أسعار الذهب تتراجع بقوة للجلسة الرابعة على التوالي وسط صعود الدولار وعوائد السندات

شهدت أسعار الذهب تراجعًا قويًا خلال تعاملات يوم الجمعة، لتواصل خسائرها للجلسة الرابعة على التوالي، في وقت تتجه فيه الأسواق نحو تسجيل واحدة من أكبر الخسائر الأسبوعية للمعدن النفيس خلال الفترة الأخيرة، وسط تغيرات حادة في توقعات السياسة النقدية الأمريكية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة.

 

ويأتي هذا التراجع في وقت تسيطر فيه حالة من القلق على الأسواق العالمية نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار النفط، إلى جانب ترقب المستثمرين لما ستسفر عنه القمة الأمريكية الصينية من نتائج قد تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والسياسات النقدية خلال المرحلة المقبلة.

 

ورغم أن الذهب يُعد تقليديًا ملاذًا آمنًا خلال فترات الاضطرابات السياسية والاقتصادية، فإن التحركات الأخيرة أظهرت أن الأسواق أصبحت أكثر تركيزًا على العوامل النقدية، وفي مقدمتها أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، وهي عوامل مارست ضغوطًا مكثفة على المعدن الأصفر.

قوة الدولار تضغط على الذهب عالميًا

ساهم الارتفاع القوي للدولار الأمريكي في زيادة الضغوط على أسعار الذهب، بعدما ارتفعت العملة الأمريكية بأكثر من 1% منذ بداية الأسبوع، ما جعل الذهب المقوم بالدولار أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين وحائزي العملات الأخرى حول العالم.

 

ويؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى تقليص الطلب العالمي على الذهب، خاصة من قبل المستثمرين خارج الولايات المتحدة، لأن تكلفة شراء المعدن النفيس تصبح أعلى عند تحويل العملات المحلية إلى الدولار.

 

كما أن صعود العملة الأمريكية جاء مدعومًا بارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتراجع توقعات خفض أسعار الفائدة، في ظل عودة المخاوف التضخمية إلى واجهة الأسواق العالمية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.

ارتفاع النفط يعيد التضخم إلى الواجهة

برزت أسعار النفط كأحد أهم العوامل التي أثرت على تحركات الذهب خلال الأسبوع الحالي، بعدما ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة 5.6% لتستقر فوق مستوى 106 دولارات للبرميل.

 

ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى استمرار الحرب الإيرانية، إلى جانب بقاء مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، شبه مغلق أمام حركة التجارة الطبيعية، ما زاد من مخاوف نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا.

 

وقد أدى هذا الصعود الحاد في أسعار النفط إلى تجدد المخاوف من عودة موجات التضخم المرتفع، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن السياسة النقدية الأمريكية، مع تراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال المدى القريب.

الذهب يتعرض لضغوط من جميع الاتجاهات

قال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة كي سي إم تريد، إن الذهب يتعرض حاليًا لضغوط متزامنة من عدة عوامل، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط أعاد التضخم إلى صدارة اهتمامات المستثمرين.

 

وأشار إلى أن هذا التطور أدى إلى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتعزيز قوة الدولار، وهو ما انعكس سلبًا على الذهب الذي أصبح من أكبر المتضررين من تجدد شكوك الأسواق بشأن خفض أسعار الفائدة الأمريكية.

 

وتعكس هذه التصريحات حجم التحول في مزاج المستثمرين، حيث أصبحت الأسواق تنظر إلى التضخم باعتباره تهديدًا مستمرًا قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول من المتوقع.

عوائد السندات الأمريكية تزيد الضغط على المعدن الأصفر

ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى مستويات تقترب من أعلى مستوى له خلال عام كامل، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الذهب.

 

ويُنظر إلى ارتفاع عوائد السندات باعتباره من أبرز العوامل السلبية بالنسبة للذهب، لأن المعدن النفيس لا يوفر عائدًا دوريًا للمستثمرين، على عكس السندات التي تمنح فوائد ثابتة.

 

ومع ارتفاع العوائد الحقيقية، تصبح تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب أعلى، وهو ما يدفع المستثمرين إلى التحول نحو الأصول المدرة للعائد، وبالتالي تتراجع جاذبية المعدن الأصفر.

مفارقة الأسواق: الذهب يتراجع رغم التوترات الجيوسياسية

في العادة، يستفيد الذهب من تصاعد التوترات السياسية والعسكرية باعتباره ملاذًا آمنًا، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن مفارقة لافتة في الأسواق.

 

فمنذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في الثامن والعشرين من فبراير، تراجعت أسعار الذهب بنحو 13%، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية واستمرار الحرب.

 

ويعكس هذا التراجع هيمنة العوامل الاقتصادية والنقدية على حركة الأسواق، خصوصًا مع ارتفاع الدولار وصعود عوائد السندات وتراجع رهانات خفض الفائدة.

 

كما أظهرت الأسواق أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه بيانات التضخم والسياسة النقدية مقارنة بالتطورات الجيوسياسية، طالما أن تلك التطورات لم تؤدِ إلى اضطرابات اقتصادية عالمية شاملة.

بيانات التضخم الأمريكية تربك توقعات الأسواق

أظهرت سلسلة من تقارير التضخم الصادرة خلال الأسبوع الحالي أن ارتفاع تكاليف الطاقة بدأ ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى داخل الاقتصاد الأمريكي.

 

وأثار هذا الأمر مخاوف المستثمرين من استمرار الضغوط التضخمية لفترة أطول، وهو ما قلل من الآمال في أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة قريبًا.

 

وتراقب الأسواق عن كثب أي مؤشرات على استمرار التضخم الأساسي، لأن ذلك قد يدفع البنك المركزي الأمريكي إلى الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة ممتدة، ما يشكل ضغطًا إضافيًا على الذهب والمعادن النفيسة.

الذهب بين دوره كملاذ آمن وأثر الفائدة المرتفعة

رغم أن الذهب يُستخدم تاريخيًا كأداة للتحوط ضد التضخم وحماية القيمة الشرائية للأموال، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلص من جاذبيته الاستثمارية.

 

ويعود ذلك إلى أن المستثمرين يميلون في بيئة الفائدة المرتفعة إلى توجيه أموالهم نحو الأصول التي توفر عوائد مباشرة، مثل السندات وأدوات الدخل الثابت، بدلًا من الاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائدًا.

 

لذلك، يجد الذهب نفسه حاليًا عالقًا بين عاملين متناقضين؛ فمن جهة تدعم المخاطر الجيوسياسية والتضخم الطلب عليه، ومن جهة أخرى تضغط أسعار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار على أدائه.

القمة الأمريكية الصينية تزيد حالة الترقب

تتجه أنظار المستثمرين كذلك إلى نتائج القمة الأمريكية الصينية، وسط آمال بأن تسهم المحادثات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في تهدئة التوترات السياسية والاقتصادية العالمية.

 

وقال ترامب إن صبره تجاه إيران بدأ ينفد، وذلك عقب مناقشاته مع الرئيس الصيني بشأن الحرب المكلفة وغير الشعبية في الشرق الأوسط.

 

وتشير هذه التصريحات إلى أن الأسواق لا تزال تواجه حالة مرتفعة من عدم اليقين السياسي والجيوسياسي، إلا أن تأثير هذه التطورات على الذهب يبقى محدودًا في ظل استمرار ارتفاع الدولار والعوائد الحقيقية.

بنك ANZ يخفض توقعاته لأسعار الذهب

في ظل التراجعات الحالية، خفض بنك ANZ توقعاته لسعر الذهب بنهاية العام بمقدار 200 دولار للأوقية، ليصبح السعر المستهدف الجديد عند 5,600 دولار للأوقية.

 

وأوضح البنك أن استمرار ارتفاع توقعات التضخم، إلى جانب صعود عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار، من المرجح أن يبقي الضغوط قائمة على أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة.

 

ورغم خفض التوقعات، يرى البنك أن الذهب لا يزال يمتلك فرصة لتحقيق مكاسب قوية مقارنة بالمستويات الحالية، إلا أن الطريق نحو تلك المستويات سيكون أكثر تقلبًا وصعوبة مما كانت تتوقعه الأسواق سابقًا.

أداء أسعار الذهب عند تسوية تعاملات الخميس

أنهت أسعار الذهب تعاملات الخميس على انخفاض واضح، متأثرة بارتفاع أسعار النفط وصعود الدولار عقب الأنباء المتعلقة باحتجاز سفينة وغرق أخرى قرب مضيق هرمز، في وقت تابع فيه المستثمرون تطورات القمة الأمريكية الصينية.

 

وانخفضت العقود الآجلة للذهب تسليم يونيو بنسبة 0.45%، أي ما يعادل 21.40 دولار، لتغلق عند مستوى 4685.30 دولار للأوقية.

أسعار الذهب الآن

واصل الذهب الفوري خسائره خلال تعاملات الجمعة، وانخفض عند الساعة 11:00 صباحًا بتوقيت تركيا بنسبة 1.84% ليصل إلى 4,567.07 دولار للأوقية، مسجلًا أدنى مستوى له منذ السادس من مايو.

 

كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم يونيو بنسبة 2.50% لتستقر عند 4,568.09 دولارًا للأوقية.

 

ويعكس هذا الأداء حجم الضغوط البيعية التي يتعرض لها المعدن الأصفر، في ظل استمرار صعود الدولار والعوائد الأمريكية وتراجع توقعات التيسير النقدي.

المعادن النفيسة الأخرى تسجل خسائر حادة

لم تقتصر موجة التراجع على الذهب فقط، بل امتدت إلى بقية المعادن النفيسة التي تعرضت لضغوط قوية خلال تعاملات الجمعة.

 

فقد انخفضت أسعار الفضة عند الساعة 11:00 صباحًا بتوقيت تركيا بنسبة 6.1% لتصل إلى 78.4725 دولارًا للأوقية، في واحدة من أكبر خسائرها اليومية خلال الفترة الأخيرة.

 

كما تراجع البلاتين بنسبة 2.80% إلى 2,002.79 دولار للأوقية، بينما هبط البلاديوم بنسبة 2.25% إلى 1,417.85 دولار للأوقية.

 

وتعكس هذه التحركات حالة العزوف الواسعة عن المعادن النفيسة نتيجة التحول نحو الدولار والسندات الأمريكية، إلى جانب المخاوف المتعلقة باستمرار التشدد النقدي عالميًا.

هل يواصل الذهب الهبوط خلال الفترة المقبلة؟

تتوقف تحركات الذهب خلال المرحلة المقبلة على عدة عوامل رئيسية، أبرزها اتجاه أسعار النفط، ومستقبل التضخم الأمريكي، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى تطورات التوترات الجيوسياسية العالمية.

 

وفي حال استمرت أسعار الطاقة بالارتفاع وواصلت عوائد السندات والدولار صعودهما، فقد يبقى الذهب تحت ضغط بيعي خلال المدى القريب.

 

أما إذا بدأت مؤشرات التضخم بالتراجع أو ظهرت إشارات واضحة على قرب خفض أسعار الفائدة الأمريكية، فقد يستعيد الذهب جزءًا من بريقه كملاذ آمن وأداة للتحوط ضد المخاطر الاقتصادية والتضخمية.

تم التحديث في: الجمعة, 15 أيّار 2026 11:10
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول