أسعار النفط تنخفض بقوة مع تصاعد الآمال بانفراج دبلوماسي بين واشنطن وطهران
شهدت أسواق النفط العالمية بداية أسبوع حافلة بالتقلبات، بعدما سجلت الأسعار أكبر تراجع يومي لها خلال الفترة الأخيرة، متأثرة بتغير نبرة الخطاب السياسي بين الولايات المتحدة وإيران.
فقد أدى إحجام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ هجوم جديد ضد إيران، ومنحه المسار الدبلوماسي فرصة إضافية، إلى إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية التي كانت قد دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 20% خلال الشهر الماضي.
وفي المقابل، لا تزال الأسواق تراقب بحذر تطورات الملاحة في مضيق هرمز، والتهديدات الأمنية المستمرة، إلى جانب قرارات تحالف أوبك+ المتعلقة بزيادة الإنتاج، باعتبارها عوامل رئيسية ستحدد اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.
أسعار النفط تتراجع بأكثر من 5 دولارات للبرميل
سجلت أسعار النفط انخفاضًا حادًا خلال تعاملات يوم الاثنين، بعدما أحجم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شن هجوم جديد على إيران، مفضلًا منح الجهود الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق سريع يوقف الطموحات النووية الإيرانية ويعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 4.71%، لتصل إلى 83.79 دولارًا للبرميل عند الساعة 10:30 صباحًا بتوقيت تركيا.
كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 5.98%، ليسجل 79.61 دولارًا للبرميل.
ويمثل هذا الهبوط واحدة من أكبر موجات التراجع اليومية منذ بدء تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط.
موجة الصعود السابقة كانت مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية
جاء هذا الانخفاض الحاد بعد موجة ارتفاع قوية شهدتها أسعار النفط خلال الشهر الماضي، مدفوعة بتصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات العالمية.
وكانت أسعار النفط قد قفزت بأكثر من 20% خلال الشهر الماضي، عقب تجدد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تعرض عدد من ناقلات النفط لهجمات بالقرب من السواحل العُمانية.
وقد أدت هذه التطورات إلى تصاعد المخاوف الأمنية، ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تجنب دخول منطقة الخليج لتحميل شحنات النفط، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بشأن تعطل الإمدادات العالمية.
لكن تغير نبرة التصريحات السياسية خلال عطلة نهاية الأسبوع دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم حجم المخاطر، لتتعرض الأسعار لموجة بيع قوية مع بداية تعاملات الأسبوع.
ترامب يراهن على المسار الدبلوماسي لإعادة فتح مضيق هرمز
في إشارة إلى احتمال تراجع حدة التوتر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور عبر منصة Truth Social مساء السبت، أن إيران وعددًا من دول الشرق الأوسط طلبت مزيدًا من الوقت لاستكمال اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل "فوري وكامل ونهائي"، وإنهاء ما وصفه بالتهديد النووي الإيراني.
وأدى هذا التصريح إلى تعزيز توقعات المستثمرين بإمكانية تجنب مواجهة عسكرية جديدة قد تهدد تدفقات النفط العالمية، وهو ما انعكس سريعًا على حركة الأسعار.
الأسواق لا تزال تتعامل بحذر رغم مؤشرات الانفراج
على الرغم من التفاؤل الذي صاحب التصريحات السياسية، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع فرص نجاح المسار الدبلوماسي، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال توني سيكامور، محلل الأسواق لدى IG، إن السؤال الأهم بالنسبة للأسواق يتمثل في ما إذا كان هذا الأسبوع سيشهد تكرارًا لما حدث خلال الأسبوع الماضي، عندما تبددت آمال التوصل إلى اتفاق بعد تمسك إيران بمواقفها.
وأضاف أن المخاوف تتركز حول احتمال استمرار طهران في استخدام سيطرتها على مضيق هرمز كورقة ضغط، سواء عبر استهداف قاعدة أمريكية أو مهاجمة ناقلة نفط تعبر الممر المائي.
حركة الملاحة لا تزال مضطربة رغم المساعي الدبلوماسية
تشير بيانات الشحن إلى أن ناقلتي نفط محملتين بالنفط السعودي عبرتا مضيق باب المندب قادمتين من البحر الأحمر خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وفي المقابل، تباطأت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بعد التقارير التي تحدثت عن تعرض سفن لهجمات، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر لدى شركات النقل البحري.
كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتسجيل ثلاث هجمات جديدة استهدفت ناقلات نفط منذ يوم السبت، في مؤشر على أن المخاطر الأمنية في المنطقة لم تتراجع بالكامل رغم الجهود الدبلوماسية.
أوبك+ تقر زيادة جديدة في الإنتاج بدءًا من سبتمبر
في تطور آخر مؤثر على أسواق الطاقة، أقرت مجموعة أوبك+، يوم الأحد، زيادة جديدة في حصص إنتاج النفط اعتبارًا من شهر سبتمبر بنحو 188 ألف برميل يوميًا.
وتمثل هذه الخطوة استكمالًا لعملية الإلغاء التدريجي لجزء من التخفيضات الطوعية التي كانت المجموعة قد أقرتها سابقًا لدعم استقرار السوق.
إلا أن تأثير هذه الزيادات على الإمدادات العالمية ظل محدودًا حتى الآن، نتيجة استمرار الاضطرابات التي تعرقل صادرات النفط من منطقة الخليج، إضافة إلى تأثير الحربين في إيران وأوكرانيا على صادرات كل من روسيا وكازاخستان.
العوامل التي تراقبها أسواق النفط خلال المرحلة المقبلة
تركز الأسواق في الوقت الراهن على عدة متغيرات رئيسية ستحدد اتجاه أسعار النفط خلال الفترة المقبلة، أبرزها:
- تطورات المفاوضات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران.
- مستقبل الملاحة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
- استمرار أو انحسار الهجمات على ناقلات النفط.
- تأثير الزيادة الجديدة في إنتاج أوبك+ على توازن العرض والطلب.
- تطورات الحربين في إيران وأوكرانيا وانعكاساتهما على الإمدادات العالمية.
الخاتمة
تعكس التراجعات الحادة التي شهدتها أسعار النفط بداية الأسبوع حساسية الأسواق الشديدة تجاه التطورات السياسية والجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث أدى تراجع احتمالات التصعيد العسكري إلى موجة بيع واسعة بعد مكاسب قوية استمرت طوال الشهر الماضي.
ومع ذلك، فإن استمرار الاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية الاستراتيجية، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن نجاح المسار الدبلوماسي، يبقيان أسواق الطاقة عرضة لتقلبات كبيرة خلال الفترة المقبلة، خاصة مع بدء أوبك+ تنفيذ زيادات جديدة في الإنتاج واستمرار التحديات التي تواجه الإمدادات العالمية.