تراجع النفط مع مقترح أكبر سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية وارتفاع البنزين في أميركا

شهدت أسعار النفط العالمية تراجعاً خلال تعاملات يوم الأربعاء 11 مارس/آذار، في وقت تتابع فيه الأسواق عن كثب التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك عقب تقارير إعلامية أفادت بأن وكالة الطاقة الدولية تدرس تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الخام الذي جاء نتيجة التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة.

 

ويأتي هذا التطور في ظل حالة من الترقب الشديد في أسواق الطاقة العالمية، حيث أدت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى تصاعد المخاوف بشأن استقرار الإمدادات النفطية العالمية، الأمر الذي دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها الأسواق منذ سنوات.

تراجع أسعار النفط بعد موجة صعود قوية

في تفاصيل التداولات، سجلت أسعار النفط تراجعاً محدوداً بعد المكاسب القوية التي حققتها في الأيام السابقة. فقد انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة تقارب 0.7% لتصل إلى نحو 87.21 دولاراً للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة للخام الأميركي بشكل طفيف بأقل من 0.1% لتسجل حوالي 83.32 دولاراً للبرميل.

 

وجاء هذا التراجع بعدما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن وكالة الطاقة الدولية تدرس إطلاق كميات ضخمة من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية التابعة للدول الأعضاء، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية وكبح جماح الأسعار التي ارتفعت بشكل حاد بسبب المخاوف المرتبطة باضطرابات الإمدادات.

 

وكانت أسعار النفط قد سجلت في وقت سابق من هذا الأسبوع أعلى مستوياتها منذ ما يقارب أربع سنوات، مدفوعة بالمخاوف المتزايدة من تأثير الصراع في الشرق الأوسط على تدفقات النفط العالمية، خصوصاً في ظل التهديدات التي تواجه حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

 

لكن الأسعار عادت للتراجع يوم الثلاثاء بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح فيها إلى احتمال اقتراب نهاية الحرب في الشرق الأوسط، وهو ما خفف نسبياً من المخاوف لدى المستثمرين بشأن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة.

مقترح لتنفيذ أكبر سحب نفطي في التاريخ

ووفقاً لما نقلته وول ستريت جورنال عن مسؤولين مطلعين، فإن وكالة الطاقة الدولية اقترحت تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها، بهدف خفض أسعار الخام التي ارتفعت بقوة في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة.

 

وبحسب التقرير، فإن الكمية المقترح ضخها في الأسواق العالمية قد تتجاوز 182 مليون برميل من النفط، وهو الرقم القياسي السابق الذي تم ضخه في السوق خلال عام 2022 عندما قامت الدول الأعضاء في الوكالة بسحب كميات ضخمة من الاحتياطيات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

 

وخلال تلك الفترة، أطلقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية عمليتي سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية على مرحلتين، ما ساهم في تخفيف الضغوط على الأسواق العالمية للطاقة في ظل الأزمة التي نتجت عن الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

 

أما المقترح الجديد، فيتوقع أن يتجاوز تلك الكميات القياسية، ما يجعله أكبر تدخل من نوعه في تاريخ الوكالة.

اجتماع طارئ للدول الأعضاء

وقد تم تداول هذا المقترح خلال اجتماع طارئ عقدته وكالة الطاقة الدولية يوم الثلاثاء، بمشاركة مسؤولي الطاقة من الدول الـ32 الأعضاء في الوكالة، حيث ناقش المشاركون التطورات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية وتأثير الحرب في الشرق الأوسط على الإمدادات.

 

وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، فمن المتوقع أن تتخذ الدول الأعضاء قرارها بشأن هذا المقترح خلال يوم الأربعاء.

 

ويعتمد تمرير الخطة على عدم اعتراض أي دولة عضو على القرار، إذ إن اعتراض دولة واحدة فقط قد يؤدي إلى تأجيل تنفيذ الخطة أو إعادة مناقشتها، وهو ما يعكس الطبيعة التوافقية للقرارات داخل الوكالة.

 

وتهدف هذه الخطوة في حال اعتمادها إلى ضخ كميات قياسية من النفط في الأسواق العالمية من أجل تحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة وتخفيف الضغوط الاقتصادية على الدول المستهلكة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها المباشر على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.

الحرب في الشرق الأوسط تضغط على أسواق الطاقة

ويأتي هذا التحرك المحتمل من وكالة الطاقة الدولية في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية اضطرابات متزايدة في إمدادات النفط نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

 

وقد أدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تعطيل تدفقات النفط عبر طرق الشحن الرئيسية في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يعد من أهم الممرات البحرية لتجارة النفط في العالم.

 

ويمر عبر هذا المضيق الحيوي ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في تقلبات أسعار الطاقة العالمية.

مجموعة السبع تؤجل قرار السحب من الاحتياطيات

وفي سياق متصل، لم يتوصل وزراء الطاقة في مجموعة السبع خلال اجتماعهم الأخير إلى اتفاق بشأن تنفيذ سحب مباشر من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية.

 

وبدلاً من اتخاذ قرار فوري، اكتفى الوزراء بطلب إجراء تقييم شامل للوضع من قبل وكالة الطاقة الدولية، على أن يتم تحديد الخطوات اللاحقة بناءً على نتائج هذا التقييم.

 

ويعكس هذا الموقف الحذر رغبة الدول الصناعية الكبرى في تجنب اتخاذ إجراءات قد يكون لها تأثيرات طويلة الأمد على احتياطياتها الاستراتيجية، والتي تُستخدم عادة في حالات الطوارئ الكبرى التي تهدد استقرار الإمدادات العالمية.

صعوبات في تأمين ناقلات النفط

وفي تطور آخر يعكس تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، أفادت وكالة رويترز بأن البحرية الأميركية أكدت خلال اجتماعات مع شركات الشحن والنفط أن مرافقة ناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز لن تكون ممكنة إلا بعد انخفاض مستوى التهديد الأمني في المنطقة.

 

ويشير هذا التصريح إلى التحديات الكبيرة التي تواجه حركة نقل النفط عبر هذا الممر البحري الحيوي، خاصة في ظل تصاعد التوترات العسكرية واحتمالات استهداف السفن التجارية أو ناقلات النفط.

ويزيد هذا الوضع من المخاوف بشأن استقرار الإمدادات النفطية العالمية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار النفط في الأسواق الدولية.

أسعار البنزين في الولايات المتحدة عند أعلى مستوى منذ 2024

بالتوازي مع تقلبات أسعار النفط العالمية، بدأ المستهلكون في الولايات المتحدة يشعرون بتداعيات هذه الأزمة بشكل مباشر، حيث ارتفعت أسعار البنزين إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام ونصف.

 

ووفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية (AAA)، بلغ متوسط سعر غالون البنزين الخالي من الرصاص في الولايات المتحدة نحو 3.54 دولارات للغالون يوم الثلاثاء، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ منتصف عام 2024.

 

ويمثل هذا المستوى زيادة كبيرة تقدر بنحو 21% مقارنة بالشهر الماضي، في مؤشر واضح على سرعة انتقال تأثير اضطرابات أسواق الطاقة إلى المستهلكين.

 

بدأت أسعار البنزين في الارتفاع الحاد خلال الأسبوع الماضي بعد الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تصعيد عسكري واسع النطاق أدى إلى اضطرابات كبيرة في حركة التجارة النفطية العالمية.

 

وقد أدى الصراع إلى تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الأمر الذي تسبب في واحدة من أكبر حالات الاضطراب في إمدادات النفط في التاريخ الحديث، وهو ما انعكس سريعاً على أسعار الوقود في الولايات المتحدة والأسواق العالمية.

أكبر قفزة منذ إعصار كاترينا

ووفقاً لتحليل صادر عن شركة Bespoke Investment Group، فقد شهدت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي أكبر قفزة خلال ثلاثة أيام منذ إعصار كاترينا عام 2005، وهو أحد أبرز الأحداث التي تسببت في اضطرابات كبيرة في سوق الطاقة الأميركية.

 

وتعكس هذه القفزة مدى حساسية سوق الوقود في الولايات المتحدة للتطورات الجيوسياسية العالمية، خاصة عندما يتعلق الأمر باضطرابات في إمدادات النفط.

الأسعار لا تزال أقل من مستويات 2022

وعلى الرغم من الارتفاع الحاد الذي شهدته أسعار البنزين مؤخراً، فإنها لا تزال أقل من المستويات القياسية التي سجلتها الولايات المتحدة عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، عندما وصلت أسعار الوقود إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة أزمة الطاقة العالمية.

 

وقبل موجة الارتفاع الأخيرة التي شهدها شهر مارس/آذار الحالي، كان متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة قد تراجع إلى أدنى مستوياته منذ عام 2021، وهو ما يعكس مدى التغير السريع في أسواق الطاقة نتيجة التطورات الجيوسياسية.

 

ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وعدم وضوح المسار النهائي للصراع، يتوقع محللون أن تظل أسواق النفط والوقود عرضة لتقلبات حادة خلال الفترة المقبلة، في ظل ترقب المستثمرين لأي تطورات قد تؤثر على الإمدادات العالمية.

تم التحديث في: الأربعاء, 11 آذار 2026 12:37
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول