أسعار النفط تقفز فوق 80 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ يونيو 2025 وسط تصاعد الصراع في الشرق الأوسط

سجّلت أسعار النفط العالمية قفزة قوية خلال تعاملات يوم الاثنين، متجاوزة حاجز 80 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ يونيو 2025، في ظل تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يهدد أمن الإمدادات العالمية ويعيد إشعال الضغوط التضخمية على الاقتصاد الدولي.

أداء أسعار النفط اليوم

قفز خام برنت بنحو 10% ليخترق مستوى 80 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوى له في أكثر من ثمانية أشهر، قبل أن يقلّص مكاسبه لاحقاً. وفي المقابل، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 6.2% ليصل إلى 71.17 دولاراً للبرميل، في حين صعد خام برنت بنسبة 6.4% إلى 77.57 دولاراً للبرميل بعد أن تجاوز لفترة وجيزة حاجز 82 دولاراً.

 

جاء هذا الارتفاع الحاد في أسعار النفط بالتزامن مع تراجع واسع في أسواق الأسهم العالمية، في ظل توقعات متزايدة باستمرار الصراع في الشرق الأوسط لأسابيع وربما لفترة أطول، ما يهدد بتداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي ويعيد إلى الواجهة مخاطر التضخم المرتفع.

 

ولم تُظهر الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع إيرانية أي مؤشرات على التراجع، في وقت ردّت فيه إيران بوابل من الصواريخ في أنحاء متفرقة من المنطقة، في تصعيد ينذر بجرّ دول الجوار إلى دائرة المواجهة، ويفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة على استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي.

 

وفي هذا السياق، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات لصحيفة «ديلي ميل» إلى أن الصراع قد يستمر لأربعة أسابيع إضافية، مؤكداً في الوقت نفسه أن العمليات العسكرية ستتواصل حتى تحقيق الأهداف الأميركية المعلنة، ما زاد من حالة القلق في الأسواق ودفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل واسع.

مضيق هرمز في قلب العاصفة

توجّهت الأنظار بشكل خاص نحو مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، إضافة إلى 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال.

 

ورغم أن المضيق لم يُغلق رسمياً حتى الآن، فإن بيانات مواقع تتبع السفن أظهرت تكدساً ملحوظاً لناقلات النفط على جانبي المضيق، في ظل مخاوف من استهدافها أو صعوبات في تأمين رحلاتها وسط الأوضاع الأمنية المتوترة.

 

وقال خورخي ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة ريستاد إنرجي، إن التطور الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على أسواق النفط يتمثل في التوقف الفعلي لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما قد يحرم الأسواق العالمية من وصول نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الخام.

 

وأضاف: «ما لم تظهر مؤشرات واضحة على خفض التصعيد في وقت قريب، فإننا نتوقع ارتفاعاً كبيراً ومطولاً في أسعار النفط»، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع قد يقود إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة.

مخاطر تضخمية وضغوط اقتصادية عالمية

من شأن الارتفاع المطول في أسعار النفط أن يعيد إشعال الضغوط التضخمية على نطاق عالمي، لا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة، فضلاً عن كونه بمثابة ضريبة غير مباشرة على الشركات والمستهلكين، ما قد يؤدي إلى إضعاف الطلب وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي العالمي.

 

وفي هذا الإطار، وافقت منظمة أوبك+ يوم الأحد على زيادة متواضعة في الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يومياً لشهر أبريل/نيسان، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الإمدادات لا يزال بحاجة إلى المرور عبر الممرات المائية في الشرق الأوسط، ما يحدّ من فعالية هذه الزيادة في ظل المخاطر الأمنية الحالية.

مقارنات تاريخية وتحذيرات من مستويات قياسية

قال آلان جيلدر، نائب الرئيس الأول لقطاعات التكرير والكيماويات وأسواق النفط في شركة وود ماكنزي، إن أقرب مثال تاريخي على الوضع الراهن هو حظر النفط في الشرق الأوسط خلال سبعينيات القرن الماضي، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 300% لتصل إلى نحو 12 دولاراً للبرميل عام 1974.

 

وأضاف: «هذا المستوى يعادل اليوم نحو 90 دولاراً للبرميل بأسعار عام 2026، ويبدو تجاوز هذا الرقم ممكناً للغاية في ظل مخاوف السوق الحالية من خسائر كبيرة في الإمدادات»، مشيراً إلى أن الأسواق تعيش حالة ترقب شديدة لأي تطور قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة.

تأثيرات فورية على الأسواق الآسيوية والعالمية

أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، ما انعكس في تراجع مؤشر نيكاي بنسبة 1.3%، وكانت شركات الطيران من بين أكثر القطاعات تضرراً بفعل ارتفاع تكاليف الوقود.

 

وفي الصين، انخفضت أسهم الشركات الكبرى بنسبة 0.1% فقط، رغم أن البلاد تستورد معظم نفطها المنقول بحراً من الشرق الأوسط، بينما تراجع مؤشر مورغان ستانلي الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 1.2%.

 

وعلى مستوى الشرق الأوسط، أغلقت الإمارات والكويت أسواق الأسهم بشكل مؤقت بسبب «ظروف استثنائية»، في إشارة إلى حجم القلق الذي يخيّم على المنطقة.

 

أما في أوروبا، فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشر يوروستوكس 50 بنسبة 1.3%، وخسرت العقود الآجلة لمؤشر داكس الألماني بنسبة 1.4%، بينما انخفضت العقود الآجلة لمؤشر فوتسي البريطاني بنسبة 0.6%.

 

وفي وول ستريت، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 والعقود الآجلة لمؤشر ناسداك بنسبة 0.8% لكل منهما، في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على أرباح الشركات والنمو الاقتصادي.

 

امتدت تداعيات صدمة أسعار النفط إلى أسواق العملات، حيث كان الدولار الأمريكي المستفيد الأكبر، باعتبار أن الولايات المتحدة مُصدّر صافٍ للطاقة، إلى جانب استمرار اعتبار سندات الخزانة الأميركية ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات.

 

وفي هذا السياق، تراجع اليورو بنسبة 0.2% إلى 1.1787 دولار، مع تحوّل المستثمرين نحو الدولار بحثاً عن الأمان.

 

قال أندريه كوفاتاريو، المؤسس المشارك لشركة ECERA وخبير الطاقة، إن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط تؤثر في أسعار النفط بشكل أساسي من خلال علاوة المخاطر الجيوسياسية، وليس نتيجة نقص فعلي مباشر في الإمدادات حتى الآن.

 

وأوضح في تصريحات لـ CNBC عربية أن صادرات النفط الخام الإيرانية قد تواجه اضطرابات فنية وتشغيلية بسبب حالة عدم اليقين داخل البلاد، إلا أن هذه الكميات تظل قابلة للإدارة بالنسبة للسوق العالمية في المرحلة الحالية.

 

وأضاف كوفاتاريو أنه يتوقع تدخلاً من تحالف أوبك+ عبر الإعلان عن زيادات إنتاجية أكبر من المتوقع في حال استمرار التوترات، مشيراً إلى أن العامل الحاسم في تقلبات الأسعار يتمثل في مدى التصعيد وطول أمده.

مخاطر البنية التحتية وملاحة الطاقة

لفت كوفاتاريو إلى أن رغبة إيران في الرد السريع وتوسيع نطاق أهدافها حوّلت تركيز السوق نحو مخاطر الهجمات المحتملة على البنية التحتية الإقليمية للطاقة وحركة الملاحة البحرية، مؤكداً أن العلاوة السعرية الحالية تبدو مبررة في هذا السياق، لكنها تعكس حالة عدم اليقين أكثر من كونها دليلاً على عجز هيكلي في الإمدادات.

 

وأشار إلى أن مضيق هرمز يظل المتغير الرئيسي في معادلة الأسعار، موضحاً أن أي اضطراب جزئي أو كلي في حركة الملاحة سيحدد الاتجاه المستقبلي للأسعار، مع توقع ارتفاعها في المدى القريب إذا استمر التوتر.

 

وبيّن الخبير أن احتواء الوضع وعدم وقوع أضرار جسيمة بالبنية التحتية للطاقة، إلى جانب صدور إشارات واضحة من كبار المنتجين بشأن تعزيز الإمدادات، قد يدفع الأسعار إلى الاستقرار بعد موجة الارتفاع الأولى.

 

وأكد أن افتتاح الأسواق العالمية يعكس مدى استيعاب المتعاملين لهذه المخاطر، مشدداً على أن الأسبوع المقبل سيكون حاسماً في تحديد الاتجاه النهائي لأسعار النفط، سواء نحو مزيد من الصعود أو الدخول في مرحلة من التهدئة النسبية.

 
تم التحديث في: الاثنين, 02 آذار 2026 12:36
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول