الذهب يواصل التراجع مع تصاعد مخاوف التضخم وترقب قرار الفيدرالي الأمريكي
واصلت أسعار الذهب تراجعها خلال تعاملات يوم الجمعة، لتعمّق خسائرها بعد الهبوط الحاد الذي شهدته الجلسة السابقة، في ظل تصاعد المخاوف بشأن عودة الضغوط التضخمية مدفوعة بارتفاع أسعار النفط العالمية.
وقد عزز هذا التطور توقعات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بالتزامن مع ترقب الأسواق لاجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، وسط توقعات بالإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير مع استمرار احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر.
وفي المقابل، يواصل المستثمرون مراقبة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي تلقي بظلالها على أسواق الطاقة والمعادن النفيسة.
الذهب يمدد خسائره بعد تراجع حاد في الجلسة السابقة
واصلت أسعار الذهب انخفاضها خلال تعاملات الجمعة، بعدما تكبدت خسائر قوية تجاوزت 2% في جلسة الخميس، متأثرة بتزايد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط، الأمر الذي عزز رهانات الأسواق على استمرار أسعار الفائدة المرتفعة قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.4% ليصل إلى 4,048 دولارًا للأوقية، ليتراجع بأكثر من 130 دولارًا مقارنة بأعلى مستوى سجله خلال أسبوعين، والذي بلغه يوم الأربعاء الماضي.
وفي سوق العقود الآجلة، سجلت عقود الذهب الأمريكية تسليم أغسطس 4,051 دولارًا للأوقية.
ورغم هذا التراجع، لا يزال المعدن النفيس يتجه نحو تحقيق مكسب أسبوعي طفيف يبلغ نحو 0.4%.
تحركات الذهب داخل نطاق عرضي واسع
أكد برايان لان، المدير التنفيذي لشركة جولد سيلفر سنترال، أن الذهب لا يزال يتحرك داخل نطاق عرضي واسع، مرجحًا استمرار التقلبات السعرية خلال المدى القصير.
وأوضح أن المعدن النفيس يتداول منذ عدة أسابيع بين مستوى 3,980 دولارًا ومستوى يقارب 4,170 دولارًا للأوقية، دون أن يتمكن من اختراق هذا النطاق بصورة حاسمة.
وأضاف أن السوق يشهد دخول مستثمرين كبار إلى الشراء كلما اقترب الذهب من مستوى 4,000 دولار أو انخفض قليلًا دونه، وهو ما ساعد حتى الآن في الحد من استمرار موجة الهبوط.
التوترات الجيوسياسية تضغط على أسواق الذهب والطاقة
تزامنت الضغوط على أسعار الذهب مع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، بعدما تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس، بفرض "عقاب عسكري كبير" على إيران وحلفائها من الحوثيين.
وجاءت تصريحات ترامب عقب إعلان الحوثيين في اليمن استهداف ناقلتين سعوديتين للنفط في البحر الأحمر، وهي خطوة زادت المخاوف بشأن اتساع رقعة الصراع وتهديد إمدادات الطاقة العالمية.
وفي المقابل، شهدت أسواق النفط موجة صعود قوية، حيث قفز خام برنت بنحو 7% خلال تعاملات الخميس، متجاوزًا مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ شهر مايو، ليسجل واحدة من أقوى موجات الارتفاع منذ اندلاع الحرب.
ارتفاع النفط يعيد مخاوف التضخم ويزيد الضغوط على الذهب
أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلى تجدد المخاوف بشأن التضخم العالمي، وهو ما دفع الأسواق إلى تعزيز توقعاتها باستمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
ورغم أن الذهب يُعد تقليديًا أحد أهم أدوات التحوط ضد التضخم، فإن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة يقلل من جاذبيته الاستثمارية، لأنه لا يوفر عائدًا لحائزيه مقارنة بالأصول المدرة للدخل، مثل السندات.
ولهذا السبب، أصبح استمرار صعود أسعار النفط يمثل عامل ضغط إضافيًا على الذهب، إذ يدفع المستثمرين إلى ترجيح استمرار السياسات النقدية المتشددة بدلًا من توقع خفض أسعار الفائدة.
الأنظار تتجه إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
تترقب الأسواق العالمية اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة بأن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير.
ورغم ذلك، لا تزال الأسواق تتوقع بدرجة كبيرة تنفيذ زيادة جديدة في أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل.
ووفقًا لبيانات أداة CME FedWatch، فإن المتعاملين يسعرون حاليًا احتمالًا يبلغ نحو 81% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في سبتمبر، وهو ما يعكس استمرار القلق من الضغوط التضخمية.
المركزي الأوروبي يبقي الباب مفتوحًا أمام مزيد من التشديد
في أوروبا، قرر البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، تثبيت أسعار الفائدة، في قرار جاء متوافقًا مع توقعات الأسواق.
إلا أن البنك أكد في الوقت نفسه أن خيار رفع أسعار الفائدة مجددًا خلال اجتماع سبتمبر لا يزال مطروحًا، إذا استمرت الضغوط التضخمية أو ازدادت حدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
ويرى محللون أن استمرار النهج المتشدد من جانب البنوك المركزية الكبرى قد يبقي الضغوط قائمة على أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض عالميًا.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم تقتصر التحركات على الذهب وحده، إذ سجلت أسعار المعادن النفيسة الأخرى أداءً متباينًا خلال تعاملات الجمعة.
وسجلت الفضة الفورية 58.21 دولارًا للأوقية، لكنها لا تزال في طريقها لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 2.5%.
كما بلغ سعر البلاتين 1,595 دولارًا للأوقية، في حين سجل البلاديوم 1,247 دولارًا للأوقية.
ويتجه كل من البلاتين والبلاديوم إلى تسجيل خسائر أسبوعية، مع استمرار تأثر أسواق المعادن النفيسة بارتفاع الدولار الأمريكي، وصعود عوائد سندات الخزانة، وتزايد توقعات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
خاتمة
تؤكد التحركات الأخيرة في سوق الذهب أن المعدن النفيس يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تداخل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار النفط، وتصاعد المخاوف التضخمية، واستمرار التوقعات ببقاء السياسة النقدية العالمية في مسارها المتشدد.
وبينما يواصل الذهب التحرك داخل نطاق سعري واسع مدعومًا بعمليات شراء عند مستويات منخفضة، تبقى قرارات البنوك المركزية، وفي مقدمتها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، العامل الحاسم في تحديد اتجاهات المعدن الأصفر خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب تطورات أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية العالمية.