هبوط حاد في أسعار النفط بعد تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب بقرب انتهاء الحرب مع إيران
شهدت أسواق الطاقة العالمية تقلبات حادة خلال تعاملات يوم الثلاثاء، بعدما تعرضت أسعار النفط لهبوط قوي عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أشار فيها إلى أن الحرب على إيران قد تكون على وشك الانتهاء.
هذه التصريحات خففت من المخاوف التي كانت تسيطر على الأسواق بشأن احتمال حدوث اضطرابات طويلة الأمد في إمدادات النفط العالمية، ما أدى إلى موجة بيع واسعة في العقود الآجلة للخام بعد الارتفاعات القياسية التي سجلتها في الجلسة السابقة.
أداء أسعار النفط اليوم
تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 9.02% لتصل إلى حوالي 90.03 دولاراً للبرميل عند الساعة 12:55 بتوقيت غرينتش، بعد أن كانت قد هبطت في وقت سابق من الجلسة بما يصل إلى 11% قبل أن تقلص جزءاً من خسائرها لاحقاً.
كما انخفضت عقود خام تكساس بنسبة 8.68% لتسجل 86.47 دولاراً للبرميل، بعدما تعرضت لضغوط بيعية مشابهة خلال التداولات المبكرة.
وجاء هذا التراجع الحاد بعد جلسة دراماتيكية يوم الإثنين شهدت قفزة قوية في الأسعار، حيث تجاوز النفط مستوى 100 دولار للبرميل مسجلاً أعلى مستوياته منذ منتصف عام 2022، وسط تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
تصريحات ترامب تهدئ مخاوف الأسواق
أثرت تصريحات ترامب بشكل مباشر في معنويات المستثمرين، إذ قال إن الحملة العسكرية ضد إيران "اقتربت من الانتهاء"، وهو ما اعتبره المتعاملون مؤشراً على احتمال تراجع المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وأكد ترامب أن إدارته تعمل على تهدئة الأسواق وخفض أسعار الطاقة، مشيراً إلى أن واشنطن تسعى إلى اتخاذ عدة خطوات لتحقيق هذا الهدف، من بينها:
-
العمل على إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن.
-
دراسة إلغاء بعض العقوبات المرتبطة بالنفط.
-
مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط أثناء عبورها الممرات البحرية الحساسة.
كما شدد الرئيس الأميركي على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة ناقلات النفط، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي تعطيل لتدفق الطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط العبور الاستراتيجية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، ما يجعل أي تهديد لإغلاقه عاملاً رئيسياً في تحريك أسعار الطاقة.
تقلبات تاريخية في جلسة الإثنين
التراجع الذي شهدته الأسعار جاء بعد يوم استثنائي من التقلبات في الأسواق. فقد سجل خام برنت خلال جلسة الإثنين نطاق تحرك يومي بلغ نحو 36 دولاراً، وهو أكبر نطاق تقلب في تاريخ التداولات اليومية للخام القياسي.
كما تحرك خام غرب تكساس الوسيط ضمن نطاق يقارب 38 دولاراً خلال الجلسة نفسها، ما يعكس حجم التوتر الذي كان يسيطر على الأسواق بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات في الشرق الأوسط.
وكانت الأسعار قد اقتربت من 120 دولاراً للبرميل في ذروة التداولات، قبل أن تبدأ في التراجع الحاد بعد تصريحات ترامب بشأن قرب انتهاء العمليات العسكرية.
اتصالات دولية لاحتواء الأزمة
جاءت تصريحات ترامب بعد اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي بوتين، حيث ناقش الزعيمان عدة ملفات دولية من بينها الأزمة الأوكرانية والتوتر مع إيران.
ووفقاً لما أعلنه ترامب، فإن بوتين أبدى استعداداً للعب دور إيجابي في التوصل إلى تسوية تتعلق بالأزمة الإيرانية، وهو ما ساهم في تخفيف المخاوف بشأن استمرار الصراع لفترة طويلة.
كما أفاد مسؤول في الكرملين بأن موسكو طرحت مقترحات لتسوية سريعة للحرب، وهو ما انعكس سريعاً على معنويات الأسواق وأدى إلى تراجع ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية" التي كانت تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.
احتمال تخفيف العقوبات على النفط الروسي
من بين العوامل الأخرى التي ساهمت في الضغط على الأسعار، التوقعات المتزايدة بإمكانية تخفيف بعض القيود المفروضة على النفط الروسي.
فقد منحت وزارة الخزانة الأميركية في الأسبوع الماضي ترخيصاً لبعض المشترين يسمح لهم بشراء شحنات محددة من النفط الروسي العالقة في البحر، ضمن شروط معينة. ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تمهد لعودة جزء من الإمدادات الروسية إلى السوق العالمية.
ويعتقد مراقبون أن أي تخفيف إضافي للعقوبات قد يضيف كميات جديدة من الخام إلى الأسواق، ما قد يساهم في تهدئة الأسعار خلال الفترة المقبلة.
تحذيرات إيرانية وتصعيد محتمل
ورغم المؤشرات التي توحي بإمكانية تهدئة التوترات، لا تزال المخاطر الجيوسياسية قائمة. فقد حذر الحرس الثوري الإيراني من أن طهران "ستحدد نهاية الحرب"، مؤكداً أن إيران قد تمنع تصدير النفط إذا استمرت الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
وذكرت وسائل إعلام رسمية أن المتحدث باسم الحرس الثوري قال إن إيران لن تسمح بتصدير "لتر واحد من النفط" في حال استمرار التصعيد العسكري.
وفي المقابل، حذر ترامب عبر منصة Truth Social من أن أي محاولة لتعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز ستواجه برد أميركي قاسٍ، قائلاً إن إيران ستتعرض لضربة "أقوى عشرين مرة" مما شهدته حتى الآن إذا أقدمت على مثل هذه الخطوة.
تلاشي "علاوة الذعر" في الأسواق
يرى محللون أن تراجع الأسعار يعود إلى تلاشي ما يسمى بـ "علاوة الذعر" التي دفعت أسعار النفط فوق 100 دولار في بداية الأسبوع.
وأوضحت بريانكا ساشديفا، المحللة في شركة فيليب نوفا، أن الأسواق بدأت تعيد تقييم المخاطر بعد ظهور عدة مؤشرات على احتمال استمرار تدفق الإمدادات إلى السوق العالمية.
وأشارت إلى أن مجموعة من العوامل ساهمت في تغيير اتجاه السوق، من بينها:
-
احتمالات تخفيف العقوبات على النفط الروسي.
-
توقعات خفض التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
-
إمكانية استخدام الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لدى الدول الكبرى.
وأضافت أن هذه العوامل دفعت المتداولين إلى تقليص مراكزهم الشرائية، ما أدى إلى تراجع الأسعار بسرعة بعد موجة الصعود القوية.
مجموعة السبع تراقب تطورات السوق
في سياق متصل، أعلنت دول مجموعة السبع يوم الإثنين أنها مستعدة لاتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، لكنها لم تعلن حتى الآن عن خطة واضحة لإطلاق الاحتياطيات الاستراتيجية.
ويشير ذلك إلى أن الحكومات الكبرى تراقب تطورات السوق عن كثب، في ظل المخاوف من أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
مستقبل السوق بين التهدئة والتصعيد
رغم التراجع الكبير في أسعار النفط خلال جلسة الثلاثاء، لا تزال الأسواق تواجه حالة من عدم اليقين، إذ يعتمد الاتجاه المقبل للأسعار بشكل كبير على تطورات الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
فإذا نجحت الجهود الدبلوماسية في إنهاء الحرب أو خفض التصعيد، فقد تستمر الأسعار في التراجع مع عودة التركيز إلى أساسيات العرض والطلب. أما في حال تجدد التوترات أو تعرض إمدادات النفط لاضطرابات جديدة، فقد تعود الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.
وبين هذين السيناريوهين، يتوقع المحللون أن تبقى التقلبات الحادة السمة الأبرز لأسواق النفط خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم وضوح مسار الأزمة بشكل كامل.