أسعار الذهب ترتفع بأكثر من 1% مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية
ارتفعت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الجمعة، مدعومة بتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، عقب تسجيل مزاد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً طلباً قوياً من المستثمرين.
وأسهم هذا التطور في تهدئة الضغوط التي واجهها المعدن النفيس نتيجة ارتفاع العوائد إلى مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، ما أتاح المجال لتعافي الأسعار من أدنى مستوياتها في شهرين، المسجل في وقت سابق من الأسبوع.
وفي الوقت نفسه، ساهم انخفاض أسعار النفط وتراجع الدولار الأميركي بصورة طفيفة في دعم الذهب والمعادن النفيسة الأخرى، وسط استمرار حالة عدم اليقين بشأن التضخم الأميركي واتجاه السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
أسعار الذهب ترتفع إلى 4180 دولاراً للأونصة
سجل الذهب ارتفاعاً تجاوز 1% خلال التداولات، ليتداول بالقرب من مستوى 4180 دولاراً للأونصة، مستعيداً جزءاً من خسائره الأخيرة بعد أن بلغ أدنى مستوى له في شهرين في وقت سابق من الأسبوع.
وبحسب بيانات التداول، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.1% ليصل إلى 4179.56 دولار للأونصة بحلول الساعة 10:57 صباحاً بتوقيت سنغافورة.
وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، الأمر الذي خفف من الضغوط على المعدن الأصفر، الذي لا يوفر لحائزيه عوائد دورية.
ويعكس هذا التحرك حساسية أسعار الذهب للتغيرات في أسواق الدخل الثابت، ولا سيما عندما تتراجع العوائد على السندات الحكومية الأميركية، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحسين جاذبية المعدن النفيس مقارنة بالأصول التي تدر عائداً.
طلب قوي على سندات الخزانة الأميركية يدعم الذهب
مزاد السندات لأجل 30 عاماً يخفف ضغوط العوائد
جاء تعافي الذهب عقب مزاد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً، الذي شهد طلباً قوياً من المستثمرين يوم الخميس. وأسهمت مستويات الأسعار المنخفضة للسندات في جذب المشترين، ما ساعد على دفع العوائد إلى الانخفاض عبر مختلف آجال الاستحقاق.
وكانت العوائد على سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل قد ارتفعت إلى مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، الأمر الذي شكل ضغطاً على الذهب خلال الفترة الماضية. ومع تراجع هذه العوائد عقب المزاد، انحسرت بعض الضغوط التي واجهها المعدن النفيس، ووجد المستثمرون فرصة لاستئناف عمليات الشراء.
هدوء سوق السندات يعزز فرص تعافي المعدن الأصفر
في تعليقه على حركة السوق، قال كريستوفر وونغ، الاستراتيجي لدى بنك «أوفرسي-تشاينيز بانكينغ» (Oversea-Chinese Banking Corp)، إن انتعاش الذهب خلال تداولات الصباح يبدو مدفوعاً إلى حد كبير بعودة الهدوء إلى سوق سندات الخزانة الأميركية.
وأضاف وونغ أن الذهب تعرض في الفترة الماضية لضغوط ناجمة عن ارتفاع عوائد السندات وأسعار النفط وقوة الدولار الأميركي، مشيراً إلى أن اعتدال العوائد أتاح فرصة لعودة بعض عمليات الشراء.
وتوضح هذه العوامل أن تراجع عوائد السندات كان من أبرز المحركات المباشرة لتعافي الذهب، بالتزامن مع تحسن بعض المتغيرات الأخرى المؤثرة في حركة الأسواق المالية.
تراجع أسعار النفط يدعم الذهب وسط تطورات العلاقات الأميركية الإيرانية
إلى جانب انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية، تلقى الذهب دعماً من تراجع أسعار النفط، عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب قال فيها إنه سيمتنع عن مهاجمة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، واصفاً المناقشات مع طهران بأنها مثمرة.
وساهمت هذه التصريحات في تخفيف بعض المخاوف المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية واحتمالات تصاعد التوترات، وهو ما انعكس على أسعار النفط وأتاح مجالاً إضافياً لتعافي المعدن النفيس.
ويكتسب تراجع النفط أهمية خاصة بالنسبة إلى توقعات التضخم، نظراً إلى تأثير أسعار الطاقة في تكاليف الإنتاج والنقل والأسعار النهائية للسلع والخدمات. ومن ثم، فإن انخفاض أسعار الخام قد يخفف بعض المخاوف المتعلقة باستمرار الضغوط التضخمية، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء التحديات التي تواجه السياسة النقدية الأميركية.
التضخم الأميركي يواصل تعقيد توقعات أسعار الذهب
على الرغم من التحسن المسجل في أسعار الذهب، لا تزال المخاوف المرتبطة بالتضخم تشكل عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه المعدن النفيس خلال الفترة المقبلة.
وتؤدي حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم إلى تعقيد توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، الأمر الذي ينعكس بدوره على أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية وتوجهات المستثمرين نحو الذهب.
وفي هذا السياق، حذر كريستوفر وونغ من المبالغة في تفسير الارتفاع الأخير، مشيراً إلى أن استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم يجعل من الضروري التعامل بحذر مع التعافي الحالي، وعدم اعتباره دليلاً مؤكداً على استقرار الاتجاه الصعودي للذهب.
ويعني ذلك أن قدرة المعدن الأصفر على الاحتفاظ بمكاسبه ستظل مرتبطة إلى حد كبير بتطورات التضخم الأميركي، وحركة عوائد السندات، واتجاهات الدولار، إلى جانب التطورات الجيوسياسية المؤثرة في أسواق الطاقة.
توقعات أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة
تثبيت الفائدة على المدى القريب مع توقعات بارتفاعها لاحقاً
يتوقع المتعاملون في الأسواق المالية أن تبقى تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة دون تغيير خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر في وقت لاحق من شهر أكتوبر، في حين تشير توقعاتهم إلى احتمال ارتفاعها على المدى المتوسط.
وتعكس هذه التوقعات استمرار القلق بشأن التضخم، واحتمال أن يضطر البنك المركزي الأميركي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة أو اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة إذا لم تتراجع الضغوط التضخمية بالقدر المطلوب.
وبالنسبة إلى الذهب، فإن ارتفاع أسعار الفائدة قد يزيد من جاذبية الأصول المدرة للعوائد مقارنة بالمعدن النفيس الذي لا يحقق دخلاً دورياً، ما قد يحد من قدرته على تحقيق مكاسب مستدامة.
في تطور يعكس استمرار المخاوف بشأن التضخم، أشار ألبرتو موسالم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، يوم الخميس، إلى ضرورة رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر الستة إلى التسعة المقبلة للمساعدة في إعادة التضخم إلى مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
ومع ذلك، لم يصل موسالم إلى حد تأييد رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع السياسة النقدية المقرر عقده في وقت لاحق من هذا الشهر.
وتشير تصريحاته إلى وجود مخاوف مستمرة بشأن مسار التضخم، رغم عدم تقديم تأييد مباشر لرفع الفائدة في الاجتماع القريب. ومن شأن أي تحول فعلي نحو تشديد السياسة النقدية أن يؤثر في توقعات الأسواق بشأن الدولار الأميركي وعوائد السندات، وبالتالي في حركة الذهب خلال الأشهر المقبلة.
أسعار الفضة والبلاتين والبلاديوم والدولار الأميركي
لم يقتصر التحسن على الذهب، بل امتد إلى بقية المعادن النفيسة، في وقت سجل فيه الدولار الأميركي تراجعاً طفيفاً.
الفضة تعوض خسائر الجلسة السابقة
ارتفعت أسعار الفضة بنسبة 1.8% لتصل إلى 60.24 دولار للأونصة، معوضة الخسائر التي سجلتها خلال الجلسة السابقة.
وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع صعود الذهب، في إشارة إلى تحسن أداء المعادن النفيسة خلال التعاملات، مدعوماً بتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية وانخفاض الدولار بصورة طفيفة.
ارتفاع البلاتين والبلاديوم
سجل كل من البلاتين والبلاديوم ارتفاعاً أيضاً، مستفيدين من التحسن العام في أداء سوق المعادن النفيسة.
ويأتي صعود هذه المعادن في سياق تراجع الضغوط التي تعرضت لها الأسواق خلال الفترة السابقة، بالتزامن مع التطورات في أسواق السندات والطاقة والعملات.
الدولار الأميركي يتراجع بشكل طفيف
في المقابل، انخفض مؤشر «بلومبرغ» للدولار الفوري بشكل طفيف، وهو المؤشر الذي يقيس أداء العملة الأميركية.
ويُعد أداء الدولار أحد العوامل المهمة المؤثرة في أسعار الذهب، نظراً إلى تسعير المعدن النفيس بالعملة الأميركية في الأسواق العالمية. وقد يوفر تراجع الدولار دعماً إضافياً للذهب، مع بقاء اتجاهه المستقبلي مرتبطاً بتوقعات أسعار الفائدة والتضخم والبيانات الاقتصادية الأميركية.
في ضوء التطورات الأخيرة، يمكن تحديد مجموعة من العوامل الرئيسية التي ستؤثر في حركة أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة:
- عوائد سندات الخزانة الأميركية: قد يدعم استمرار تراجع العوائد أسعار الذهب، في حين يمكن أن تؤدي عودتها إلى الارتفاع إلى تجدد الضغوط على المعدن النفيس.
- التضخم الأميركي: ستظل بيانات التضخم عاملاً محورياً في تحديد توجهات الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات أسعار الفائدة.
- السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي: من شأن تثبيت الفائدة أو رفعها أن يؤثر في جاذبية الذهب مقارنة بالأصول المدرة للعوائد.
- أسعار النفط: قد يسهم انخفاض أسعار الطاقة في تخفيف المخاوف التضخمية، بينما يمكن أن يؤدي ارتفاعها إلى زيادة الضغوط على توقعات السياسة النقدية.
- أداء الدولار الأميركي: قد يوفر ضعف الدولار دعماً للذهب، في حين يمكن أن يحد ارتفاعه من مكاسب المعدن النفيس.
- التطورات الجيوسياسية: ستبقى العلاقات الأميركية الإيرانية والتصريحات المتعلقة بالتحركات العسكرية المحتملة من العوامل المؤثرة في أسواق الطاقة والمعادن النفيسة.
وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن تعافي الذهب الحالي جاء نتيجة تحسن مجموعة من المتغيرات السوقية، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بالتضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
خاتمة
استعادت أسعار الذهب جزءاً من خسائرها وارتفعت بأكثر من 1% لتقترب من مستوى 4180 دولاراً للأونصة، مدعومة بالطلب القوي على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً، وما تبعه من تراجع في العوائد، إلى جانب انخفاض أسعار النفط والتراجع الطفيف للدولار الأميركي.
وفي المقابل، لا تزال توقعات التضخم ومسار أسعار الفائدة يشكلان تحدياً أمام استمرار المكاسب، خصوصاً في ظل تصريحات ألبرتو موسالم بشأن الحاجة إلى رفع الفائدة خلال الأشهر الستة إلى التسعة المقبلة لإعادة التضخم إلى مستهدف 2%.
وبناءً على ذلك، سيظل أداء الذهب مرتبطاً بالتوازن بين تراجع العوائد الداعمة للمعدن النفيس، والمخاطر الناجمة عن استمرار الضغوط التضخمية واحتمالات تشديد السياسة النقدية. كما ستواصل تحركات الدولار وأسعار النفط والتطورات الجيوسياسية التأثير في توجهات المستثمرين خلال المرحلة المقبلة.