بنك إتش إس بي سي يخفض توقعاته لأسعار الذهب في 2026 و2027
يواجه الذهب في الوقت الراهن خفضاً مدروساً للتوقعات من جانب مؤسسات وول ستريت، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والمالية التي تحد من قدرة المعدن النفيس على مواصلة موجة صعوده القوية. ومع ذلك، يؤكد محللو المؤسسات المالية أن الأساس الهيكلي الداعم للذهب لا يزال متماسكاً ولم يتعرض لانهيار جوهري.
وفي هذا السياق، أعاد بنك إتش إس بي سي (HSBC) تعديل توقعاته لمتوسط أسعار الذهب، في خطوة تعكس موقفاً أكثر حذراً تجاه استدامة الصعود الحالي، مع استمرار الاعتقاد بأن الطلب الهيكلي من البنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية يوفر دعماً مهماً للأسعار على المدى الطويل.
إتش إس بي سي يخفض توقعاته لأسعار الذهب
في الأول من أكتوبر، خفض بنك إتش إس بي سي متوسط توقعاته لسعر الذهب خلال عام 2026 إلى 4,490 دولاراً للأونصة، مقارنة مع توقع سابق عند 4,560 دولاراً.
كما خفّض البنك متوسط توقعاته لعام 2027 إلى 4,825 دولاراً للأونصة، بدلاً من تقدير سابق بلغ 4,925 دولاراً.
وتأتي هذه المراجعات الجديدة بعد مراجعة أوسع نطاقاً أجراها البنك في يوليو الماضي، عندما خفض تقديره المبدئي لمتوسط سعر الذهب في عام 2026 من 4,864 دولاراً، كما خفض توقعاته لعام 2027 من 5,000 دولار.
خفض التوقعات لا يعني تحولاً إلى النظرة المتشائمة
وعلى الرغم من أن التخفيضات المتتالية في توقعات إتش إس بي سي تشير إلى تزايد الرياح المعاكسة التي تواجه الذهب، فإن حجم المراجعة الأخيرة لا يعكس تحولاً جذرياً نحو التشاؤم.
فالبنك خفض توقعاته بمقدار 70 دولاراً لعام 2026 وبمقدار 100 دولار لعام 2027، وهو ما يشير إلى أن المؤسسة المالية تعمل على تهدئة نبرة تفاؤلها السابقة بدلاً من تبني موقف شديد التشاؤم تجاه المعدن النفيس.
ومن المهم كذلك التمييز بين متوسطات الأسعار السنوية وبين المستهدفات السعرية لنهاية العام. فقد سبق للبنك أن نشر في يوليو مستهدفاً لسعر الذهب لعام 2026 عند 4,750 دولاراً، وهو ما يعكس توقعاته بحدوث تعافٍ في النصف الثاني من العام.
مستوى 4,000 دولار قد يشكل أرضية سعرية للذهب
يرى محللو إتش إس بي سي أن الذهب قد يواجه ضغوطاً إضافية على المدى القريب، في ظل تحركه ضمن بيئة اقتصادية كلية مليئة بالتحديات.
لكن في المقابل، يتوقع البنك تشكّل قاع سعري متين وشديد المقاومة بالقرب من المستوى النفسي البالغ 4,000 دولار للأونصة.
ويستند هذا التقدير بصورة رئيسية إلى احتمالية تسارع عمليات الشراء من جانب البنوك المركزية عند وصول الأسعار إلى هذه المستويات. فالبنوك المركزية كانت من أبرز المشترين للذهب خلال العامين الماضيين، ومن المتوقع أن تتدخل بقوة إذا اقتربت الأسعار من مستوى 4,000 دولار أو تراجعت دونه.
وبالتالي، قد يمثل هذا المستوى منطقة دعم استراتيجية بالنسبة للسوق، في ظل وجود طلب مؤسسي وسيادي قادر على الحد من عمق أي تراجعات حادة.
مرونة الذهب تثير اهتمام المستثمرين رغم موجة التراجع
بالنسبة إلى المستثمرين، فإن النقطة الأكثر أهمية في الهبوط الأخير لأسعار الذهب لا تتمثل في التراجع نفسه، وإنما في المرونة التي أظهرها المعدن النفيس في مواجهة مجموعة من الضغوط التقليدية المعاكسة في الوقت ذاته.
فقد دخل الذهب عام 2026 بعد تحقيقه قفزة تاريخية بلغت 64% خلال عام 2025، وهي أقوى زيادة سنوية يسجلها المعدن منذ عام 1979.
واستمر الزخم الصعودي خلال بداية عام 2026، ليدفع الذهب إلى تسجيل ذروة قياسية قرب 5,595 دولاراً للأونصة في 29 يناير.
غير أن هذا الزخم تعرض لاحقاً لضغوط متزايدة، مع استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي انعكس على جاذبية الذهب مقارنة بالأصول المدرة للعوائد.
تراجع الذهب بعد مكاسب تاريخية
بعد ارتفاع الذهب بنسبة 13% في أغسطس ليصل إلى 4,563 دولاراً، عاد المعدن النفيس ليسجل انخفاضاً بنحو 6.6% خلال سبتمبر.
وبحلول 2 أكتوبر، كان الذهب الفوري يتداول بالقرب من 4,140 دولاراً للأونصة، ما وضعه من الناحية الفنية ضمن نطاق التصحيح الهابط الذي يتجاوز 20% مقارنة بالقمة المسجلة في يناير.
ورغم هذه الخسائر، فإن قدرة الذهب على الاستقرار فوق مستوى 4,100 دولار تظل لافتة، خصوصاً في ظل الظروف الحالية لأسعار الفائدة والأسواق المالية.
عوائد السندات والدولار يفرضان ضغوطاً على الذهب
يأتي استقرار الذهب فوق 4,100 دولار في بيئة صعبة بالنسبة للمعدن النفيس، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مؤخراً إلى نحو 5.34%، بالتزامن مع بقاء الدولار الأمريكي عند مستويات قوية.
وتشكل هذه البيئة عادة ضغطاً مزدوجاً على الذهب، إذ إن ارتفاع العوائد على الأصول الخالية من المخاطر يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً دورياً.
كما أن قوة الدولار الأمريكي تمثل عاملاً إضافياً ضاغطاً على الذهب، خصوصاً أن المعدن يتم تسعيره بالدولار في الأسواق العالمية.
وعادة ما تؤدي تركيبة العوائد الخالية من المخاطر المرتفعة والدولار القوي إلى عمليات تصفية حادة للأصول التي لا تدفع فائضاً أو عائداً دورياً، ومن بينها الذهب.
صراع القوى الاقتصادية الكلية يحدد مسار الذهب
بيانات الوظائف الضعيفة لم تمنح الذهب دفعة كافية
تتمثل إحدى أبرز المفارقات في ديناميكيات سوق الذهب الحالية في الاستجابة المحدودة للمعدن أمام البيانات الاقتصادية الضعيفة.
فقد أظهر تقرير الوظائف لشهر سبتمبر نمواً ضعيفاً، مع إضافة 29,000 وظيفة فقط، الأمر الذي أدى إلى تراجع التوقعات بشأن إمكانية رفع أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي في المدى القريب.
وكان من المفترض أن تشكل هذه الإشارة، التي تميل إلى التيسير النقدي، عاملاً داعماً للذهب، إلا أن تأثيرها على السوق ظل محدوداً.
الضغوط المالية والتضخم وأسعار الطاقة تدعم عوائد السندات
في المقابل، ظلت عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة عند مستويات قياسية، مع قيام الأسواق بتسعير مجموعة من الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة.
وتشمل هذه الضغوط المخاطر المالية المتزايدة، والتضخم المدفوع بأسعار الطاقة، والاقتراض الحكومي الضخم، وهي عوامل ساهمت في إبقاء عوائد السندات طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة رغم ضعف بعض البيانات الاقتصادية.
وهنا تظهر طبيعة الصراع الذي يواجهه الذهب في المرحلة الحالية، حيث تتعارض الإشارات القادمة من الاقتصاد الحقيقي مع الضغوط التي تفرضها الأسواق المالية وأسواق السندات.
الذهب بين ضغوط العوائد والدعم الهيكلي
في نهاية المطاف، يبدو الذهب عالقاً في حبل مشدود بين قوتين اقتصاديتين متعاكستين فمن جهة، تحد من ارتفاعه الضغوط الدورية الناتجة عن منحنى عوائد سندات الخزانة الأمريكية والدولار القوي، إلى جانب استمرار بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.
ومن جهة أخرى، يحصل الذهب على دعم من الطلب الهيكلي للبنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية، التي تنظر إلى المعدن كأداة للتحوط في مواجهة استدامة الأوضاع المالية والتضخم على المدى الطويل.
وتفسر هذه المعادلة قدرة الذهب على الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبياً رغم تعرضه لتصحيح يتجاوز 20% من قمته القياسية المسجلة في يناير.
الخلاصة
تشير مراجعات إتش إس بي سي الأخيرة إلى تحول نحو قدر أكبر من الحذر بشأن مسار الذهب، لكنها لا تعكس تخلياً عن النظرة الإيجابية طويلة الأجل تجاه المعدن النفيس. فقد خفض البنك متوسط توقعاته لعامي 2026 و2027، في وقت يواجه فيه الذهب ضغوطاً من ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار واستمرار أسعار الفائدة المرتفعة.
ومع ذلك، فإن توقع تشكل أرضية قوية قرب 4,000 دولار للأونصة، مدعوماً باحتمال عودة البنوك المركزية إلى الشراء بقوة، يعكس استمرار وجود أساس هيكلي متين للسوق.
وبينما يواجه الذهب ضغوطاً دورية من العوائد والدولار، يبقى الطلب المؤسسي والسيادي والتحوط من التضخم والأوضاع المالية طويلة الأجل عوامل رئيسية قد تحد من عمق التراجعات وتحدد المسار المقبل للمعدن النفيس.