ارتفاع حاد في أسعار النفط بعد تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران واستمرار اضطرابات مضيق هرمز

شهدت أسواق النفط العالمية بداية أسبوع مشتعلة، بعدما قفزت الأسعار بشكل حاد خلال تعاملات يوم الإثنين، في تحرك يعكس حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين والمتعاملين بشأن مستقبل الإمدادات العالمية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط في العالم.

 

وجاء هذا الارتفاع القوي بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف فيها الرد الإيراني على المقترح الأمريكي بأنه “غير مقبول”، ما أعاد المخاوف سريعًا إلى الأسواق بشأن احتمالات استمرار الأزمة وتعطل تدفقات الطاقة العالمية لفترة أطول من المتوقع.

أداء أسعار النفط اليوم

قفزت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 4.04 دولارات، أي بنسبة 3.99%، لتصل إلى مستوى 105.33 دولارات للبرميل، في واحدة من أقوى المكاسب اليومية خلال الأسابيع الأخيرة.

 

وفي الوقت ذاته، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 4.43 دولارات، أو بنسبة 4.64%، ليسجل 99.85 دولارًا للبرميل، مقتربًا مجددًا من الحاجز النفسي البالغ 100 دولار.

 

وتأتي هذه المكاسب الكبيرة بعد أسبوع سابق شهد خسائر قاربت 6% لكلا الخامين، حين سادت حالة من التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي يخفف حدة الصراع المستمر منذ نحو عشرة أسابيع، ويؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل طبيعي أمام حركة ناقلات النفط.

 

لكن التصريحات السياسية الأخيرة أعادت الأسواق إلى مربع القلق، لتتحول أسعار النفط مرة أخرى إلى مرآة مباشرة للتطورات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة.

النفط أصبح “رهينة العناوين السياسية”

قالت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي الأسواق في شركة Phillip Nova، إن سوق النفط بات يتحرك بطريقة غير مسبوقة مع كل تصريح سياسي أو تطور جيوسياسي.

 

وأضافت أن الأسعار أصبحت تتفاعل بعنف مع أي إشارة تصدر من واشنطن أو طهران، سواء كانت رفضًا أو تهديدًا أو حتى تلميحات دبلوماسية، ما يعكس حالة الهشاشة التي تعيشها الأسواق العالمية حاليًا.

 

وترى ساشديفا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية واضحة لنهاية الأزمة، حيث لا تزال الأسواق عاجزة عن تقدير توقيت استعادة التدفقات النفطية بشكل كامل، أو معرفة حجم الأضرار الفعلية التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية.

مضيق هرمز.. شريان النفط العالمي تحت التهديد

تكمن خطورة الأزمة الحالية في ارتباطها المباشر بمضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز الطبيعي.

 

ويمر عبر المضيق جزء ضخم من صادرات النفط القادمة من دول الخليج، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرًا على إحداث صدمة عالمية في أسواق الطاقة.

 

ومع استمرار الإغلاق شبه الكامل للمضيق، ارتفعت المخاوف من نقص الإمدادات، خاصة في ظل اعتماد دول آسيوية كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على نفط الخليج بشكل أساسي.

 

ولا تقتصر التداعيات على أسعار النفط وحدها، بل تمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين وسلاسل التوريد العالمية، ما يزيد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي بأكمله.

زيارة ترامب إلى الصين.. محطة مفصلية للأسواق

في خضم هذه التوترات، تتجه أنظار الأسواق إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي ترامب إلى الصين يوم الأربعاء، حيث من المتوقع أن يناقش الملف الإيراني مع الرئيس الصيني إلى جانب ملفات اقتصادية وسياسية أخرى.

 

ويرى مراقبون أن هذه الزيارة قد تمثل نقطة تحول حاسمة في الأزمة، خصوصًا إذا تمكنت واشنطن من إقناع بكين باستخدام نفوذها السياسي والاقتصادي للضغط على طهران من أجل التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.

 

وتحظى الصين بثقل استثنائي في هذا الملف، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة مع إيران، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، فضلًا عن كونها واحدة من أكبر المستوردين للنفط الإيراني والخليجي.

الصين في قلب الحل المحتمل

قال توني سيكامور، محلل الأسواق في شركة IG Group، إن تركيز الأسواق أصبح منصبًا بالكامل على نتائج زيارة ترامب إلى الصين.

 

وأوضح أن المستثمرين يأملون في أن تتمكن بكين من لعب دور الوسيط القادر على دفع إيران نحو اتفاق يضمن إنهاء القتال وعودة الاستقرار إلى المنطقة.

 

وأشار إلى أن قدرة الصين على التأثير في القرار الإيراني أكبر من أي طرف دولي آخر، بسبب حجم المصالح الاقتصادية المشتركة، بالإضافة إلى اعتماد طهران المتزايد على الشراكات الآسيوية في مواجهة الضغوط الغربية.

 

ويرى خبراء أن أي انفراجة سياسية قد تؤدي إلى تهدئة مؤقتة للأسواق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة سريعة للأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة، نظرًا لحجم الاضطرابات التي تعرضت لها سلاسل الإمداد العالمية.

أرامكو تكشف حجم الخسائر العالمية

في تطور لافت، كشف أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو أن العالم فقد نحو مليار برميل من النفط خلال الشهرين الماضيين نتيجة الاضطرابات الحالية.

 

ويعكس هذا الرقم حجم الصدمة التي تعرض لها سوق الطاقة العالمي، حيث إن فقدان هذه الكمية خلال فترة قصيرة يعني تراجعًا كبيرًا في المعروض العالمي، الأمر الذي يفسر جزئيًا القفزات السعرية الأخيرة.

 

وأكد الناصر أن استعادة التوازن في أسواق النفط لن تكون عملية سريعة، حتى في حال عودة الملاحة بشكل كامل عبر مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن إعادة بناء المخزونات العالمية وتعويض النقص الحالي قد تستغرق وقتًا طويلًا.

ناقلات النفط تلجأ إلى “الإخفاء الإلكتروني”

وفي مؤشر واضح على تصاعد المخاطر الأمنية، أظهرت بيانات شركة Kpler أن ثلاث ناقلات نفط إضافية تمكنت خلال الأسبوع الماضي من عبور مضيق هرمز وهي محملة بالنفط الخام، لكنها قامت بإيقاف أجهزة التتبع الخاصة بها أثناء العبور.

 

ويُعتقد أن هذه الخطوة تهدف إلى تقليل احتمالات استهداف السفن أو تتبع مساراتها في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة.

 

ويكشف هذا السلوك عن حجم القلق داخل قطاع الشحن البحري، حيث أصبحت شركات النقل مضطرة لاتخاذ إجراءات استثنائية للحفاظ على استمرار تدفق صادرات النفط من الشرق الأوسط.

 

كما يعكس استمرار العبور، رغم المخاطر، الأهمية الحيوية للنفط الخليجي بالنسبة للأسواق العالمية، وعدم قدرة الدول المستوردة على الاستغناء عنه بسهولة.

علاوة المخاطر الجيوسياسية قد تصبح دائمة

أشار محللو بنك ANZ إلى أن الأسواق قد تدخل مرحلة جديدة تصبح فيها “علاوة المخاطر الجيوسياسية” عنصرًا دائمًا ضمن أسعار النفط.

 

وأوضح البنك أنه حتى إذا انتهت الصدمة الحالية تدريجيًا بحلول نهاية عام 2026، فإن احتمالات تجدد التوترات في مضيق هرمز، إلى جانب انخفاض المخزونات العالمية وضعف التنسيق الدولي، ستُبقي الأسعار مدعومة عند مستويات مرتفعة نسبيًا.

 

ويتوقع البنك أن يظل خام برنت فوق مستوى 90 دولارًا للبرميل طوال عام 2026، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى نطاق يتراوح بين 80 و85 دولارًا خلال عام 2027، مع تحسن الإمدادات وإعادة بناء المخزونات.

 

وتشير هذه التقديرات إلى أن العالم قد يكون مقبلًا على فترة طويلة من أسعار الطاقة المرتفعة، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي العالمي.

الصين تسجل تراجعًا حادًا في واردات النفط

وفي سياق متصل، أظهرت البيانات الرسمية الصادرة في الصين خلال عطلة نهاية الأسبوع أن واردات النفط الخام تراجعت خلال شهر أبريل إلى أدنى مستوياتها منذ نحو أربع سنوات.

 

ويُنظر إلى هذا الانخفاض باعتباره انعكاسًا مباشرًا لاضطرابات الإمدادات العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين المسيطرة على الأسواق.

 

ويحمل تراجع الواردات الصينية دلالات مهمة، نظرًا لأن الصين تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، ما يعني أن أي تغير في سلوكها الشرائي يؤثر بشكل مباشر على توازن السوق العالمية.

ماذا تعني هذه التطورات للأسواق العالمية؟

تعكس التحركات الأخيرة في أسعار النفط دخول السوق مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت الأسعار تتفاعل بصورة فورية وعنيفة مع أي تطور سياسي أو عسكري مرتبط بإيران أو بمضيق هرمز.

 

كما تؤكد الأزمة الحالية أن العالم لا يزال شديد الاعتماد على تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط، رغم الحديث المتزايد خلال السنوات الماضية عن التحول نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

 

وتشير التوقعات إلى أن الأسعار قد تبقى مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا، حتى في حال نجاح الجهود السياسية، وذلك بسبب الوقت اللازم لإعادة التوازن إلى الأسواق وتعويض النقص الكبير في الإمدادات.

 

وفي الوقت نفسه، يترقب المستثمرون نتائج زيارة ترامب إلى الصين باعتبارها واحدة من أهم المحطات السياسية التي قد تحدد اتجاه أسواق الطاقة العالمية خلال المرحلة المقبلة.

 

فإذا نجحت الضغوط الدبلوماسية في تهدئة التوترات وفتح مضيق هرمز، فقد تتراجع الأسعار تدريجيًا، أما إذا استمرت الأزمة أو تصاعدت، فقد يشهد العالم موجة جديدة من الارتفاعات الحادة قد تدفع النفط إلى مستويات قياسية جديدة.

تم التحديث في: الاثنين, 11 أيّار 2026 11:20
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول