل إلى 4,168 دولارًا للأوقية.

 

ويعكس هذا التباين بين السوق الفورية والعقود المستقبلية استمرار اختلاف توقعات المستثمرين بشأن حركة الذهب على المدى القريب، إذ يرى بعض المتعاملين أن الضغوط الحالية قد تكون مؤقتة، بينما يراهن آخرون على استمرار الدعم الناتج عن تراجع توقعات الفائدة.

المعادن النفيسة الأخرى تتحرك بشكل متباين

لم يقتصر التراجع على الذهب وحده، بل امتد إلى سوق المعادن النفيسة الأخرى، حيث انخفضت أسعار الفضة الفورية بنسبة 0.66% لتصل إلى 62.01 دولارًا للأوقية، وذلك بعدما سجلت خلال وقت سابق من الجلسة أعلى مستوياتها منذ 23 يونيو.

 

وفي المقابل، واصل كل من البلاتين والبلاديوم تحقيق مكاسب، إذ ارتفع سعر البلاتين إلى 1,649 دولارًا للأوقية، بينما صعد البلاديوم إلى 1,283 دولارًا للأوقية، في ظل استمرار التباين في أداء المعادن النفيسة تبعًا لاختلاف عوامل العرض والطلب والتوقعات الاقتصادية.

العوامل التي ستحدد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة

تتوقف تحركات الذهب خلال الأسابيع المقبلة على مجموعة من العوامل الاقتصادية الرئيسية، أبرزها:

  • نتائج محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة وما قد يكشفه من توجهات جديدة بشأن السياسة النقدية.
  • مدى استمرار ضعف بيانات الاقتصاد الأمريكي، وخاصة بيانات سوق العمل والتضخم.
  • تطورات قوة الدولار الأمريكي وتأثيرها على الطلب العالمي على الذهب.
  • تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية خلال الاجتماعات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.
  • استمرار الطلب الاستثماري والمؤسسي على الذهب في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي.

 

خاتمة

تؤكد تحركات الذهب الأخيرة أن الأسواق تمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها تأثيرات السياسة النقدية الأمريكية مع تطورات الاقتصاد الكلي وأداء الدولار الأمريكي.

 

ففي الوقت الذي فرض فيه التعافي الطفيف للعملة الأمريكية ضغوطًا على المعدن النفيس، ساهمت البيانات الضعيفة لسوق العمل الأمريكي في تقليص توقعات رفع أسعار الفائدة، وهو ما وفر دعمًا نسبيًا لأسعار الذهب وحدّ من خسائرها.

 

ومع اقتراب صدور محضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، تزداد أهمية هذا الحدث باعتباره عاملًا رئيسيًا قد يعيد رسم توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية، الأمر الذي سيحدد بصورة كبيرة اتجاه كل من الذهب والدولار خلال المرحلة المقبلة، وسط استمرار حالة الترقب في الأسواق العالمية.

تم التحديث في: الاثنين, 06 تموز 2026 11:51
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول