ارتفاع أسعار الذهب وسط تصاعد مخاوف التعريفات وتعزيز الطلب على الملاذ الآمن

شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا طفيفًا خلال التداولات الآسيوية، صباح الأربعاء، بعدما تكبّدت خسائر في جلسة الأمس بفعل عمليات جني الأرباح، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم تداعيات التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة، وترقّب مخرجات المحادثات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط أجواء عالمية تتسم بارتفاع منسوب القلق وعدم اليقين.

أداء أسعار الذهب اليوم

ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.93% ليصل إلى 5,191.96 دولارًا للأوقية بحلول الساعة 11:25 بتوقيت تركيا، فيما صعدت العقود الآجلة للذهب الأمريكي بنسبة 0.69% إلى 5,210.89 دولارًا للأوقية.

 

وكان المعدن الأصفر قد تراجع بنحو 1.6% خلال تداولات يوم الثلاثاء، بعد أربع جلسات متتالية من المكاسب القوية، مع اتجاه المستثمرين لجني الأرباح عند المستويات المرتفعة.

التعريفات الجمركية الأمريكية تعيد إشعال المخاوف

بدأت الولايات المتحدة، يوم الثلاثاء، تطبيق تعريفات استيراد عالمية مؤقتة بنسبة 10%، في إطار خطة إدارة الرئيس دونالد ترامب لرفع الرسوم تدريجيًا إلى 15%، وهي خطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف المرتبطة باضطراب سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع معدلات التضخم، وتباطؤ النمو الاقتصادي.

 

وجاءت هذه الإجراءات عقب حكم المحكمة العليا الأمريكية الأسبوع الماضي، والذي قضى بإلغاء الرسوم الجمركية الشاملة التي كانت مفروضة سابقًا بموجب صلاحيات الطوارئ، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة فرض الرسوم استنادًا إلى إطار قانوني بديل، الأمر الذي زاد من حالة الغموض وعدم الاستقرار في الأسواق العالمية.

 

هذا المشهد دفع المستثمرين مجددًا إلى البحث عن الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الذهب، للتحوط من تقلبات الأسواق ومخاطر السياسات التجارية المتشددة.

التوترات الجيوسياسية والمحادثات الأمريكية الإيرانية

إلى جانب العوامل التجارية، لا تزال التوترات الجيوسياسية تلقي بظلالها على حركة الأسواق، مع اقتراب موعد الجولة الثالثة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، المقرر عقدها يوم الخميس في جنيف، بشأن البرنامج النووي الإيراني.

 

وتترقب الأسواق نتائج هذه المحادثات، لما لها من تأثير مباشر على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على شهية المخاطرة لدى المستثمرين حول العالم.

الفائدة المرتفعة والدولار القوي يحدّان من مكاسب الذهب

على الرغم من الدعم الذي تلقاه الذهب من المخاوف الجيوسياسية والتجارية، إلا أن مكاسبه ظلت محدودة بفعل التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.

 

فقد أشار اثنان من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، يوم الثلاثاء، إلى ضعف الرغبة في تعديل مسار السياسة النقدية على المدى القريب، ما يعزز التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وعادةً ما تشكّل الفائدة المرتفعة عامل ضغط على الذهب، باعتباره أصلًا غير مدرّ للعائد.

 

كما أسهم صعود الدولار الأمريكي في الحد من زخم الذهب، إذ يجعل المعادن المقومة بالدولار أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ما يقلل من جاذبيتها الشرائية.

 

واستقر مؤشر الدولار الأمريكي إلى حدّ كبير بعد ارتفاعه بنسبة 0.1% في جلسة الثلاثاء، محافظًا على مكاسبه الأخيرة.

 

في سوق المعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت أسعار الفضة بنسبة 1.6% لتصل إلى 88.59 دولارًا للأوقية، بينما قفز البلاتين بنسبة 2.3% إلى 2,224.60 دولارًا للأوقية، مدعومين بعمليات شراء انتقائية وتزايد الطلب الصناعي والاستثماري.

الصين تكدّس الذهب بمعدلات غير مسبوقة

في تطور لافت، أظهرت أحدث البيانات الرسمية تسجيل احتياطيات الذهب لدى الصين قفزة قوية خلال شهر يناير، لتصل إلى 369.6 مليار دولار، بزيادة شهرية قدرها 15.7%، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد.

 

ويمثل هذا الارتفاع الشهر الثامن على التوالي الذي تسجل فيه الصين زيادة في احتياطياتها الذهبية، في إشارة واضحة إلى تسارع استراتيجيتها الهادفة إلى تعزيز مخزونها من المعدن النفيس.

 

ووفق البيانات، ارتفعت قيمة احتياطيات الذهب الصينية منذ أكتوبر 2022 بنحو 266.9 مليار دولار، أي ما يعادل نموًا هائلًا بنسبة 260% خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا مقارنة بحركة احتياطيات البنوك المركزية عالميًا.

 

كما قفزت الحيازات الفعلية للصين من الذهب إلى 2,308 أطنان، وهو أعلى مستوى تاريخي، في ظل مواصلة بنك الشعب الصيني عمليات الشراء للشهر الخامس عشر على التوالي، مسجلًا بذلك أطول سلسلة شراء مستمرة في تاريخ الصين الحديث.

 

ويصف محللون هذه الوتيرة بأنها اندفاع ذهبي غير مسبوق، إذ لم تشهد الأسواق العالمية في العقود الأخيرة توسعًا بهذه السرعة وبهذا الحجم من قبل اقتصاد بحجم الصين.

لماذا تشتري الصين الذهب بهذه القوة؟

يعكس هذا التوجه تحوّلًا عميقًا في الاستراتيجية المالية الصينية، حيث تسعى بكين إلى تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي في احتياطياتها الدولية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط سياسي.

 

ويمثل الذهب بالنسبة للصين أصلًا استراتيجيًا محايدًا، يصعب تجميده أو مصادرته أو فرض قيود عليه، على عكس الأصول المقومة بالدولار أو السندات الأجنبية، ما يمنح بكين هامش أمان مالي أوسع في بيئة عالمية عالية المخاطر.

 

كما يتزامن هذا التوسع مع جهود أوسع لتعزيز دور اليوان الصيني في التجارة الدولية وتسويات الطاقة والمعادن، حيث يشكّل الذهب أحد أعمدة بناء الثقة العالمية في أي عملة تطمح لمنافسة الدولار.

إشارة قوية للأسواق العالمية

تشير وتيرة الشراء المتسارعة إلى أن البنوك المركزية، وفي مقدمتها الصين، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في دعم أسعار الذهب عالميًا، بعدما كانت صناديق الاستثمار والمتداولون الأفراد هم المحرك الأساسي للسوق خلال العقود الماضية.

 

ويؤكد محللون أن الذهب يؤدي اليوم دورًا مزدوجًا: فهو أداة تحوّط فعّالة ضد التضخم وتقلبات العملات، ووسيلة استراتيجية للتحوّط من الأزمات المالية المحتملة وإعادة تشكيل النظام النقدي الدولي.

 

كما يرى مراقبون أن العالم قد يكون بصدد الدخول في مرحلة تعددية نقدية، تتراجع فيها هيمنة عملة واحدة على النظام المالي العالمي، في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية.

 

وتشير بعض التقديرات إلى أن ما تقوم به الصين قد يكون جزءًا من سباق صامت بين البنوك المركزية لإعادة توزيع الاحتياطيات بعيدًا عن الأصول الورقية، لصالح الأصول الحقيقية وعلى رأسها الذهب.

 

وفي حال استمرت هذه الوتيرة، فقد تقترب الصين تدريجيًا من كبار حائزي الذهب عالميًا مثل الولايات المتحدة وأوروبا، ما قد يعيد رسم توازنات القوة المالية على المدى الطويل.

 

خلاصة المشهد

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتشدد السياسات التجارية، واستمرار الضبابية النقدية، يواصل الذهب تأكيد مكانته كملاذ آمن مفضل للمستثمرين والبنوك المركزية على حد سواء.

 

ومع تسارع اندفاع الصين نحو المعدن النفيس، تتعزز الرهانات على أن الذهب سيكون أحد الأعمدة الأساسية لأي نظام مالي دولي جديد قد يتشكل خلال العقد المقبل، في عالم يتجه تدريجيًا إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي.

 
تم التحديث في: الأربعاء, 25 شباط 2026 12:08
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول