أسعار النفط ترتفع مدفوعة بتصاعد الاحتجاجات في إيران وتطورات فنزويلا ومخاوف الإمدادات العالمية
سجّلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الاحتجاجات المتفاقمة في إيران، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف حقيقية بشأن استقرار الإمدادات من واحدة من أهم الدول المنتجة للنفط ضمن منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
وجاء هذا الصعود رغم وجود عوامل ضاغطة حدّت من وتيرة المكاسب، أبرزها الجهود الرامية إلى استئناف صادرات النفط الفنزويلية، إلى جانب التوقعات المتزايدة بارتفاع المعروض النفطي العالمي خلال العام الجاري.
أداء أسعار النفط اليوم
حافظت أسعار النفط على تحقيق أكبر مكاسب لها خلال يومين منذ أكتوبر الماضي، في ظل تصاعد الاحتجاجات الواسعة في إيران، والتي باتت تشكل تهديداً مباشراً لإمدادات رابع أكبر منتج للنفط داخل منظمة أوبك.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي أي تصعيد إضافي أو اضطرابات طويلة الأمد إلى تعطل عمليات الإنتاج أو الشحن، ما قد ينعكس سريعاً على توازن السوق العالمي.
بحلول الساعة 04:33 بتوقيت غرينتش، ارتفعت عقود خام برنت الآجلة إلى 63.39 دولار للبرميل، مسجلة زيادة قدرها 5 سنتات، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 59.16 دولار للبرميل بارتفاع بلغ 4 سنتات.
وكان كلا العقدين قد حققا مكاسب أسبوعية تجاوزت 3% خلال الأسبوع الماضي، وهي أكبر زيادة أسبوعية منذ أكتوبر، وذلك بالتزامن مع تشديد السلطات الإيرانية قبضتها الأمنية على الاحتجاجات، التي تُعد الأكبر منذ عام 2022.
مخاوف جيوسياسية تقلل من تقديرها الأسواق
في هذا السياق، قال سول كافونيك، رئيس أبحاث الطاقة في شركة MST ماركي، إن الأسواق لا تزال تقلل من حجم المخاطر الجيوسياسية المحتملة، مشيراً إلى أن أي صراع أوسع داخل إيران قد يؤثر بشكل مباشر على شحنات النفط العابرة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الحيوية لنقل الطاقة عالمياً.
من جانبه، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الولايات المتحدة تراقب عن كثب تطورات الاحتجاجات في إيران، وتدرس خيارات متعددة للتعامل مع الوضع، مع دخول البلاد أسبوعها الثالث من أكبر موجة احتجاجات على مستوى البلاد منذ عام 2022 وأكد ترمب للصحفيين يوم الأحد قائلاً:
"ننظر إلى الأمر بجدية كبيرة. الجيش ينظر إليه، ونحن ندرس بعض الخيارات القوية جداً"، مضيفاً:"سنتخذ قراراً".
مخاطر الإمدادات تدعم الأسعار وتغيّر مزاج المستثمرين
أسهمت احتمالات تعطل صادرات إيران اليومية، التي تقدر بنحو مليوني برميل يومياً، في تقليص المخاوف السابقة بشأن فائض المعروض العالمي، والتي كانت قد تسببت في ضغوط هبوطية على الأسعار خلال الفترات الماضية.
وأدى ذلك إلى تحوّل واضح في مزاج المستثمرين، حيث زادت رهاناتهم على ارتفاع الأسعار تحسباً لأي اضطرابات مفاجئة.
ظهر حجم هذه المخاطر بشكل أكثر وضوحاً في أسواق الخيارات، إذ بلغ الميل نحو التوقعات الصعودية ذروته بالنسبة لعقود النفط الخام الأميركي الآجلة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ يوليو، ما يعكس تصاعد المخاوف من سيناريوهات نقص الإمدادات.
احتجاجات غير مسبوقة وتداعيات إقليمية
وتُعدّ هذه الاضطرابات التحدي الأخطر الذي يواجه المرشد الإيراني علي خامنئي منذ الانتفاضة الواسعة التي شهدتها البلاد في عام 2022.
وتأتي هذه التطورات بعد فترة قصيرة من قفزة قوية في أسعار النفط خلال حرب استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في شهر يونيو الماضي، قبل أن تهدأ الأسواق سريعاً عقب تدخل الولايات المتحدة والتوصل إلى اتفاق تهدئة.
وأفادت مجموعة حقوقية بأن الاحتجاجات في إيران أسفرت عن وفاة أكثر من 500 شخص، فيما أشار محللو بنك ANZ بقيادة دانيال هاينز إلى أن الوضع الحالي يعرّض نحو 1.9 مليون برميل يومياً من صادرات النفط الإيرانية لخطر الانقطاع، خاصة مع تصاعد الدعوات لعمال قطاع النفط للإضراب عن العمل.
فنزويلا تعود إلى الواجهة ولكن بحذر
في الوقت ذاته، حوّلت الاضطرابات في إيران الأنظار بعيداً عن فنزويلا، التي تسعى لاستعادة دورها في سوق النفط العالمي.
فقد وقّع ترمب يوم السبت أمراً تنفيذياً يقضي بحماية إيرادات النفط الفنزويلية المودعة في حسابات وزارة الخزانة الأميركية من مطالبات الدائنين، غير أن حالة عدم اليقين السياسي الأوسع لا تزال تشكّل عائقاً أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها البلاد بشكل ملحّ وقال هاريس خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار في كاروبار كابيتال في شيكاغو:
"ما لم تؤدّ الاحتجاجات فعلياً إلى تعطيل الصادرات أو الشحن، فإن السوق ستتجاهلها إلى حد كبير"،
لكنه أضاف:"مع ذلك، فإن احتمالية حدوث ارتفاع حاد في التقلبات لا تزال منخفضة في الوقت الراهن".
سباق على النفط الفنزويلي
وفي تطور لافت، من المتوقع أن تستأنف فنزويلا صادراتها النفطية قريباً بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو.
وكان ترمب قد أعلن الأسبوع الماضي أن حكومة كاراكاس ستسلّم نحو 50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة، ما دفع شركات النفط العالمية إلى سباق محموم لتأمين السفن وتجهيز عمليات الشحن من الموانئ الفنزويلية المتدهورة، بحسب أربعة مصادر مطلعة.
آفاق الأسعار والمعروض المستقبلي
من جهتها، قالت بريانكا ساشديفا، كبيرة محللي السوق في فيليب نوفا، إن أسعار النفط مرشحة للبقاء ضمن نطاقات محددة خلال الفترة المقبلة، ما لم يظهر انتعاش قوي وواضح في الطلب العالمي أو اضطراب ملموس ومباشر في الإمدادات.
وأشارت إلى أن عقود النفط الآجلة باتت تعكس بشكل متزايد توقعات بزيادة المعروض النفطي خلال عام 2026.
يراقب المستثمرون كذلك احتمال حدوث اضطرابات في الإمدادات الروسية، في ظل استمرار الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، إلى جانب احتمالات تشديد العقوبات الأميركية على قطاع الطاقة الروسي، ما قد يضيف عاملاً جديداً من عدم اليقين إلى الأسواق.
وكان ترمب قد دعا يوم الجمعة قادة كبرى شركات النفط الأميركية، من بينها شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس، إلى قمة في البيت الأبيض لمناقشة مستقبل فنزويلا وقطاعها النفطي.
وتعهّد الرئيس بتوجيه 100 مليار دولار من رؤوس أموال هذه الشركات لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي، رغم إبداء العديد من التنفيذيين قدراً كبيراً من الحذر، حيث وصف رئيس إكسون موبيل البلاد بأنها "غير قابلة للاستثمار" في الوقت الحالي.
توترات جيوسياسية تتسع عالمياً
وفي تصعيد إضافي للتوترات الجيوسياسية، قال ترمب إن الولايات المتحدة "ستحصل على غرينلاند"، ما أطلق موجة من التحركات والنشاط الدبلوماسي لفهم نواياه تجاه الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي السياق نفسه، أعلنت أوكرانيا استهداف ثلاث منصات حفر في بحر قزوين مملوكة لشركة النفط الروسية العملاقة لوك أويل، في خطوة جديدة تهدف إلى إضعاف قدرة موسكو على تمويل حربها المستمرة منذ ما يقرب من أربع سنوات.