الذهب يحطم أرقاماً قياسية تاريخية وسط تصاعد أزمة غرينلاند واضطرابات الأسواق العالمية

واصلت أسعار الذهب تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة، مدفوعة بموجة قوية من الإقبال على أصول الملاذ الآمن، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بأزمة غرينلاند، وتزايد المخاوف بشأن استقرار الأسواق المالية العالمية، لا سيما بعد الانهيار اللافت في سوق الدين السيادي الياباني.

أداء الذهب اليوم

لم يُبدِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لإلقاء خطاب مرتقب أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، أي إشارات توحي بتراجعه عن مسعاه المثير للجدل للاستحواذ على جزيرة غرينلاند.

 

هذا الموقف الأميركي المتشدد دفع رئيس وزراء الجزيرة القطبية الشمالية إلى تحذير السكان من احتمال تطور الأزمة إلى سيناريو عسكري، رغم تأكيده أن خيار الغزو لا يزال غير مرجح في الوقت الراهن.

 

وأثارت التصريحات الأميركية العدائية تجاه حلفاء تقليديين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) صدمة واسعة في الأسواق، ما أعاد إشعال موجة شراء كثيفة للذهب، الذي ارتفعت أسعاره بنحو 75% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، في واحدة من أقوى موجات الصعود في تاريخ المعدن النفيس.

 

شهدت الأسابيع الأخيرة اندفاعاً متسارعاً من قبل المستثمرين نحو الذهب، في ظل تنامي حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتجدد الهجمات السياسية على استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان فترات الاضطراب الكبرى التي عادة ما تدفع الأسواق إلى تفضيل الأصول الملموسة ذات القيمة التاريخية.

 

وزادت حدة المخاوف بعدما هددت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، من بينها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بسبب معارضتها الصريحة لخطة ترمب المتعلقة بغرينلاند، وهو ما أعاد شبح حرب تجارية عالمية قد تكون أكثر تعقيداً ودماراً من سابقاتها.

تصدع العلاقات عبر الأطلسي

على هامش اجتماعات دافوس، عكست التصريحات المتبادلة بين القادة الأوروبيين والأميركيين مدى التدهور السريع في العلاقات بين الجانبين. فقد شنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هجوماً لاذعاً على السياسات التجارية الأميركية، داعياً أوروبا إلى تعزيز سيادتها الاستراتيجية لتجنب ما وصفه بـ"التبعية وسياسات الدم".

 

من جانبه، ذهب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى أبعد من ذلك، معلناً أن النظام الدولي القائم على القواعد بات "ميتاً فعلياً"، في تصريح يعكس عمق القلق العالمي من انهيار منظومة الاستقرار الاقتصادي والسياسي التي حكمت العالم لعقود.

 

وقد أدت هذه الأجواء المشحونة إلى اضطراب واسع في الأسواق المالية، وضغوط متزايدة على الدولار الأميركي، ما عزز الطلب على الملاذات الآمنة، وفي مقدمتها الذهب والفضة وسائر المعادن النفيسة.

اليابان… الشرارة المالية الجديدة

في سياق متصل، سلط الانهيار الحاد في سوق الدين السيادي الياباني الضوء على المخاوف المتنامية بشأن متانة الأوضاع المالية لأكبر الاقتصادات العالمية.

 

هذا التطور أعاد إحياء ما يُعرف بتجارة "خفض قيمة العملة"، حيث يتجنب المستثمرون العملات والسندات الحكومية التي يُنظر إليها على أنها أكثر عرضة للتآكل بفعل التضخم أو السياسات النقدية غير المستقرة.

 

وقال دانيال غالي، كبير استراتيجيي السلع في شركة "تي دي سيكيوريتيز"، إن ما يحدث في اليابان يغذي مخاوف من "تآكل تقوده الأسواق" قد يمتد إلى بقية أنحاء العالم.

 

وأضاف أن صعود الذهب الحالي يرتبط بشكل وثيق بعنصر الثقة، موضحاً أن "الثقة انحنت لكنها لم تنكسر بعد، وإذا ما انكسرت، فإن الزخم الصعودي قد يستمر لفترة أطول وبقوة أكبر".

البنوك المركزية تدعم الاتجاه الصاعد

يتلقى الذهب دعماً إضافياً من الطلب الرسمي، حيث يستعد أكبر مشترٍ مسجّل للمعدن الأصفر عالمياً، البنك الوطني البولندي، لتنفيذ خطط لشراء 150 طناً إضافياً من الذهب.

 

كما استأنف البنك المركزي في بوليفيا عمليات شراء الذهب لتعزيز احتياطياته من النقد الأجنبي، مستنداً إلى لوائح تنظيمية جديدة صدرت في ديسمبر 2025.

 

ويعكس هذا السلوك المتزايد للبنوك المركزية توجهاً عالمياً نحو تقليص الاعتماد على العملات الورقية، وتعزيز الأصول المادية في ظل عالم يتسم بعدم الاستقرار النقدي والسياسي.

ترقب قضائي وسياسي في واشنطن

على الصعيد الأميركي، يترقب المستثمرون عن كثب جلسة مرتقبة في المحكمة العليا تتعلق بمحاولة الرئيس ترمب إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.

 

ومن المتوقع أن ينظر القضاة يوم الأربعاء في مدى قانونية إقالتها، بالتزامن مع استمرار معركة قضائية منفصلة تتعلق بمزاعم احتيال في قروض الرهن العقاري، ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى المشهد المالي الأميركي.

أرقام قياسية عبر سوق المعادن

قفز سعر الذهب في المعاملات الفورية إلى مستوى قياسي بلغ 4888.42 دولار للأونصة يوم الأربعاء، بينما تذبذبت أسعار الفضة قرب 95 دولاراً للأونصة بعد تسجيلها ذروة تاريخية في جلسة الثلاثاء.

 

كما بلغ البلاتين أعلى مستوى له على الإطلاق عند 2511.10 دولار للأونصة قبل أن يتراجع لاحقاً عن بعض مكاسبه.

 

ولم تقتصر موجة الصعود على المعادن النفيسة، إذ انضم النحاس إلى هذا الزخم، متجهاً نحو مستوى 13 ألف دولار للطن، في ظل توقعات "غولدمان ساكس" باستمرار التدفقات الاستثمارية نحو الولايات المتحدة، والتي شكلت محركاً رئيسياً للارتفاع القوي في أسعار المعدن الصناعي.

 

وعند الساعة 14:00 بتوقيت لندن، ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.1% ليصل إلى 4865.09 دولار للأونصة، في حين تراجع البلاتين إلى 2462.51 دولار بعد مكاسب مبكرة بلغت 1.5%. واستقر مؤشر "بلومبرغ" الفوري للدولار، عقب تراجعه بنحو 0.5% خلال الجلستين السابقتين.

تم التحديث في: الأربعاء, 21 كانون الثاني 2026 14:19
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول