تراجع أسعار الذهب لأدنى مستوى لها منذ شهر ونصف تحت ضغط الدولار والفائدة

شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا خلال تعاملات يوم الأربعاء، لتسجل أدنى مستوياتها منذ نحو شهر ونصف، في ظل هيمنة قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية على معنويات الأسواق، رغم استمرار التفاؤل الحذر بإمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية بين الولايات المتحدة وإيران.

 

ويأتي هذا التراجع في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية عالميًا، خاصة مع تعطل تدفقات الطاقة وتزايد الرهانات على بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضع المعدن النفيس تحت ضغوط بيعية قوية.

أداء أسعار الذهب اليوم

تداول الذهب قرب مستوى 4470 دولارًا للأونصة بعد أن فقد نحو 2% من قيمته خلال جلسة الثلاثاء، في واحدة من أكبر موجات التراجع اليومية خلال الأسابيع الأخيرة.

الذهب الآن

  • تراجع الذهب الفوري بنسبة 0.2% إلى 4472.09 دولار للأونصة.
  • هبطت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم يونيو بنسبة 0.8% إلى 4475 دولارًا للأونصة.
  • فقد المعدن النفيس نحو 15% من قيمته منذ اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة.

ويشير هذا الأداء إلى تحول واضح في سلوك المستثمرين الذين بدأوا في تقليص مراكزهم في الذهب لصالح الدولار والسندات الأمريكية مرتفعة العائد.

قوة الدولار تضغط على المعدن النفيس

استقر الدولار الأمريكي قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع، وهو ما زاد الضغوط على الذهب المقوم بالدولار، إذ أصبح شراء المعدن النفيس أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى.

 

وعادة ما توجد علاقة عكسية بين الذهب والدولار، فكلما ارتفعت قيمة العملة الأمريكية تقل جاذبية الذهب كأصل تحوطي عالمي.

 

ويرى محللون أن التحركات الحالية تعكس تحولًا كبيرًا في توقعات المستثمرين تجاه السياسة النقدية الأمريكية، بعدما كانت الأسواق تتوقع بدء دورة خفض للفائدة خلال الفترة المقبلة.

ارتفاع عوائد السندات يرفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب

ساهمت الارتفاعات القوية في عوائد سندات الخزانة الأمريكية في زيادة الضغوط على الذهب، خصوصًا مع صعود العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياته في أكثر من عام.

 

كما ارتفعت عوائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى مستويات شوهدت آخر مرة قبيل الأزمة المالية العالمية في عام 2007.

 

ويؤدي ارتفاع العوائد إلى تقليص جاذبية الذهب، لأن المستثمرين يفضلون الأصول التي توفر عائدًا ثابتًا مثل السندات، بينما لا يحقق الذهب أي عائد دوري.

 

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة "كي سي إم تريد"، إن الذهب بدأ يفقد زخمه بشكل واضح مع استمرار ارتفاع الدولار وعوائد السندات، في ظل تزايد توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية.

الحرب والتوترات الجيوسياسية تزيد الضبابية

رغم استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فإن الأسواق بدأت تتعامل بحذر مع التصريحات الأمريكية المتباينة بشأن إيران.

 

فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران خلال الأيام المقبلة، في محاولة لإنهاء الحرب، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلانه تأجيل أي هجوم أمريكي محتمل.

 

وفي المقابل، أشار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى وجود تقدم في المسار الدبلوماسي، مؤكدًا أن الطرفين لا يرغبان في العودة إلى التصعيد العسكري.

 

هذا التناقض في الرسائل السياسية عزز حالة الضبابية داخل الأسواق العالمية، ودفع المستثمرين إلى تبني مواقف أكثر تحفظًا.

أزمة الطاقة تعيد إشعال مخاوف التضخم

ساهمت المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة وإعادة فتح مضيق هرمز في زيادة القلق بشأن التضخم العالمي، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط والطاقة.

 

وترى الأسواق أن استمرار اضطرابات الطاقة قد يدفع البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول بدلًا من الاتجاه نحو التيسير النقدي.

 

وتعد هذه البيئة السلبية أحد أهم العوامل التي تضغط على الذهب، لأن المعدن النفيس يستفيد تقليديًا من انخفاض الفائدة وضعف الدولار.

الاحتياطي الفيدرالي يلمح لاستمرار التشدد النقدي

زادت التصريحات الأخيرة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي من قلق الأسواق بشأن مستقبل أسعار الفائدة.

 

وقالت آنا بولسون، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا، إن مستويات الفائدة الحالية مناسبة في الوقت الراهن وتساعد على احتواء التضخم الذي لا يزال أعلى من المستهدف.

 

وأضافت أن المستثمرين يجب أن يضعوا في الحسبان احتمالية رفع أسعار الفائدة مجددًا إذا استمرت الضغوط التضخمية.

 

كما أظهر استطلاع أجرته وكالة رويترز أن غالبية الاقتصاديين باتوا يتوقعون عدم خفض أسعار الفائدة الأمريكية خلال عام 2026، مع تأجيل أي خطوات للتيسير النقدي إلى العام المقبل.

محضر الفيدرالي تحت المجهر

تترقب الأسواق صدور محضر الاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي، بحثًا عن إشارات أوضح حول مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.

 

ويركز المستثمرون على معرفة مدى استعداد صناع القرار للاستمرار في سياسة الفائدة المرتفعة لفترة أطول، أو حتى دراسة خيار رفع الفائدة مجددًا إذا استمرت موجة التضخم الحالية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

 

ويتوقع محللون أن يكون لهذا المحضر تأثير مباشر على تحركات:

  • الذهب
  • الدولار الأمريكي
  • عوائد السندات
  • أسواق الأسهم العالمية

خلال الأيام المقبلة.

المستثمرون ينتظرون محفزًا جديدًا

بحسب أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في "ساكسو بنك"، فإن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة ترقب واضحة، حيث يركز المتداولون على العوامل قصيرة الأجل، بينما يراقب المستثمرون على المدى الطويل اتجاهات التضخم والسياسات النقدية.

 

وأشار إلى أن غياب التدفقات الجديدة إلى صناديق الذهب المتداولة في البورصة، إضافة إلى تراجع مؤشرات التقلب، يعكس حالة من المشاركة المحدودة وانتظار الأسواق لمحفز أقوى يحدد الاتجاه القادم.

المعادن النفيسة الأخرى تتحرك بعكس الذهب

على الرغم من تراجع الذهب، سجلت بقية المعادن النفيسة مكاسب متفاوتة:

  • ارتفعت الفضة بنسبة 1.1% إلى 74.64 دولار للأونصة.
  • صعد البلاتين بنسبة 0.2% إلى 1925.30 دولار للأونصة.
  • ارتفع البلاديوم بنسبة 0.9% إلى 1366 دولارًا للأونصة.

ويشير هذا التباين إلى اختلاف ديناميكيات العرض والطلب بين المعادن النفيسة، خصوصًا في ظل الطلب الصناعي القوي على الفضة والبلاتين.

هل يستمر هبوط الذهب؟

تعتمد تحركات الذهب خلال المرحلة المقبلة على عدة عوامل رئيسية، أبرزها:

  1. اتجاه الدولار الأمريكي.
  2. مسار عوائد السندات الأمريكية.
  3. تطورات الحرب والتوترات الجيوسياسية.
  4. قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة.
  5. تطورات التضخم وأسعار الطاقة عالميًا.

وفي حال استمرت عوائد السندات والدولار في الارتفاع، فقد يواجه الذهب مزيدًا من الضغوط خلال المدى القصير، بينما قد تعيد أي تطورات جيوسياسية خطيرة أو إشارات نحو خفض الفائدة بعض الزخم الإيجابي للمعدن النفيس.

تم التحديث في: الأربعاء, 20 أيّار 2026 11:15
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول