أسعار الذهب تسجل خسارة أسبوعية وسط تصاعد توقعات رفع الفائدة الأميركية
سجلت أسعار الذهب تراجعاً أسبوعياً خلال تعاملات يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول، في ظل تزايد ترقب المستثمرين لاحتمالات إقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على رفع أسعار الفائدة مجدداً خلال العام الجاري، عقب صدور سلسلة من بيانات التضخم الأميركية التي تجاوزت توقعات الأسواق، مما عزز الضغوط على المعدن النفيس رغم تراجع الدولار خلال الأسبوع.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتشديد السياسة النقدية، وهي عوامل تؤثر في جاذبية الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً.
أداء أسعار الذهب عند التسوية
انخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.13% ليصل إلى 4165 دولاراً للأونصة، مسجلاً خسارة أسبوعية بلغت نحو 0.68%.
في المقابل، ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب، تسليم ديسمبر/كانون الأول، بنسبة 0.40% لتصل إلى 4186 دولاراً للأونصة عند التسوية، لكنها أنهت الأسبوع على انخفاض بنحو 0.83%.
وتعكس هذه التحركات استمرار الضغوط على أسعار الذهب، في ظل إعادة تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية الأميركية واحتمالات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو زيادتها خلال الأشهر المقبلة.
تراجع الدولار يدعم جاذبية الذهب
سجل مؤشر الدولار أول خسارة أسبوعية له خلال خمسة أسابيع، ليستقر عند مستوى 101.59 نقطة. ويسهم تراجع العملة الأميركية في جعل الذهب المقوّم بالدولار أقل تكلفة بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما قد يدعم الطلب العالمي على المعدن النفيس.
ومع ذلك، لم يكن انخفاض الدولار كافياً لتعويض الضغوط الناتجة عن ارتفاع توقعات أسعار الفائدة، إذ يظل مسار السياسة النقدية الأميركية أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في اتجاهات سوق الذهب.
بيانات التضخم الأميركية تعزز الضغوط على الذهب
قال كلفن وونغ، كبير محللي الأسواق لدى شركة أواندا، إن الذهب ظل يتحرك ضمن نطاق سعري يتراوح بين 4075 دولاراً و4221 دولاراً للأونصة، موضحاً أن السعر لامس الحد الأدنى لهذا النطاق في وقت سابق من الأسبوع.
وأضاف وونغ أن اتجاهات التضخم لا تزال مرتفعة، مشيراً إلى أن بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي ومؤشر أسعار المنتجين الأساسي في الولايات المتحدة لشهر سبتمبر/أيلول جاءت أعلى من التوقعات.
وأظهرت البيانات الأميركية أن أسعار المنتجين سجلت أكبر زيادة لها خلال أربع سنوات ونصف السنة في الشهر الماضي، مدفوعة بارتفاع تكاليف السلع والخدمات. وتمثل هذه الزيادة أحدث إشارة إلى اتساع الضغوط التضخمية لتشمل نطاقاً أوسع من الاقتصاد، بما يتجاوز المنتجات المرتبطة بقطاع الطاقة.
وتعزز هذه المؤشرات المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، الأمر الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول، أو اللجوء إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة.
تسارع التضخم في سبتمبر بفعل ارتفاع أسعار البنزين
جاءت بيانات أسعار المنتجين بعد صدور تقرير مؤشر أسعار المستهلكين يوم الأربعاء، الذي أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة خلال سبتمبر/أيلول، مدفوعاً بارتفاع تكاليف البنزين.
ويزيد تزامن ارتفاع أسعار المنتجين والمستهلكين من صعوبة تقييم المسار المستقبلي للتضخم، إذ تشير البيانات إلى استمرار الضغوط السعرية على مستويات متعددة من سلسلة الإنتاج والاستهلاك، بما قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية.
توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية تضغط على المعدن النفيس
وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة سي إم إي، يتوقع المتعاملون في الأسواق بنسبة 28% أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في وقت لاحق من أكتوبر/تشرين الأول، بينما تبلغ احتمالات رفعها في ديسمبر/كانون الأول 89%.
وتعكس هذه التوقعات تنامي رهانات الأسواق على استمرار تشديد السياسة النقدية، في أعقاب صدور بيانات تضخم جاءت أقوى من المتوقع، وهو ما يضع أسعار الذهب أمام تحديات إضافية خلال الفترة المقبلة.
وتكتسب توقعات أسعار الفائدة أهمية خاصة بالنسبة إلى الذهب، نظراً إلى أن ارتفاع العوائد على الأصول التي تدر دخلاً ثابتاً يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، الذي لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه.
مسؤولون في الاحتياطي الفيدرالي يحذرون من مخاطر التضخم
وصف أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، بيانات التضخم التي جاءت أقوى من المتوقع خلال الأسبوع بأنها «مخيبة للآمال».
من جانبها، قالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إن البنك المركزي الأميركي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة أشد إذا شهدت توقعات الجمهور بشأن التضخم تدهوراً ملحوظاً.
وتشير تصريحات المسؤولين إلى استمرار القلق داخل الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار التضخم، وإلى أن القرارات المقبلة بشأن أسعار الفائدة ستظل مرتبطة بتطور البيانات الاقتصادية ومدى انعكاسها على توقعات التضخم.
لماذا تتراجع أسعار الذهب رغم دوره في التحوط من التضخم؟
يُعد الذهب تقليدياً أحد الأصول المستخدمة للتحوط من التضخم والحفاظ على القيمة، إلا أن العلاقة بين المعدن النفيس والتضخم تتأثر أيضاً باستجابة البنوك المركزية للضغوط السعرية.
فعندما يرتفع التضخم، قد يزداد الطلب على الذهب باعتباره مخزناً للقيمة. لكن إذا أدت الضغوط التضخمية إلى رفع أسعار الفائدة، فإن جاذبية الذهب قد تتراجع نتيجة ارتفاع العوائد على البدائل الاستثمارية التي تدر دخلاً.
وفي ظل التطورات الحالية، تبدو مخاوف استمرار التشديد النقدي عاملاً ضاغطاً على أسعار المعدن النفيس، إذ توازن الأسواق بين دوره كأداة للتحوط من التضخم وتأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض في تكلفة الاحتفاظ به.
تعليق اكتتابات كبيرة في صناديق الذهب بالهند
في تطور مرتبط بالطلب الاستثماري، أصدرت عدة صناديق استثمار مشتركة كبرى في الهند إعلانات عامة في وقت متأخر من يوم الخميس، أفادت فيها بتعليق الاكتتابات الكبيرة في الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب.
وجاءت هذه الخطوة قبيل موسم الأعياد في الهند، وهي فترة يرتفع خلالها الطلب الاستثماري على الذهب عادةً.
ويأتي تعليق الاكتتابات الكبيرة في وقت يواجه فيه المعدن النفيس ضغوطاً ناجمة عن توقعات أسعار الفائدة، ما يسلط الضوء على التحديات التي قد تواجه تدفقات الاستثمار إلى الصناديق المرتبطة بالذهب، بالتزامن مع اقتراب موسم يشهد عادةً نشاطاً ملحوظاً في الطلب.
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتكاليف الاقتراض تضغطان على الذهب
تعرضت أسعار المعدن النفيس لضغوط شديدة نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض خلال العام الجاري، إذ تراجع الذهب بنحو 20% منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير/شباط.
وأدت الحرب إلى اضطراب أسواق الطاقة وتغذية الضغوط التضخمية، الأمر الذي دفع البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية في مواجهة ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة الشهر الماضي للمرة الأولى منذ عام 2023، في خطوة تعكس التحولات التي شهدها مسار السياسة النقدية في ظل التطورات الاقتصادية والتضخمية.
وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في زيادة الضغوط على الذهب، مع ارتفاع تكاليف الاحتفاظ به وتراجع قدرته التنافسية مقارنة بالأصول التي تستفيد من مستويات الفائدة المرتفعة.
الخاتمة:
أنهت أسعار الذهب تعاملات الأسبوع المنتهي يوم الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول على خسائر، مع تراجع الذهب الفوري بنسبة 0.68% والعقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة 0.83%، وسط تصاعد التوقعات بشأن احتمال رفع أسعار الفائدة الأميركية مجدداً.
ورغم تسجيل الدولار أول خسارة أسبوعية له خلال خمسة أسابيع، فإن أثره الداعم للذهب ظل محدوداً بفعل استمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع أسعار المنتجين والمستهلكين، وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي التي أبقت احتمالات تشديد السياسة النقدية قائمة.
وبناءً على هذه المعطيات، ستظل تحركات الذهب مرتبطة بتطورات بيانات التضخم الأميركية، وتوقعات أسعار الفائدة، واتجاه الدولار، إلى جانب انعكاسات التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وتبقى قدرة الذهب على استعادة الزخم رهناً بالتوازن بين الطلب عليه كأداة للتحوط من التضخم وتأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض في جاذبيته الاستثمارية.