أسعار النفط تتراجع بأكثر من 3% مع ترقب المساعي الدبلوماسية بين واشنطن وطهران
تراجعت أسعار النفط بأكثر من 3% خلال تعاملات يوم الاثنين، في ظل تحسن الآمال بشأن إحراز تقدم في المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، الأمر الذي خفف المخاوف الفورية المتعلقة بحدوث مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة العالمية.
وجاء هذا التراجع بعد مكاسب قوية سجلتها الأسواق خلال الجلسات الأخيرة، بالتزامن مع اتجاه بعض المستثمرين إلى جني الأرباح وترقبهم لمسار المفاوضات والتطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
ورغم الانخفاض المسجل، لا تزال المخاطر المرتبطة بإمدادات النفط الإقليمية تلقي بظلالها على توقعات السوق، وسط استمرار التوترات حول مضيق هرمز، وتزايد الرهانات على احتمالات التصعيد العسكري بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، فضلاً عن تقديرات المؤسسات المالية بشأن مسار الأسعار خلال عامي 2027 و2028.
أداء أسعار النفط اليوم
انخفضت عقود خام برنت الآجلة المستحقة في يناير بنسبة 3.9%، لتصل إلى 109.97 دولار للبرميل بحلول الساعة 11:15 صباحاً، فيما تراجعت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي الآجلة بنسبة 3.48%، مسجلة 100.51 دولار للبرميل.
وجاء هذا الانخفاض عقب المكاسب القوية التي حققها الخامان خلال الجلسات السابقة، إذ ساهم غياب أي تصعيد كبير خلال عطلة نهاية الأسبوع واستمرار المفاوضات في تعزيز توجه بعض المستثمرين نحو جني الأرباح.
وعلى الرغم من التراجع الأخير، أنهى كل من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط شهر أكتوبر بمكاسب بلغت نحو 15%، في انعكاس لاستمرار المخاوف الجيوسياسية وتأثيرها في توقعات الإمدادات العالمية.
المفاوضات الأمريكية الإيرانية تخفف مخاوف اضطراب الإمدادات
ترامب يفضل منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت
أفادت صحيفة «أكسيوس»، يوم الأحد، بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اتصال هاتفي جرى يوم السبت، بأنه يفضل منح المساعي الدبلوماسية مزيداً من الوقت قبل اتخاذ قرار بشأن استئناف العمليات العسكرية.
وبحسب التقرير، أثار هذا التوجه قلق نتنياهو، الذي ضغط باتجاه استئناف الضربات الأمريكية بعد وقت قصير من انتهاء انتخابات التجديد النصفي.
وأدى احتمال إجراء مزيد من المحادثات إلى توفير قدر من الارتياح للأسواق، إلا أن الانتخابات لا تزال تمثل محطة محورية تنطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً في ظل تصريحات سابقة لترامب أشار فيها إلى أن العمل العسكري قد يظل خياراً مطروحاً إذا أخفقت المفاوضات.
محللو ING يحذرون من استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية
أشار محللو بنك ING، في مذكرة بحثية، إلى أن السؤال الأساسي الذي سيواجه أسواق النفط يتمثل في كيفية تسعير المخاطر الجيوسياسية بعد انتخابات التجديد النصفي.
وجاء في المذكرة: «إذا مرّت انتخابات التجديد النصفي دون ضربات أو اتفاق، فإن السؤال الجوهري هو ما إذا كان السوق سيواصل تسعير علاوة مخاطر جيوسياسية كبيرة، أم أن هذه العلاوة ستبدأ في التراجع تدريجياً».
وتعكس هذه الرؤية حالة عدم اليقين التي تسيطر على السوق، إذ قد يؤدي استمرار التهدئة إلى تقليص علاوة المخاطر المضمنة في الأسعار، بينما يمكن لأي تصعيد عسكري جديد أن يعيد الضغوط الصعودية إلى الواجهة.
مضيق هرمز في صدارة المخاوف بشأن إمدادات النفط
استمرار المحادثات الإيرانية القطرية
واصل مسؤولون إيرانيون وقطريون، لليوم الثالث على التوالي، محادثاتهم الهادفة إلى إنهاء النزاع. وأعلنت طهران أنها لا تزال منفتحة على الحلول الدبلوماسية، مع تأكيد استعدادها للدفاع عن نفسها، في حين تسعى قطر إلى التوسط بشأن مقترح لإعادة فتح مضيق هرمز.
ويظل المضيق أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، نظراً إلى أهميته في حركة تجارة النفط، إذ أسهمت الهجمات على ناقلات النفط والقيود المفروضة على صادرات النفط الإيراني في رفع تكاليف الشحن والتأمين.
وفي هذا السياق، أكد محللو ING أن التطورات الرئيسية في النزاع وقعت في كثير من الأحيان خلال عطلات نهاية الأسبوع، الأمر الذي قد يدفع الأسواق إلى الانتظار بترقب حتى نهاية الأسبوع لتقييم اتجاه الأحداث وانعكاساتها على الأسعار.
أوبك+ يثبت أهداف الإنتاج لشهر ديسمبر
في سياق متصل، اتفق تحالف أوبك+ على الإبقاء على أهداف إنتاج النفط لشهر ديسمبر دون تغيير، وسط استبعاد إجراء تعديلات إضافية على السياسة الإنتاجية قبل العام المقبل، في وقت لا يزال فيه النزاع يؤثر في الصادرات النفطية.
ويعكس القرار استمرار الحذر في إدارة الإمدادات خلال مرحلة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين الجيوسياسي، إذ تتداخل قرارات الإنتاج مع المخاوف المتعلقة بقدرة دول المنطقة على مواصلة التصدير بصورة مستقرة.
غولدمان ساكس يرفع توقعاته لأسعار النفط وسط مخاطر الإمدادات
علاوة المخاطر الجيوسياسية تصل إلى 27 دولاراً للبرميل
رفعت مجموعة غولدمان ساكس إنك توقعاتها لأسعار النفط الخام، مشيرة إلى أن المخاطر الهبوطية الكبيرة التي تواجه إمدادات الشرق الأوسط ستبقي على علاوة مخاطر مرتفعة خلال المدى القريب، رغم التعافي التدريجي في الإنتاج الإقليمي وفقاً للتوقعات.
وأوضح الاستراتيجيون في المجموعة أن ارتفاع علاوة المخاطر إلى نحو 27 دولاراً للبرميل بات يفسر الجزء الأكبر من موجة الصعود التي شهدها النفط الخام خلال أكتوبر، عندما بلغت عقود برنت الفورية 118 دولاراً للبرميل.
وفي المقابل، ترى المجموعة أن القيمة العادلة لخام برنت لم تشهد تغيراً يُذكر خلال سبتمبر وأكتوبر، إذ ظلت ضمن نطاق التسعينيات من الدولارات للبرميل. ويعزى ذلك إلى استقرار المخزونات العالمية بصورة شبه كاملة، باعتبارها المحرك الرئيسي للأسعار، في ظل إعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
وتشير هذه التقديرات إلى أن جانباً كبيراً من الارتفاع الأخير في الأسعار يرتبط بتسعير المخاطر الجيوسياسية واحتمالات تعطل الإمدادات، وليس بتغير جوهري في أساسيات السوق المرتبطة بالمخزونات العالمية.
انتخابات التجديد النصفي تزيد رهانات التصعيد العسكري
أشار استراتيجيو غولدمان ساكس إلى أن المشاركين في السوق باتوا يولون اهتماماً أكبر لاحتمالات التصعيد بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر.
ووفقاً لمنصة Polymarket، ارتفعت احتمالات انتهاء وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران نتيجة التصعيد من 10% قبيل الانتخابات إلى نحو 50% بحلول 15 نوفمبر، ثم إلى قرابة 75% بحلول نهاية العام.
وتعكس هذه التوقعات ارتفاع مستوى القلق لدى المتعاملين بشأن استدامة التهدئة، وما قد يترتب على انهيارها من تأثيرات مباشرة في تدفقات النفط من منطقة الشرق الأوسط.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للعمليات العسكرية ضد إيران
حدد استراتيجيو غولدمان ساكس ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة للعمليات الأمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران، مع اختلاف التداعيات المتوقعة لكل سيناريو على أسواق الطاقة:
-
استهداف المنشآت النووية تحت الأرض: يتمثل السيناريو الأول في شن ضربات على المنشآت النووية الإيرانية الموجودة تحت الأرض.
-
استهداف مواقع الصواريخ قرب مضيق هرمز: يتضمن السيناريو الثاني تنفيذ ضربات ضد مواقع الصواريخ القريبة من المضيق، بما قد يزيد المخاطر على حركة الملاحة وإمدادات النفط.
-
استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية: يشمل السيناريو الثالث توسيع نطاق العمليات العسكرية لتطال البنية التحتية للطاقة في إيران.
ولفت الاستراتيجيون إلى أن خطر استهداف إيران وحلفائها للبنية التحتية النفطية في دول الخليج يبلغ ذروته في السيناريو الثالث، نظراً إلى احتمالات اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها في منشآت الإنتاج والتصدير الإقليمية.
غولدمان ساكس يقدّر احتمالات تراجع إنتاج الشرق الأوسط
أشارت مجموعة غولدمان ساكس إنك إلى أن علاوة المخاطر البالغة 27 دولاراً للبرميل تتوافق مع تسعير السوق لاحتمال انخفاض إنتاج النفط في الشرق الأوسط بمقدار 5 ملايين برميل يومياً لمدة ستة أشهر.
كما تعكس الأسعار المرتفعة لعقود خام برنت الآجلة المستحقة في ديسمبر 2027 وديسمبر 2028 تقديرات السوق لاحتمال استمرار ضعف الصادرات النفطية الإقليمية لفترة طويلة.
وفي إطار توقعاتها، أضافت المجموعة هامشاً لاضطرابات الإمدادات العالمية يبلغ مليون برميل يومياً خلال عام 2027، مستندة إلى النزاعات في الشرق الأوسط والحرب بين روسيا وأوكرانيا، إلى جانب تصاعد حالة التشرذم الجيوسياسي عالمياً.
وأكد الاستراتيجيون أن توقيت الاضطرابات ومواقع حدوثها يكاد يكون من المستحيل التنبؤ به، الأمر الذي يزيد صعوبة بناء توقعات دقيقة لمسار الإمدادات والأسعار في ظل البيئة الجيوسياسية الحالية.
توقعات أسعار النفط: بين تراجع علاوة المخاطر واحتمالات الصعود
السيناريو الأساسي: الأسعار دون مستويات العقود الآجلة
على الرغم من المخاطر المرتفعة، لا يزال السيناريو الأساسي لدى استراتيجيي غولدمان ساكس يتوقع تراجع أسعار النفط إلى مستويات دون أسعار العقود الآجلة، استناداً إلى افتراضين رئيسيين: انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية واستمرار تعافي إنتاج دول الخليج.
وفي الوقت نفسه، يرى الاستراتيجيون أن المخاطر أصبحت أكثر تماثلاً بين السيناريوهات الصعودية والهبوطية، لكنها لا تزال تميل إلى الاتجاه الصعودي، بما يعكس استمرار احتمالات تعطل الإمدادات مقابل فرص عودة الإنتاج إلى مستويات أعلى.
سيناريو صعودي: خام برنت عند 140 دولاراً للبرميل
وفقاً لتقديرات المجموعة، قد يصل سعر خام برنت إلى 140 دولاراً للبرميل، مع متوسط يبلغ نحو 130 دولاراً خلال عام 2027، إذا ظل إنتاج دول الخليج أقل بمقدار 3.5 مليون برميل يومياً من متوسطه المسجل في عام 2025.
ويفترض هذا السيناريو استمرار القيود على الإنتاج الإقليمي، بما يؤدي إلى تشديد الإمدادات العالمية والإبقاء على الضغوط الصعودية على الأسعار.
سيناريو هبوطي: النفط يتراجع إلى نطاق الستينيات
في المقابل، قد تنخفض أسعار النفط إلى نطاق الستينيات من الدولارات للبرميل إذا ارتفع الإنتاج بمقدار 2.5 مليون برميل يومياً فوق مستويات عام 2025، ولم تتحقق اضطرابات الإمدادات المفترضة.
ويعكس هذا السيناريو إمكانية تراجع الأسعار بصورة ملموسة في حال تحسن المعروض العالمي وانحسار المخاطر الجيوسياسية التي تدعم علاوة الأسعار الحالية.
خاتمة
تواجه أسواق النفط مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التطورات الدبلوماسية والعسكرية مع قرارات الإنتاج وتوقعات المؤسسات المالية بشأن توازن العرض والطلب. وبينما ساهمت آمال التوصل إلى تسوية للنزاع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران في دفع الأسعار إلى الانخفاض بأكثر من 3%، لا تزال المخاطر المحيطة بمضيق هرمز وصادرات الشرق الأوسط تحد من احتمالات تراجع علاوة المخاطر سريعاً.
وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى اتساع نطاق السيناريوهات المحتملة خلال عام 2027، من ارتفاع خام برنت إلى 140 دولاراً للبرميل في حال استمرار نقص الإنتاج الخليجي، إلى تراجعه نحو نطاق الستينيات إذا تعافى المعروض ولم تقع الاضطرابات المتوقعة.
وبناءً على ذلك، سيظل مسار أسعار النفط مرتبطاً بدرجة كبيرة بنتائج المفاوضات، واستقرار وقف إطلاق النار، وحجم التعافي في الإنتاج الإقليمي، ومدى تحقق المخاطر الجيوسياسية التي تسعرها الأسواق حالياً.