الذهب يقفز مع انحسار مخاوف التضخم وترقب اتفاق أمريكي ـ إيراني يعيد فتح مضيق هرمز
شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً قوياً خلال افتتاح تعاملات الأسبوع في الأسواق الآسيوية، مدفوعة بتراجع المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي، وسط تنامي الآمال بشأن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق سياسي قد يُعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة النفطية العالمية.
وجاء هذا الصعود مدعوماً أيضاً بانخفاض الدولار الأمريكي وتراجع عوائد سندات الخزانة، الأمر الذي عزز الإقبال على المعدن النفيس باعتباره أحد أهم أدوات التحوط في الأسواق العالمية.
وفي الوقت الذي تترقب فيه الأسواق مآلات المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، بدأت التوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة الأمريكية والتضخم العالمي تشهد تغيرات ملحوظة، ما انعكس بشكل مباشر على حركة الذهب والمعادن الثمينة الأخرى.
ارتفاع قوي للذهب مع بداية تداولات الأسبوع
قفزت أسعار الذهب بشكل ملحوظ خلال التعاملات الآسيوية المبكرة يوم الاثنين، بعد موجة من التفاؤل أثارتها التطورات السياسية التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع، والمتعلقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وصعد الذهب بنحو 1.6% ليصل إلى مستوى 4580 دولاراً للأونصة، متجاوزاً بذلك الخسائر المحدودة التي تكبدها خلال الأسبوع الماضي. كما ارتفع الذهب الفوري بنسبة 1.2% إلى 4561 دولاراً للأونصة، في حين صعدت العقود الآجلة للذهب بنسبة 0.88% لتصل إلى 4596 دولاراً للأونصة خلال تداولات الساعة 10:50 صباحاً بتوقيت تركيا.
ولم يقتصر الارتفاع على الذهب وحده، إذ سجلت الفضة أيضاً مكاسب قوية بلغت 2.65% لتصل إلى 78.22 دولاراً، في إشارة إلى تحسن شهية المستثمرين تجاه المعادن الثمينة بشكل عام.
اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران ينعش الأسواق
جاءت هذه التحركات بعدما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن الإطار العام لاتفاق السلام مع إيران أصبح “منجزاً إلى حد بعيد”، في تصريحات أثارت موجة تفاؤل واسعة داخل الأسواق العالمية.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الاتفاق المرتقب قد يتضمن تمديد الهدنة الحالية بين الجانبين، إضافة إلى إعادة فتح الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما من شأنه إعادة تدفق إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية وتقليص المخاطر الجيوسياسية التي ضغطت على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الماضية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي انفراج سياسي في المنطقة ينعكس مباشرة على أسعار النفط والتضخم العالمي.
تراجع التضخم يدعم المعدن النفيس
ساهمت التوقعات بانخفاض الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة في تعزيز جاذبية الذهب، بعدما كانت الأسواق تخشى أن يؤدي استمرار الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وبالتالي دفع البنوك المركزية العالمية نحو تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة مجدداً.
وخلال الأشهر الماضية، شكّل ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار ضغطاً كبيراً على الذهب، باعتبار أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد من جاذبية الأصول المدرة للعوائد مقارنة بالمعدن الأصفر الذي لا يقدم فوائد لحائزيه.
لكن مع تراجع احتمالات استمرار موجة التضخم الحالية، بدأت الأسواق تعيد تقييم توقعاتها بشأن السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما ساهم في انخفاض الدولار وعوائد السندات، الأمر الذي أعاد الزخم إلى سوق الذهب.
استمرار الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني
ورغم التفاؤل النسبي، لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران تواجه عقبات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
فقد كشفت تقارير أن المسؤولين الإيرانيين رفضوا إلى حد كبير المطالب الأمريكية المتعلقة بتسليم مخزونات اليورانيوم المخصب، وهو ما يبقي احتمالات تعثر الاتفاق قائمة حتى الآن.
كما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقاً أنه لا ينوي “التسرع” في إبرام الاتفاق، مشيراً إلى أن الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران سيظل قائماً في الوقت الحالي.
وفي السياق ذاته، أوضح وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio أن الساعات المقبلة قد تحمل “بعض الأخبار الجيدة” بشأن مضيق هرمز، في إشارة إلى استمرار التقدم في المفاوضات السياسية.
الأسواق تتعامل بحذر مع تصريحات ترامب
على الرغم من ارتفاع الذهب، فإن رد فعل الأسواق بقي محدوداً نسبياً مقارنة بحجم التطورات السياسية، إذ أبدى المستثمرون قدراً من الحذر تجاه التصريحات الأمريكية.
وقال جاستن لين، المحلل لدى شركة “غلوبال إكس إي تي إف”، إن الأسواق شهدت في السابق العديد من التصريحات المتفائلة من ترامب دون أن تؤدي إلى نتائج ملموسة، مشيراً إلى أن المستثمرين يحتاجون إلى دلائل عملية على وجود تعاون حقيقي من الجانب الإيراني قبل تأكيد الاتجاهات الصعودية وخفض توقعات التضخم بشكل نهائي.
ويعكس هذا التردد حالة عدم اليقين التي لا تزال تسيطر على الأسواق العالمية، خاصة في ظل حساسية الملف النووي الإيراني وتعقيداته السياسية.
الذهب لا يزال منخفضاً منذ بداية النزاع
ورغم المكاسب الأخيرة، لا يزال الذهب منخفضاً بنحو 13% مقارنة بالمستويات التي سجلها مع بداية النزاع أواخر شهر فبراير الماضي.
وخلال تلك الفترة، دفعت الحرب أسعار الطاقة إلى الارتفاع بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة رهانات المستثمرين على قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة.
وتتوقع الأسواق المالية حالياً أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي دورة جديدة من رفع الفائدة بحلول شهر ديسمبر المقبل، وهو ما يشكل عاملاً ضاغطاً على الذهب على المدى المتوسط، نظراً لأن ارتفاع الفائدة يقلل من جاذبية المعدن النفيس.
ترقب لسياسات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد
يتابع المستثمرون أيضاً عن كثب توجهات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد Kevin Warsh، خاصة فيما يتعلق بنظرته للتضخم والنمو الاقتصادي وأسعار الفائدة.
ومن المتوقع أن تشكل تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الذهب والدولار والأسواق العالمية عموماً.
وقال كريستوفر وونغ، الاستراتيجي لدى “أوفرسي تشاينيز بانكينغ كورب”، إن المستثمرين قد يترددون في ملاحقة موجة صعود الذهب الحالية، نظراً إلى غياب التفاصيل الحاسمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن إغلاق الأسواق في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية بسبب عطلات رسمية يؤدي أيضاً إلى ضعف السيولة في الأسواق، ما يجعل التحركات السعرية أكثر حساسية للتطورات السياسية والأخبار العاجلة.
مستقبل الذهب بين السياسة والفائدة
تتحرك أسعار الذهب حالياً في منطقة شديدة الحساسية بين عاملين رئيسيين؛ الأول يتمثل في التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، والثاني يتعلق بمسار السياسة النقدية الأمريكية وأسعار الفائدة.
وفي حال نجحت المفاوضات السياسية وتمت إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل، فقد يؤدي ذلك إلى تهدئة أسواق الطاقة وتراجع الضغوط التضخمية، ما قد يحد من مكاسب الذهب مستقبلاً.
أما إذا تعثرت المحادثات أو تصاعدت التوترات مجدداً، فقد يعود المستثمرون بقوة إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات وعدم اليقين.