أسعار الذهب تهبط لأدنى مستوى في 11 أسبوعاً مع قوة الوظائف الأمريكية وارتفاع النفط يعزز مخاوف التضخم
تراجعت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في نحو ثلاثة أشهر خلال تعاملات الاثنين، متأثرةً بقوة بيانات سوق العمل الأمريكية التي عززت توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة من قبل الاحتياطي الفيدرالي لفترة أطول.
وفي الوقت ذاته، أدى التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، ما أعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة وأثر على توجهات المستثمرين في الأسواق العالمية.
أداء أسعار الذهب اليوم
واصلت أسعار الذهب خسائرها خلال جلسة الاثنين، لتسجل أدنى مستوياتها منذ أواخر شهر مارس، بعدما عززت بيانات التوظيف الأمريكية القوية رهانات الأسواق على بقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.45% ليصل إلى 4,310 دولارات للأوقية بحلول الساعة 10:35 صباحاً بتوقيت تركيا، وهو أدنى مستوى يسجله المعدن الأصفر منذ 23 مارس.
كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم أغسطس بنسبة 0.75% لتصل إلى 4,332 دولاراً للأوقية، مواصلةً موجة الهبوط التي بدأت نهاية الأسبوع الماضي.
وكان الذهب قد تكبد خسائر حادة تجاوزت 3% يوم الجمعة، عقب صدور بيانات اقتصادية أمريكية دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
بيانات التوظيف الأمريكية تغيّر توقعات الأسواق
جاءت الضغوط الرئيسية على الذهب من تقرير الوظائف الأمريكي الذي أظهر استمرار قوة سوق العمل رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية المتزايدة.
وأظهرت البيانات الصادرة يوم الجمعة أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 172 ألف وظيفة جديدة خلال شهر مايو، وهو رقم تجاوز بشكل واضح توقعات المحللين التي كانت تشير إلى إضافة عدد أقل بكثير من الوظائف.
وفي الوقت ذاته، استقر معدل البطالة عند 4.3% دون تغيير عن الشهر السابق، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل الأمريكي.
وتعد هذه البيانات ذات أهمية كبيرة بالنسبة لصناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي، إذ إن قوة التوظيف واستمرار استقرار معدلات البطالة يقللان الحاجة إلى خفض أسعار الفائدة في الأجل القريب، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية في بعض قطاعات الاقتصاد.
لماذا تؤثر الفائدة المرتفعة سلباً على الذهب؟
يُنظر إلى الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً أو فائدة لحامليه، ولذلك فإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الأصول الأخرى مثل السندات الحكومية أكثر جاذبية للمستثمرين.
وعندما ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، يزداد الإقبال على الأصول المدرة للعائد، بينما يتراجع الطلب على الذهب، ما يؤدي إلى انخفاض أسعاره.
كما أن ارتفاع الفائدة يدعم الدولار الأمريكي عادةً، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على الذهب، لأن ارتفاع قيمة الدولار يجعل المعدن النفيس أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
ولهذا السبب، أدى تقرير الوظائف القوي إلى:
- ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
- تعزيز قوة الدولار الأمريكي.
- تقليص توقعات خفض الفائدة خلال العام الحالي.
- زيادة الضغوط البيعية على الذهب.
ING: الأسواق تسعّر رفع الفائدة بالكامل في ديسمبر
في هذا السياق، أشار محللو بنك ING إلى أن الأسواق أصبحت أكثر ميلاً لتوقع استمرار التشدد النقدي وقال البنك في مذكرة بحثية حديثة:
"على الرغم من غياب الرسائل المتسقة في بيانات سوق العمل، فإن رفع الفائدة بات مسعّراً بالكامل في اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية خلال شهر ديسمبر."
وتعكس هذه التوقعات تحولاً مهماً في مزاج المستثمرين مقارنة بالأشهر الماضية، عندما كانت الأسواق تراهن على عدة تخفيضات للفائدة خلال عام 2026.
الدولار يحافظ على مكاسبه قرب أعلى مستوياته في شهرين
استفاد الدولار الأمريكي من تغير توقعات السياسة النقدية، حيث استقر مؤشر الدولار بالقرب من أعلى مستوياته في شهرين.
وتداول المؤشر عند مستوى 99.79 خلال التعاملات الآسيوية يوم الاثنين، بعدما سجل ارتفاعاً قوياً في الجلسة السابقة.
ويعتبر استقرار الدولار بالقرب من هذه المستويات عاملاً سلبياً إضافياً بالنسبة للذهب، إذ توجد عادة علاقة عكسية بين أداء العملة الأمريكية وأسعار المعدن الأصفر.
تصعيد عسكري جديد بين إسرائيل وإيران
في المقابل، شهدت منطقة الشرق الأوسط تطورات عسكرية لافتة أعادت المخاوف الجيوسياسية إلى الأسواق العالمية.
وأعلنت إسرائيل أنها نفذت هجمات استهدفت مواقع عسكرية في غرب ووسط إيران، إضافة إلى منشأة بتروكيماوية قرب مدينة ماهشهر الواقعة جنوب غرب البلاد.
وتعد هذه الضربة من أبرز الهجمات التي تستهدف بنية تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة الإيراني منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
وجاءت العملية الإسرائيلية رداً على عدة موجات من الصواريخ الإيرانية التي استهدفت إسرائيل في أعقاب ضربة إسرائيلية سابقة استهدفت أطراف العاصمة اللبنانية بيروت.
النفط يقفز 5% ويعيد التضخم إلى دائرة الاهتمام
أدت التطورات العسكرية المتسارعة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، حيث قفزت الأسعار بنحو 5% خلال تعاملات الاثنين.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي اتساع نطاق التوترات في المنطقة إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية، خاصة أن منطقة الخليج تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى:
- زيادة تكاليف النقل والشحن.
- ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.
- زيادة تكاليف الإنتاج للشركات.
- عودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في ظل سعي البنوك المركزية العالمية لإعادة التضخم إلى مستهدفاتها بعد سنوات من التشديد النقدي.
لماذا لم يستفد الذهب من التوترات الجيوسياسية؟
في الظروف الطبيعية، يُعد الذهب من أبرز أصول الملاذ الآمن التي تتلقى دعماً قوياً خلال فترات الأزمات السياسية والعسكرية.
لكن الوضع الحالي مختلف نسبياً، إذ إن التأثير الإيجابي للتوترات الجيوسياسية على الذهب تم تحييده إلى حد كبير بفعل قوة الدولار الأمريكي وارتفاع توقعات الفائدة.
وبالتالي، وجد المستثمرون أنفسهم أمام عاملين متعارضين:
- التوترات الجيوسياسية تدعم الذهب.
- ارتفاع الدولار والفائدة يضغطان على الذهب.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن تأثير السياسة النقدية الأمريكية ما زال أقوى من تأثير المخاطر الجيوسياسية على حركة المعدن النفيس.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم تقتصر الخسائر على الذهب فقط، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة خلال تعاملات الاثنين وتراجعت أسعار الفضة بنسبة 0.75% لتصل إلى 67.31 دولاراً للأوقية.
كما انخفض البلاتين بنسبة 0.79% ليسجل 1,766.26 دولاراً للأوقية، متأثراً بموجة العزوف عن المعادن الثمينة نتيجة ارتفاع الدولار وتغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية.
النحاس يواصل التماسك رغم اضطرابات الأسواق
على الجانب الآخر، أظهر النحاس قدراً من الصمود مقارنة بالمعادن النفيسة وارتفعت عقود النحاس القياسية في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.3% لتصل إلى 13,543.33 دولاراً للطن.
في المقابل، تراجعت العقود الآجلة للنحاس في الولايات المتحدة بنسبة 0.19% إلى 6.2910 دولار للرطل.
ويعكس هذا الأداء المتباين استمرار الرهانات على قوة الطلب الصناعي العالمي، خاصة مع توقعات تحسن النشاط الاقتصادي في بعض الاقتصادات الكبرى خلال النصف الثاني من العام.
نظرة مستقبلية: هل يستمر الضغط على الذهب؟
تتجه أنظار المستثمرين خلال الفترة المقبلة نحو بيانات التضخم الأمريكية واجتماعات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، والتي ستحدد بشكل كبير اتجاه الذهب والدولار والأسواق المالية العالمية.
فإذا استمرت البيانات الاقتصادية الأمريكية في إظهار قوة النشاط الاقتصادي واستقرار سوق العمل، فقد يواصل الفيدرالي تبني سياسة نقدية متشددة، الأمر الذي قد يبقي الذهب تحت الضغط.
أما في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية بشكل أكبر أو ظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، فقد يستعيد المعدن الأصفر بعضاً من بريقه كملاذ آمن، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.