أسعار النفط ترتفع مع تصاعد الضبابية حول مضيق هرمز ومخاطر الإمدادات
استهلت أسواق الطاقة تعاملات اليوم الاثنين على ارتفاع ملحوظ، مع تمسك أسعار النفط بمكاسبها في ظل استمرار حالة الضبابية الجيوسياسية بشأن مستقبل الإمدادات العالمية، وعدم اليقين المحيط بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن بصورة كاملة ودون قيود.
وجاء الصعود بالتزامن مع تطورات متسارعة على الصعيدين السياسي والأمني في المنطقة، تتراوح بين الحديث عن اقتراب إيران وعُمان من اتفاق بشأن المضيق، والشروط الإيرانية لإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي، وصولاً إلى التهديدات التي تواجه منشآت الطاقة وحركة ناقلات النفط.
أسعار النفط ترتفع في مستهل تداولات الاثنين
حافظ النفط على مكاسبه خلال تعاملات اليوم، إذ سجل خام تكساس ارتفاعاً بنحو 2% ليصل إلى مستويات قرب 78 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام برنت بنحو 1% ليصل إلى مستويات قرب 84 دولاراً للبرميل.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 84 سنتاً، بما يعادل 1%، لتصل إلى 84.39 دولار للبرميل، فيما زادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 60 سنتاً، أو بنسبة 0.75%، إلى 78.77 دولار للبرميل.
النفط يحاول التعافي بعد خسائر أسبوعية تجاوزت 7%
تأتي هذه المكاسب بعدما تعرض الخامان القياسيان لخسائر حادة خلال الأسبوع الماضي، إذ انخفضا بأكثر من 7%، وسط آمال بأن إيران وعُمان اقتربتا من التوصل إلى اتفاق من شأنه إعادة فتح مضيق هرمز.
وتكتسب التطورات المرتبطة بالمضيق أهمية استثنائية بالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، نظراً إلى أن خُمس نفط العالم كان يمر عبر هذا الممر المائي قبل الحرب، ما يجعل أي تطورات تتعلق بحركة الملاحة فيه عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في توقعات الإمدادات وأسعار النفط.
الضبابية الجيوسياسية تدعم أسعار النفط
جاءت مكاسب النفط مدفوعة بحالة القلق والضبابية الجيوسياسية المسيطرة على الأسواق بشأن مستقبل الإمدادات وتكاليف الطاقة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية وعدم وضوح المسار الذي ستسلكه التطورات المتعلقة بإيران ومضيق هرمز.
وتزايدت حالة الترقب عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموقع "أكسيوس"، والتي أشار خلالها إلى تحول الاستراتيجية الأميركية باتجاه ممارسة ضغوط اقتصادية مكثفة بدلاً من شن هجوم عسكري جديد.
ترامب يركز على الضغط الاقتصادي على إيران
ركز ترامب في مبررات هذا التوجه على أن واشنطن تكتفي في الوقت الراهن بمراقبة طهران، في ظل ما وصفه بـ"التضخم الهائل والأزمة الاقتصادية الطاحنة".
واعتبر الرئيس الأميركي أن الحصار البحري فرض ضغوطاً غير مسبوقة على إيران، وجعل النظام الإيراني يعاني من عجز مالي حاد يمنعه حتى من دفع رواتب قواته.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في طبيعة الضغوط الأميركية، إلا أنه لم يكن كافياً لتبديد حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسواق الطاقة، خصوصاً في ظل تضارب الإشارات السياسية الصادرة عن واشنطن وطهران.
مستقبل مضيق هرمز يبقى محور اهتمام أسواق الطاقة
تستمر حالة عدم اليقين بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لإعادة فتح مضيق هرمز، بالتزامن مع تقارير تشير إلى توجهات إيرانية نحو تشديد إجراءات الرقابة أو الحفاظ على الورقة الاستراتيجية التي يمثلها المضيق.
وأبقت هذه التطورات المخاوف قائمة بشأن احتمال استمرار تعطل حركة ناقلات النفط، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في تدفقات الطاقة العالمية وتكاليف الشحن وأسعار الخام.
طهران تنفي وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن
عززت تصريحات طهران، التي نفت وجود أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مخاوف الأسواق بشأن صعوبة التوصل إلى تهدئة سريعة.
ويأتي ذلك رغم مزاعم الإدارة الأميركية بوجود تفاوض جزئي واقتراب الأطراف من التوصل إلى تسويات، وهو ما دفع المتعاملين في الأسواق إلى التحوط من المخاطر المرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يوم الأحد، إن إيران والولايات المتحدة لا تجريان محادثات، مؤكداً أن طهران لن تبدأ مثل هذه المحادثات ما دامت واشنطن تنتهك اتفاقاً مؤقتاً جرى توقيعه في يونيو.
اتفاق إيران وعُمان يصل إلى "المراحل النهائية"
في المقابل، قالت إيران يوم الأحد إن الاتفاق مع عُمان وصل إلى "المراحل النهائية"، إلا أنها جددت التأكيد على أن الممر المائي لن يُعاد فتحه إلا بعد أن تفي واشنطن بشروط إضافية.
وتشمل هذه الشروط دفع الولايات المتحدة تعويضات إلى إيران عن هجماتها واسعة النطاق، ما يشير إلى استمرار وجود عقبات أمام التوصل إلى تسوية نهائية تضمن عودة حركة الملاحة بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز.
أسعار النفط بين انفراجة محتملة وشروط طهران
قالت سوجاندا ساشديفا، مؤسسة شركة إس. إس. ويلث ستريت للأبحاث، التي تتخذ من نيودلهي مقراً لها:
"لا تزال أسعار النفط الخام عالقة بين عاملين متناقضين، إذ تقيم الأسواق احتمال إحراز انفراجة بشأن مضيق هرمز في مواجهة شروط إيران لإعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي".
وتعكس هذه المعادلة حالة التوازن الهش التي تتحكم في تحركات أسعار الخام، إذ يمكن لأي تقدم سياسي أن يقلص علاوة المخاطر، بينما قد يؤدي تعثر المسار الدبلوماسي أو وقوع اضطرابات جديدة إلى عودة المخاوف سريعاً.
الحوثيون يعلنون مهاجمة مصفاة جازان التابعة لأرامكو
إلى جانب التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، برز تهديد آخر للإمدادات، بعدما أعلن الحوثيون المتحالفون مع إيران أنهم هاجموا، يوم الأحد، مصفاة جازان التابعة لشركة أرامكو السعودية.
وجاء الهجوم بعد يومين من توقيع المملكة اتفاقية دفاعية مع حليفتيها تركيا وباكستان، بهدف التعامل مع تفاقم الاضطرابات في المنطقة على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وتزيد هذه التطورات الأمنية من حساسية أسواق النفط تجاه أي تهديد محتمل للبنية التحتية للطاقة أو طرق نقل الخام في المنطقة.
وفي مؤشر إضافي على حجم المخاطر التي تواجه حركة الملاحة، قالت شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك"، يوم الجمعة، إن 15 من سفنها تعرضت لهجمات أثناء عبورها مضيق هرمز منذ بداية الصراع.
وتسلط هذه البيانات الضوء على المخاطر الأمنية المباشرة التي تواجه عمليات الشحن عبر أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة عالمياً، وهو ما يفسر استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط رغم الآمال بالتوصل إلى اتفاق لإعادة فتح المضيق.
سيناريوهات أسعار النفط مرتبطة بمصير حركة الشحن
ترى سوجاندا ساشديفا أن اتجاه أسعار الخام خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمصير حركة الملاحة والتطورات الدبلوماسية والأمنية المحيطة بمضيق هرمز.
وقالت ساشديفا:
"أي تقدم كبير نحو استعادة حركة الشحن دون قيود قد يضغط على أسعار النفط للهبوط، في حين أن انهيار المفاوضات أو تجدد اضطرابات الإمدادات قد يعيد بسرعة علاوة المخاطر الجيوسياسية".
وبالتالي، تواجه أسواق الطاقة سيناريوهين متعاكسين؛ الأول يتمثل في نجاح المساعي السياسية واستعادة حركة الشحن دون قيود، وهو ما قد يخفف الضغوط الصعودية على الخام، بينما يتمثل السيناريو الثاني في تعثر المفاوضات أو تجدد اضطرابات الإمدادات، بما قد يعيد علاوة المخاطر الجيوسياسية سريعاً إلى الأسعار.
الخاتمة
تظل أسعار النفط محكومة بمزيج معقد من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية، في وقت يترقب فيه المستثمرون مصير المفاوضات المتعلقة بمضيق هرمز ومدى إمكانية استعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر الممر الاستراتيجي.
ورغم وصول الاتفاق بين إيران وعُمان، وفقاً لطهران، إلى "المراحل النهائية"، فإن استمرار الشروط الإيرانية، ونفي وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، والهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة والسفن، تبقي حالة عدم اليقين مرتفعة.
وفي ظل هذه المعطيات، سيبقى مضيق هرمز وتطورات الإمدادات في منطقة الشرق الأوسط من أبرز المحركات لاتجاه أسعار النفط، إذ قد يؤدي أي تقدم ملموس نحو إعادة حركة الشحن دون قيود إلى الضغط على الأسعار، بينما يمكن أن يؤدي انهيار المفاوضات أو تجدد الاضطرابات إلى إعادة علاوة المخاطر الجيوسياسية سريعاً إلى أسواق الخام.