تراجع أسعار الذهب والمعادن بالتزامن مع صعود الدولار وتزايد توقعات رفع الفائدة الأمريكية

واصلت أسعار الذهب تراجعها خلال تعاملات يوم الأربعاء، لتقترب من أدنى مستوياتها في أسبوعين، وسط مزيج من العوامل السلبية التي أثرت على جاذبية المعدن النفيس، وفي مقدمتها الارتفاع القوي للدولار الأمريكي، وتصاعد توقعات الأسواق بشأن تشديد السياسة النقدية من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال الأشهر المقبلة.

 

وتأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه المخاوف المرتبطة بالاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بالتزامن مع مؤشرات على إحراز تقدم في المساعي الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي ساهم في انحسار الطلب على الأصول الآمنة وعلى رأسها الذهب.

 

وفي ظل هذه البيئة الاقتصادية والمالية، بات المستثمرون أكثر تركيزاً على بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة وعلى مسار أسعار الفائدة، باعتبارهما العاملين الأكثر تأثيراً في حركة الذهب والمعادن الثمينة خلال الفترة القادمة.

أداء أسعار الذهب اليوم

شهدت أسعار الذهب موجة جديدة من التراجع خلال تعاملات الأربعاء، لتقترب من المستوى النفسي المهم عند 4,000 دولار للأوقية، وهو مستوى يراقبه المستثمرون عن كثب باعتباره نقطة دعم رئيسية قد تحدد اتجاه الأسعار في الأجل القريب.

 

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1.49% ليصل إلى 4,048 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 13:50 ظهراً بتوقيت تركيا، في حين تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب بنسبة 2.01% إلى 4,065 دولاراً للأوقية.

 

ويعكس هذا الأداء استمرار الضغوط البيعية على المعدن النفيس، حيث سجل الذهب خسائر في خمس جلسات من أصل آخر ست جلسات تداول، وذلك بعد أن أنهى ثلاثة أسابيع متتالية من التراجع، في إشارة واضحة إلى تغير مزاج المستثمرين تجاه الأصول الآمنة لصالح الدولار والأصول المدرة للعائد.

قوة الدولار الأمريكي تضغط على الذهب وتحد من جاذبيته الاستثمارية

كان العامل الأبرز وراء تراجع أسعار الذهب هو الصعود القوي للعملة الأمريكية، حيث ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) إلى أعلى مستوياته خلال 13 شهراً، مسجلاً 101.39 نقطة.

 

ويعود هذا الارتفاع إلى إعادة تسعير الأسواق لاحتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، بعدما عززت البيانات الاقتصادية الأخيرة وتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي توقعات رفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً سابقاً.

 

ومن المعروف أن العلاقة بين الذهب والدولار غالباً ما تكون عكسية؛ إذ يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، ما يضعف الطلب العالمي على المعدن النفيس ويضغط على أسعاره.

 

كما أن صعود العملة الأمريكية يجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين مقارنة بالذهب، الأمر الذي يساهم في تحويل التدفقات الاستثمارية بعيداً عن المعدن الأصفر.

رهانات متزايدة على رفع أسعار الفائدة الأمريكية

ازدادت قناعة المستثمرين خلال الأيام الأخيرة بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه نحو مواصلة تشديد السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام.

 

وجاءت هذه التوقعات عقب اجتماع السياسة النقدية الأخير للفيدرالي، إضافة إلى التصريحات المتشددة الصادرة عن عدد من المسؤولين، والتي أكدت استمرار القلق بشأن مستويات التضخم وضرورة إبقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول.

 

وتشير التسعيرات الحالية في الأسواق إلى:

  • احتمال يقارب 70% لرفع أسعار الفائدة بحلول شهر سبتمبر.
  • تسعير كامل تقريباً لزيادة إضافية في أسعار الفائدة بحلول شهر ديسمبر.

ويعني ذلك أن المستثمرين باتوا يتوقعون بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من التقديرات السابقة، وهو ما يشكل بيئة غير مواتية للذهب.

لماذا تتضرر أسعار الذهب من ارتفاع الفائدة؟

لا يدر الذهب أي عائد دوري مثل السندات أو الودائع المصرفية، ولذلك ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما ترتفع أسعار الفائدة.

 

ففي بيئة الفائدة المرتفعة، يفضل العديد من المستثمرين توجيه أموالهم نحو السندات الحكومية والأدوات المالية ذات العائد الثابت، بدلاً من الاحتفاظ بالذهب الذي يعتمد بشكل أساسي على مكاسب الأسعار فقط.

 

ولهذا السبب، فإن أي مؤشرات على استمرار دورة التشديد النقدي الأمريكي عادة ما تؤدي إلى ضغوط مباشرة على أسعار الذهب.

بنك ING: الدولار والفائدة المرتفعة يطغيان على دور الذهب كملاذ آمن

أكد محللو بنك ING أن الدعم التقليدي الذي يحصل عليه الذهب من المخاطر الجيوسياسية أصبح أقل تأثيراً في الوقت الحالي مقارنة بالعوامل النقدية وأشار المحللون في مذكرة بحثية إلى أن:

 

"قوة الدولار الأمريكي والتوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يُبقي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، طغت على الدعم الذي يوفره الذهب كملاذ آمن في ظل المخاطر الجيوسياسية."

ويعكس هذا التقييم التحول الحالي في أولويات الأسواق، حيث يركز المستثمرون بشكل أكبر على السياسة النقدية والعوائد الحقيقية بدلاً من المخاطر السياسية.

تراجع التوترات في الشرق الأوسط يقلص الطلب على الملاذات الآمنة

إلى جانب الضغوط النقدية، واجه الذهب عاملاً سلبياً إضافياً تمثل في تراجع المخاوف المرتبطة باضطرابات إمدادات الطاقة العالمية.

 

فقد تابع المستثمرون التطورات المتعلقة بالمحادثات الأمريكية الإيرانية، بعد إشارات من الطرفين إلى إحراز تقدم نحو تطبيق إطار سلام أوسع قد يساهم في استعادة الاستقرار لأسواق الطاقة العالمية.

 

ومن شأن أي اتفاق أو تفاهم طويل الأمد أن يساعد على:

  • تطبيع تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
  • تقليل المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
  • خفض علاوات المخاطر المضافة إلى أسعار السلع.
  • تقليص الطلب على الذهب باعتباره ملاذاً آمناً.

ومع ذلك، لا تزال عدة ملفات حساسة عالقة دون حل، أبرزها:

  • آليات التفتيش على الأنشطة النووية.
  • شروط الوصول إلى الأموال الإيرانية المجمدة.
  • الضمانات المتعلقة بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

الذهب بين المخاطر الجيوسياسية وتوقعات الفيدرالي

يرى محللون أن الذهب سيظل في المرحلة الحالية أكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية من ارتباطه بالتطورات الجيوسياسية.

 

وأوضحوا أن استمرار ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتعزز الدولار قد يبقيان أسعار الذهب تحت ضغط خلال المدى القريب، حتى وإن ظلت المخاطر السياسية قائمة في بعض مناطق العالم.

 

ويشير ذلك إلى أن المتعاملين أصبحوا ينظرون إلى الفيدرالي باعتباره المحرك الرئيسي للأسواق حالياً، في حين تراجعت أهمية العوامل الجيوسياسية نسبياً مقارنة بالأشهر السابقة.

الأسواق تترقب بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي (PCE)، المقرر صدورها يوم الخميس.

 

ويُعد هذا المؤشر المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لمتابعة التضخم، وبالتالي فإن نتائجه قد تلعب دوراً محورياً في تحديد توقعات أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.

 

وفي حال جاءت البيانات أقوى من المتوقع، فقد ترتفع احتمالات رفع الفائدة بشكل أكبر، ما قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على أسعار الذهب.

 

أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً ملموساً في التضخم، فقد يمنح ذلك الذهب فرصة لالتقاط الأنفاس واستعادة جزء من خسائره الأخيرة.

المعادن الثمينة الأخرى تتكبد خسائر قوية

لم تقتصر موجة التراجع على الذهب وحده، بل امتدت إلى بقية المعادن الثمينة التي تعرضت لضغوط بيعية ملحوظة.

الفضة

انخفضت أسعار الفضة بنسبة 2.50% لتصل إلى 60.00 دولاراً للأوقية، وذلك بعد خسائر حادة تجاوزت 5% خلال الجلسة السابقة ويعكس هذا الأداء حالة الحذر التي تسيطر على المستثمرين في أسواق المعادن النفيسة بشكل عام.

البلاتين

تراجع البلاتين بنسبة 2.10% ليصل إلى 1,620 دولاراً للأوقية، متأثراً هو الآخر بارتفاع الدولار الأمريكي وتزايد التوقعات باستمرار التشديد النقدي.

النحاس يتراجع مع قوة الدولار وتحسن توقعات الإمدادات

امتدت الضغوط أيضاً إلى أسواق المعادن الصناعية، حيث انخفضت عقود النحاس القياسية في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.3% لتصل إلى 13,343.88 دولاراً للطن كما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للنحاس بنسبة 1.37% لتبلغ 6.0638 دولار للرطل.

 

ويأتي هذا التراجع في ظل قوة الدولار من جهة، وتحسن توقعات الإمدادات العالمية من جهة أخرى، وهو ما قلل من الزخم الصعودي الذي شهدته الأسواق خلال الأشهر الماضية.

أسعار الألومنيوم تهبط إلى أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر

تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية يضغط على السوق

في سوق المعادن الصناعية، سجل الألومنيوم خسائر ملحوظة ليهبط إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر، مدفوعاً بانحسار المخاوف المرتبطة بالشرق الأوسط وارتفاع الدولار الأمريكي.

 

وتراجع عقد الألومنيوم القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.76% ليصل إلى 3,208.00 دولارات للطن المتري بحلول الساعة 10:01 صباحاً.

 

وكان العقد قد لامس خلال الجلسة مستوى 3,191.00 دولاراً للطن، وهو أضعف مستوى يسجله منذ 24 مارس 2024.

 

في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، انخفض عقد الألومنيوم الأكثر تداولاً بنسبة 1.43% ليغلق عند 23,405.00 يوان، ما يعادل نحو 3,439.23 دولاراً للطن.

 

كما سجل العقد خلال التداولات مستوى 23,320.00 يوان، وهو أدنى مستوى له منذ 20 مارس 2024، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط البيعية على المعدن في الأسواق العالمية.

توقعات بعودة الإمدادات الخليجية تدفع الأسعار إلى التراجع

يرى محللون أن أحد أبرز الأسباب وراء انخفاض أسعار الألومنيوم يتمثل في تزايد توقعات عودة الإمدادات القادمة من منطقة الخليج إلى مستوياتها الطبيعية.

 

وكانت النزاعات المسلحة وارتفاع تكاليف الطاقة قد تسببت خلال الفترة الماضية في اضطرابات ملحوظة أثرت على الإنتاج وعمليات الشحن، ما أدى إلى ارتفاع علاوات المخاطر ودعم الأسعار.

 

إلا أن تحسن الأوضاع الجيوسياسية وتراجع احتمالات حدوث اضطرابات واسعة النطاق دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم أوضاع السوق، مع ترجيحات بأن تشهد تدفقات الإمداد تحسناً تدريجياً خلال الفترة المقبلة.

 

خاتمة

تكشف التطورات الأخيرة في أسواق المعادن الثمينة والصناعية عن تحول واضح في أولويات المستثمرين من التركيز على المخاطر الجيوسياسية إلى التركيز على السياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار.

 

فبينما يواجه الذهب ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع العملة الأمريكية وتنامي توقعات رفع أسعار الفائدة، تتعرض المعادن الصناعية مثل الألومنيوم والنحاس لضغوط إضافية ناجمة عن تحسن توقعات الإمدادات العالمية وتراجع علاوات المخاطر.

 

ومع اقتراب صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي، تظل الأسواق في حالة ترقب شديد لأي إشارات جديدة قد تحدد مسار قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، وهو ما سيبقى العامل الحاسم في تحديد اتجاه أسعار الذهب والمعادن العالمية خلال الفترة القادمة.

تم التحديث في: الأربعاء, 24 حزيران 2026 14:54
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول