توقعات قرار البنك المركزي التركي للفائدة في مارس في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد التوترات الإقليمية
في لحظة دقيقة تتقاطع فيها السياسة النقدية مع التوترات الجيوسياسية، تبدو تركيا أمام مفترق طرق حاسم قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة من مسارها الاقتصادي. فبينما كان الاتجاه العام يشير إلى استمرار دورة خفض أسعار الفائدة، جاءت صدمة ارتفاع تكاليف الطاقة الناتجة عن الصراع في إيران لتعيد خلط الأوراق، وتدفع الأسواق والمؤسسات المالية إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن قرار شهر مارس.
سعر الفائدة في تركيا
تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي التركي المقرر عقده في 12 مارس، وسط تزايد الرهانات على أن البنك قد يقرر تعليق دورة التيسير النقدي مؤقتاً، بعد خمسة اجتماعات متتالية أقر خلالها خفض أسعار الفائدة.
هذا التحول في التوقعات لم يأتِ من فراغ، بل يعكس قراءة جديدة لمعادلة المخاطر، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتصاعد التوترات الإقليمية، بما قد يهدد مسار تراجع التضخم الذي تحقق خلال الأشهر الماضية.
شهدت المشتقات المرتبطة بتوقعات أسعار الفائدة، ولا سيما مقايضات المؤشر لليلة واحدة لأجل شهر وثلاثة أشهر، أكبر ارتفاع يومي لها منذ بداية العام خلال تعاملات يوم الاثنين. ويُعد هذا التحرك بمثابة إشارة واضحة إلى أن المتداولين باتوا يتوقعون بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان يُعتقد سابقاً.
هذا التسعير الجديد يعكس تحوّل المزاج في الأسواق من الرهان على استمرار الخفض إلى ترجيح خيار التوقف المؤقت، في انتظار اتضاح الرؤية بشأن تطورات أسعار الطاقة وتأثيرها المحتمل على التضخم.
لم تقتصر مراجعة التوقعات على المتداولين، بل شملت أيضاً كبرى البنوك الاستثمارية العالمية. فقد قام اقتصاديون لدى جيه بي مورغان تشيس ودويتشه بنك بتعديل تقديراتهم، مرجحين أن يُبقي البنك المركزي التركي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع مارس، بعد أن كان قد خفّضها في اجتماعاته الخمسة السابقة.
وفي هذا السياق، عدّل بنك "جيه بي مورغان" توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى 25%، كما تراجع عن توقع خفض الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس هذا الشهر، متبنياً سيناريو التوقف المؤقت في دورة التيسير، وفقاً لمحللين من بينهم فاتح أكتشيليك.
أما محللو "دويتشه بنك"، بقيادة كريستيان ويتوسكا وأوليفر هارفي، فأكدوا أن طول أمد صدمة أسعار النفط سيؤثر بشكل مباشر على مسار الفائدة، مشيرين إلى أن المخاطر المحيطة بتوقعاتهم لسعر فائدة يبلغ 30% بنهاية العام تميل نحو الارتفاع إذا استمرت الضغوط على الطاقة.
الطاقة: الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية
تعتمد تركيا بشكل كبير على واردات الطاقة، وهو ما يجعل اقتصادها عرضة بشكل مباشر لأي اضطرابات في الإمدادات أو ارتفاعات حادة في الأسعار.
وفي ظل الضربات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ارتفعت حدة التوترات الإقليمية، ما أدى إلى قفزات في أسعار النفط والغاز وزيادة المخاوف بشأن أمن الإمدادات.
هذا الواقع يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد التركي من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بتكلفة الواردات واتساع عجز الحساب الجاري، والثانية تتصل بتأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم المحلي، سواء عبر تكاليف النقل أو الإنتاج أو فواتير الكهرباء والوقود.
قلق في الأسواق وتحركات لدعم الليرة
انعكست هذه المخاوف سريعاً على الأسواق المالية. فقد شهد يوم الاثنين حالة من القلق بين المستثمرين، ما دفع البنوك التجارية إلى التدخل لدعم الليرة عبر بيع العملات الأجنبية. في الوقت نفسه، شدّد البنك المركزي أوضاع السيولة في السوق المحلية، في خطوة تهدف إلى الحد من التقلبات ودعم استقرار العملة.
ولتهدئة الاضطرابات، علّق البنك المركزي الإقراض بسعر الفائدة الرئيسي، ووجّه المصارف نحو نافذة الإقراض لليلة واحدة بنسبة 40%، وهو ما أدى فعلياً إلى رفع تكاليف الاقتراض قصير الأجل. هذه الخطوة حملت رسالة واضحة مفادها أن الحفاظ على الاستقرار النقدي أولوية في هذه المرحلة.
أداء الليرة التركية
في أعقاب هذه الإجراءات، تحركت الليرة مقابل الدولار، متفوقة في أدائها على عدد من عملات الأسواق الناشئة. وخلال التعاملات المبكرة من صباح الثلاثاء، لم يطرأ تغيير يُذكر على سعر الصرف، إذ سجلت العملة 43.90 ليرة للدولار عند الساعة 13:00 بتوقيت إسطنبول، ما يعكس قدراً من الاستقرار النسبي بعد تدخلات البنك المركزي.
التضخم في تركيا
سجّل معدل التضخم الرئيسي في يناير 30.65%، منخفضاً من 42.1% قبل عام، ومن ذروة بلغت 75% في عام 2024. هذا التباطؤ أتاح للبنك المركزي خفض سعر الفائدة الرئيسي بإجمالي 9 نقاط مئوية منذ يوليو، ليصل إلى 37%.
غير أن الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة يثير تساؤلات جدية حول استدامة هذا المسار. فزيادة تكاليف الوقود والكهرباء يمكن أن تنتقل بسرعة إلى أسعار السلع والخدمات، ما يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة ويُصعّب مهمة تحقيق استقرار الأسعار.
يرى نيك ريس، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة "Monex Europe"، أن الأحداث في الشرق الأوسط تستدعي قدراً كبيراً من الحذر، إذ من شأنها تغيير ميزان المخاطر أمام صناع القرار في البنك المركزي التركي. ووفقاً له، فإن خيار التوقف المؤقت يبدو مرجحاً من أجل تقييم التأثير المحتمل لهذه التطورات على ديناميكيات التضخم.
ومع ذلك، أشار ريس إلى أن التوصل إلى هدنة قبل اجتماع 12 مارس قد يعيد خيار خفض الفائدة إلى الطاولة، ما يعكس الطبيعة المتقلبة للمشهد الحالي واعتماده الكبير على التطورات الجيوسياسية.
لا يقتصر تأثير صدمة أسعار الطاقة على تركيا وحدها، بل يمتد إلى اقتصادات أخرى. فقد بدأ المتداولون حول العالم في تقليص رهاناتهم على التيسير النقدي، سواء في أوروبا الشرقية أو في أسواق متقدمة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في ظل المخاوف من عودة الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز.
هذا السياق العالمي يزيد من تعقيد مهمة البنك المركزي التركي، إذ يتعين عليه الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار، في بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين وارتفاع تقلبات الأسواق.
بين التوقف المؤقت واستئناف التيسير
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تعليق دورة خفض أسعار الفائدة خلال اجتماع مارس، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام استئنافها لاحقاً إذا ما هدأت التوترات وتراجعت أسعار الطاقة.
وبينما نجح البنك المركزي في تحقيق تقدم ملموس على صعيد كبح التضخم منذ ذروته في 2024، فإن التطورات الجيوسياسية الأخيرة أعادت اختبار متانة هذا المسار.
القرار المرتقب لن يكون مجرد تعديل تقني في سعر الفائدة، بل رسالة إلى الأسواق حول أولويات السياسة النقدية في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر وتعقّد التوازنات الاقتصادية.
في نهاية المطاف، يبقى التحدي الأساسي أمام صناع القرار هو الحفاظ على ثقة المستثمرين، وضمان استمرار مسار استقرار الأسعار، دون التضحية بآفاق التعافي الاقتصادي في بيئة إقليمية ودولية مضطربة.