الذهب يحقق مكاسب أسبوعية مع تقييم المستثمرين تطورات الشرق الأوسط وترقب قرار الفيدرالي
أنهت أسعار الذهب تعاملات يوم الجمعة 24 يوليو/تموز على ارتفاع، محققة مكاسب أسبوعية، مستفيدة من تراجع أسعار النفط بعد هبوط خام برنت دون مستوى 100 دولار للبرميل، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم تداعيات التصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط وانعكاساته على التضخم والسياسة النقدية الأمريكية.
وجاءت تحركات المعدن النفيس وسط ترقب واسع لاجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، والذي يُتوقع أن يحافظ خلاله على أسعار الفائدة دون تغيير، بينما تستمر الأسواق في مراقبة احتمالات تشديد السياسة النقدية لاحقاً، بالتزامن مع بيانات اقتصادية أمريكية قوية واستمرار التوترات الجيوسياسية، فضلاً عن تسجيل واردات الصين من الذهب أعلى مستوياتها في عامين، بما يعكس استمرار قوة الطلب في أكبر سوق للمعدن الأصفر عالمياً.
أداء أسعار الذهب
ارتفع سعر الذهب عند التسوية يوم الجمعة 24 يوليو/تموز، ليسجل مكاسب أسبوعية، مع تراجع خام برنت عن مستوى 100 دولار للبرميل، بينما واصل المستثمرون تقييم تطورات الصراع في الشرق الأوسط وتأثيراته المحتملة على معدلات التضخم، قبيل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المرتقب الأسبوع المقبل.
وسجل الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعاً بنسبة 0.11% ليصل إلى 4053.17 دولاراً للأونصة، بعدما كان قد تراجع بنحو 2% خلال الجلسة السابقة. كما حقق المعدن النفيس مكاسب أسبوعية بلغت 0.9%، مدعوماً بعمليات شراء المستثمرين عند انخفاض الأسعار خلال الأيام الماضية.
في المقابل، ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.5% لتغلق عند 4070.80 دولاراً للأونصة، محققة مكاسب أسبوعية بلغت نحو 1.3%.
استقرار الدولار يحد من مكاسب الذهب
استقر مؤشر الدولار الأمريكي عند مستوى 101.30 نقطة تقريباً، بعدما تخلى عن مكاسب الجلسة السابقة، وهو ما وفر دعماً محدوداً لأسعار الذهب.
ورغم هذا الاستقرار، بقيت عوائد سندات الخزانة الأمريكية المرتفعة العامل الرئيسي الذي يحد من صعود المعدن النفيس، نظراً لأن ارتفاع العوائد يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب.
محللون: الذهب يبني قاعدة سعرية استعداداً لموجة صعود جديدة
قال تاي وونغ، تاجر المعادن المستقل، إن الذهب والفضة يواصلان تكوين قاعدة سعرية قوية رغم استمرار ارتفاع عوائد السندات وأوضح قائلاً:
"يُكوّن الذهب والفضة قاعدة سعرية حول مستويي 3950 دولاراً و55 دولاراً على التوالي، وذلك رغم الارتفاع المستمر في العوائد. ورغم أنه لا يمكن استبعاد تراجع الأسعار دون هذه المستويات في حال حدوث تصعيد حاد للحرب، إلا أن الذهب يبدو مستعداً للعودة إلى الارتفاع... ومن شأن اتخاذ الاحتياطي الفيدرالي قراراً واضحاً بتثبيت أسعار الفائدة الأسبوع المقبل أن يدعم هذا الاتجاه."
من جانبه، أشار جيوفاني ستونوفو، المحلل لدى بنك UBS، إلى أن الذهب نجح في التحول من المنطقة السلبية إلى تحقيق مكاسب طفيفة بفضل انخفاض أسعار النفط، وهو ما خفف الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي فيما يتعلق بتعديل أسعار الفائدة وأضاف في تصريحات لـ"رويترز":
"ما زلنا نتوقع أن يُبقي الفيدرالي معدلات الفائدة دون تغيير الأسبوع المقبل، وهو ما من شأنه دعم أسعار الذهب خلال الأشهر المقبلة."
النفط يتراجع بعد اختراق مستوى 100 دولار للبرميل
كانت أسعار النفط قد شهدت تقلبات حادة خلال الأسبوع، بعدما قفز خام برنت بأكثر من 7% يوم الخميس، متجاوزاً مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو/أيار، قبل أن يغلق عند 96.78 دولاراً للبرميل.
وجاءت هذه القفزة بعدما توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران وحلفاءها الحوثيين بـ"عقاب عسكري كبير"، عقب الهجوم الذي استهدف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر.
إلا أن أسعار النفط عادت للتراجع دون مستوى 100 دولار خلال تعاملات الجمعة، الأمر الذي ساعد في الحد من المخاوف التضخمية ودعم أسعار الذهب.
لماذا يؤثر النفط في أسعار الذهب؟
عادة ما يؤدي ارتفاع أسعار النفط الناتج عن اضطرابات الإمدادات، خاصة في منطقة الخليج، إلى تعزيز توقعات استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وتنعكس هذه التوقعات سلباً على الذهب، باعتباره أصلاً لا يحقق عائداً دورياً، حيث تصبح أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية للمستثمرين في بيئة الفائدة المرتفعة.
تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يزيد حالة عدم اليقين
واصلت الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط تصعيدها بعد أن شن الحوثيون المدعومون من إيران هجوماً على ناقلتَي نفط سعوديتين في البحر الأحمر.
وأعقب ذلك تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن واشنطن ستحمل إيران المسؤولية عن أي هجمات حوثية مستقبلية تستهدف حركة الملاحة التجارية، مهدداً باتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد طهران.
كما بقيت فرص التهدئة محدودة بعد أن نقلت صحيفة نيويورك تايمز رفض إيران لمقترح وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة، الأمر الذي أضعف الآمال بإحراز تقدم دبلوماسي قريب.
بيانات الاقتصاد الأمريكي تعزز رهانات الفائدة المرتفعة
أسهم التصعيد الجيوسياسي في رفع أسعار النفط، بينما عززت بيانات سوق العمل الأمريكية القوية المخاوف من استمرار السياسة النقدية المتشددة.
فقد تراجعت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية بصورة مفاجئة إلى 187 ألف طلب، وهو أدنى مستوى لها منذ عقود، ما دفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياته منذ يناير/كانون الثاني 2025.
الأسواق تترقب قرار الاحتياطي الفيدرالي
تتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات أداة FedWatch التابعة لـ CME إلى أن الأسواق تسعر احتمالاً يبلغ نحو 81% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر/أيلول المقبل.
في أوروبا، قرر البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة، كما كان متوقعاً، إلا أنه أبقى الباب مفتوحاً أمام إمكانية رفعها خلال اجتماع سبتمبر/أيلول، في حال استمرت الضغوط التضخمية.
الذهب يتراجع 23% منذ اندلاع الحرب
ورغم المكاسب الأخيرة، لا يزال الذهب منخفضاً بنحو 23% منذ اندلاع الحرب التي تدعمها الولايات المتحدة ضد إيران في أواخر فبراير/شباط.
وجاء هذا التراجع نتيجة تصاعد التوقعات بأن التضخم الناجم عن الحرب قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
ورغم أن الذهب يُنظر إليه تقليدياً باعتباره أداة للتحوط ضد التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة عادة ما يقلل من جاذبيته بسبب عدم تحقيقه عائداً دورياً.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
شهدت المعادن النفيسة الأخرى أداءً متبايناً خلال تعاملات الجمعة، حيث:
- ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 0.85% إلى 58.19 دولاراً للأونصة.
- تراجع البلاتين بنسبة 0.68% إلى 1593 دولاراً للأونصة.
- انخفض البلاديوم بنسبة 1.21% إلى 1246 دولاراً للأونصة.
واردات الصين من الذهب تسجل أعلى مستوى في عامين
في تطور يعكس استمرار قوة الطلب العالمي، ارتفعت واردات الصين من الذهب خلال شهر يونيو إلى أعلى مستوياتها في عامين، بعد الانخفاض الكبير الذي شهدته الأسعار العالمية للمعدن النفيس.
وأظهرت بيانات الجمارك الصينية أن واردات الذهب واصلت الارتفاع للشهر الثالث على التوالي، لتبلغ نحو 173 طناً، وهو أعلى مستوى منذ مارس/آذار 2024.
وجاء هذا النمو مدفوعاً بتراجع الأسعار العالمية للذهب، إلى جانب قوة اليوان الصيني، ما عزز جاذبية المعدن للمستثمرين، في الوقت الذي سارعت فيه البنوك إلى استغلال حصص الاستيراد المخصصة لها لزيادة مخزوناتها وتلبية الطلب المتزايد من العملاء.
خبراء: شراء الذهب عند الانخفاض دعم الطلب الصيني
قال زيجي وو، المحلل في شركة جينروي فيوتشرز، إن إقبال المستثمرين على شراء الذهب عند انخفاض الأسعار كان أحد أهم العوامل التي دعمت الطلب خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضح أن البنوك التجارية تحتاج إلى الاحتفاظ بمخزونات كافية من الذهب لتوفير الغطاء الفعلي لمبيعات السبائك الذهبية المخصصة للأفراد، بالإضافة إلى برامج الادخار والاستثمار في الذهب، وكذلك الاحتفاظ باحتياطيات يمكن الاعتماد عليها عند حدوث ارتفاع مفاجئ في الطلب.
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في زيادة وتيرة الاستيراد خلال الأشهر الماضية، مع استمرار إقبال المستثمرين الأفراد على شراء المعدن النفيس.
برامج الادخار بالذهب تعزز الطلب في الصين
تقدم العديد من البنوك الصينية برامج ادخار واستثمار في الذهب، تتيح للأفراد شراء المعدن النفيس بكميات صغيرة وبشكل تدريجي، وهو ما جعلها من أبرز الأدوات الاستثمارية التي يعتمد عليها المستثمرون الأفراد في الصين لبناء مراكز طويلة الأجل في الذهب.
الخاتمة
تعكس التحركات الأخيرة في سوق الذهب استمرار حالة التوازن بين عوامل الدعم والضغط، إذ يستفيد المعدن النفيس من تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط، بينما يواجه ضغوطاً مستمرة من ارتفاع عوائد السندات الأمريكية واحتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وفي المقابل، يوفر الطلب القوي من الصين دعامة إضافية للأسعار، في وقت يترقب فيه المستثمرون قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي قد يشكل نقطة تحول رئيسية في اتجاه الذهب خلال الأشهر المقبلة.