الذهب يتراجع بقوة وسط شائعات تشديد السياسة النقدية… لكن مكاسبه التاريخية مستمرة
سجّل الذهب تراجعًا حادًا خلال تعاملات يوم الجمعة، متكبدًا خسائر تجاوزت 4%، في ظل موجة بيع قوية أثارتها شائعات متداولة في الأسواق حول احتمال تعيين رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يميل إلى السياسة النقدية المتشددة، ما أعاد تسعير توقعات الفائدة وألقى بظلاله السلبية على المعدن النفيس.
ورغم هذا الهبوط العنيف، لا يزال الذهب في طريقه لتحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ عام 1980، مدعومًا بإقبال واسع من المستثمرين على أصول الملاذ الآمن، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية العالمية.
أداء أسعار الذهب اليوم
انخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية إلى 5,130 دولارًا للأوقية عند الساعة 11:30 بتوقيت تركيا، بعدما كان قد هوى بأكثر من 5% في وقت سابق من الجلسة.
ويأتي هذا التراجع بعد أن سجّل المعدن الأصفر أعلى مستوى تاريخي له عند 5,594.82 دولارًا للأوقية يوم الخميس، في إشارة واضحة إلى حالة التقلب الشديد التي تهيمن على الأسواق.
وفي سوق العقود الآجلة، تراجعت العقود الأميركية للذهب تسليم فبراير/شباط بنسبة 2.7% لتسجّل 5,176.40 دولارًا للأوقية.
مكاسب شهرية تاريخية رغم التصحيح
على الرغم من الخسائر اليومية، تجاوزت مكاسب الذهب 20% منذ بداية الشهر الجاري، محققًا سادس ارتفاع شهري متتالٍ، في أكبر صعود شهري منذ يناير/كانون الثاني 1980.
ويعكس هذا الأداء الاستثنائي حجم القلق السائد في الأسواق العالمية، وعودة الذهب بقوة كأداة تحوط رئيسية ضد المخاطر الاقتصادية والنقدية.
السياسة النقدية والدولار… العامل الحاسم
قال تيم ووترر، كبير محللي التداول في شركة KCM Trade، إن:
«احتمال اختيار رئيس للفدرالي الأميركي أقل ميلاً إلى التيسير النقدي، إلى جانب تعافي الدولار الأميركي، شكّلا عاملين رئيسيين في الضغط على أسعار الذهب».
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح بنيته الإعلان اليوم الجمعة عن مرشحه لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خلفًا لجيروم باول، وهو ما زاد من حالة الترقب والتقلب في الأسواق المالية.
في المقابل، تعافى الدولار الأميركي من أدنى مستوياته في عدة سنوات، مدعومًا جزئيًا بقرار الفدرالي يوم الأربعاء الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير، رغم أنه لا يزال متجهًا لتسجيل خسائر للأسبوع الثاني على التوالي.
ويُذكر أن ارتفاع الدولار يزيد من تكلفة الذهب المقوّم بالعملة الأميركية بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، ما يحدّ من الطلب العالمي عليه في الأجل القصير، رغم استمرار توقعات الأسواق بخفض الفائدة مرتين خلال عام 2026.
تدفقات قوية في سوق الذهب الفعلي
على صعيد الطلب الفعلي، أظهرت بيانات الجمارك الصادرة يوم الخميس أن صادرات الذهب من سويسرا إلى المملكة المتحدة – التي تُعد أكبر مركز عالمي لتداول الذهب خارج البورصة – قفزت إلى أعلى مستوياتها منذ أغسطس/آب 2019، في إشارة واضحة إلى تنامي الطلب المؤسسي.
كما ارتفع صندوق هانغ سنغ المتداول للذهب والمدرج في هونغ كونغ بنسبة تجاوزت 9% في أول جلسة تداول له خلال الجلسة السابقة، ما يعكس شهية استثمارية قوية في الأسواق الآسيوية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر التراجع على الذهب فقط، بل امتد إلى بقية المعادن النفيسة:
-
الفضة: تراجعت في المعاملات الفورية إلى 105 دولارات للأوقية، بعدما كانت قد سجّلت مستوى قياسيًا عند 121.64 دولارًا للأوقية يوم الخميس، ورغم ذلك لا تزال مرتفعة بنحو 56% منذ بداية الشهر، في طريقها لتحقيق أفضل أداء شهري في تاريخها.
-
البلاتين: انخفض بنسبة 3.7% إلى 2,531.84 دولارًا للأوقية، بعدما بلغ مستوى قياسيًا عند 2,918.80 دولارًا للأوقية يوم الاثنين.
-
البلاديوم: تراجع بدوره بنسبة 4% إلى 1,925.50 دولارًا للأوقية.
خلاصة تحليلية
يعكس التراجع الحاد في أسعار الذهب تصحيحًا فنيًا طبيعيًا بعد موجة صعود تاريخية غير مسبوقة، أكثر مما يعكس تغيرًا جذريًا في الاتجاه العام.
ففي ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية، وتزايد المخاوف المرتبطة بالسياسات النقدية العالمية، لا يزال الذهب يحتفظ بجاذبيته كملاذ آمن، مع بقاء أي هبوط حاد فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية لدى شريحة واسعة من المستثمرين.