أسعار النفط تتراجع مع خفض توقعات الطلب ومخاطر الإمدادات تدعم السوق

تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات اليوم الخميس، تحت ضغط خفض التوقعات بشأن نمو الطلب العالمي على الخام خلال عام 2026، بالتزامن مع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما نتج عنها من ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات في الإمدادات أثرت سلباً في مستويات الاستهلاك.

 

وفي المقابل، بقيت أسعار الخام عند مستويات مرتفعة نسبياً، مدعومة باستمرار المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية في الشرق الأوسط، في ظل تعثر المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، وتصاعد المخاطر الأمنية التي تهدد حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وهما من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط والغاز عالمياً.

أسعار النفط تتراجع في تعاملات الخميس

انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.1% خلال تعاملات الخميس، لتصل إلى 88.88 دولاراً للبرميل، فيما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.2% إلى 83.06 دولاراً للبرميل.

 

وجاء هذا التراجع في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة ضغوطاً متزايدة مرتبطة بتوقعات الطلب العالمي، إلا أن استمرار المخاطر الجيوسياسية ومخاوف تعطل الإمدادات حال دون تعرض أسعار النفط لخسائر أكبر.

 

في أحدث مؤشر على الضغوط التي تواجه توقعات الطلب، خفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك»، في تقريرها الشهري عن سوق النفط الصادر أمس الأربعاء، تقديراتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال عام 2026 إلى 580 ألف برميل يومياً.

 

ويأتي خفض التوقعات في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على أسواق الطاقة العالمية، بالتزامن مع الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع انكماش استهلاك النفط

وفي اليوم نفسه، قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تتوقع انكماش استهلاك النفط بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً خلال العام الجاري، نتيجة القيود المفروضة على إمدادات الوقود وارتفاع الأسعار الناجمين عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهو ما أدى إلى تراجع مستويات الطلب.

 

وتضيف هذه التوقعات مزيداً من الضغوط على سوق النفط، إذ بات المستثمرون يوازنون بين احتمالات ضعف الاستهلاك من جهة، ومخاطر اضطراب الإمدادات العالمية من جهة أخرى.

مخزونات النفط الأميركية تسجل أكبر زيادة أسبوعية منذ يناير 2023

تعرضت أسعار النفط أيضاً لضغوط إضافية بفعل الزيادة المفاجئة في مخزونات الخام التجارية في الولايات المتحدة، والتي سجلت خلال الأسبوع الماضي أكبر ارتفاع أسبوعي لها منذ يناير/كانون الثاني 2023، وسط تراجع الصادرات.

 

وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة أمس الأربعاء، ارتفعت مخزونات النفط الخام بمقدار 17.4 مليون برميل، لتصل إلى 424.4 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس/آب.

 

ويمثل هذا المستوى الأعلى لمخزونات الخام الأميركية منذ 5 يونيو/حزيران.

 

جاءت الزيادة الكبيرة في المخزونات مخالفة بصورة واضحة لتوقعات الأسواق، إذ كان محللون استطلعت وكالة «رويترز» آراءهم يتوقعون انخفاض المخزونات بمقدار 1.4 مليون برميل.

 

ويعكس الفارق الكبير بين البيانات الفعلية والتوقعات حجم الضغوط التي فرضتها المخزونات الأميركية على أسعار النفط خلال تعاملات الخميس، خصوصاً مع تراجع الصادرات.

تعثر المحادثات الإيرانية الأميركية يدعم أسعار النفط

على الرغم من ضغوط الطلب والمخزونات الأميركية، حافظ النفط على مستويات مرتفعة نسبياً، مع استمرار تعثر المحادثات بين إيران والولايات المتحدة الرامية إلى إنهاء الحرب.

 

وقال مصدر إيراني كبير لوكالة «رويترز» أمس الأربعاء إنه لم يتم إحراز أي تقدم في المحادثات الهادفة إلى إحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه في يونيو/حزيران، ووضع إطار زمني لتنفيذه.

 

ويعني استمرار تعثر المسار التفاوضي بقاء المخاطر الجيوسياسية في صدارة العوامل المؤثرة في سوق الطاقة، خصوصاً مع استمرار التهديدات التي تواجه حركة تصدير النفط والغاز من المنطقة.

هجمات مضيقي هرمز وباب المندب ترفع مخاطر الإمدادات

زادت الهجمات التي استهدفت حركة الشحن في مضيقي هرمز وباب المندب يوم الثلاثاء من حدة المخاوف بشأن المخاطر المستمرة التي تهدد إمدادات النفط في المنطقة.

 

ويعد المضيقان من أبرز ممرات تصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط، ولذلك فإن أي اضطرابات في حركة السفن عبرهما يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على تدفقات الطاقة العالمية والأسعار.

 

قال محللون في شركة هايتونغ فيوتشرز، في مذكرة، إن الأوضاع الأمنية لحركة الملاحة في هذه المياه تدهورت بصورة أكبر، الأمر الذي دفع السفن إلى إطفاء إشاراتها.

 

ويؤدي ذلك إلى انخفاض مستوى شفافية حركة الشحن البحري، كما يجعل من الصعب على السوق تتبع مستويات الإمدادات الفعلية وتقييمها بصورة دقيقة، ما يزيد حالة عدم اليقين المحيطة بتدفقات النفط من المنطقة.

النفط يحافظ على مكاسبه الأسبوعية القوية

على الرغم من تراجع الأسعار خلال تعاملات الخميس، حافظ النفط على مكاسب قوية سجلها خلال الأسبوع الماضي، في ظل غياب أي تقدم يُذكر باتجاه إنهاء التوترات الأميركية الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز.

 

وتواصل التطورات المرتبطة بالمضيق فرض تأثير كبير على الأسواق، خصوصاً مع استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران بشأن السيطرة على هذا الممر المائي الاستراتيجي.

 

أكدت كل من واشنطن وطهران خلال الأسبوع الجاري أنها تمتلك السيطرة على مضيق هرمز، في وقت أظهرت فيه بيانات الشحن أن حركة الملاحة في المنطقة توقفت إلى حد بعيد عقب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران خلال أواخر يوليو/تموز ومطلع أغسطس/آب.

 

وأصبح مضيق هرمز محور اهتمام رئيسياً لأسواق النفط خلال العام الجاري، بالنظر إلى دوره المحوري في تجارة الطاقة العالمية.

 

تنبع الأهمية الاستراتيجية للمضيق من كونه كان يمثل نحو 20% من استهلاك العالم للنفط قبيل اندلاع الحرب على إيران.

 

ولهذا، فإن استمرار تعطل أو تراجع حركة الملاحة عبر المضيق يبقي مخاطر الإمدادات مرتفعة، ويمنح أسعار النفط دعماً في مواجهة الضغوط الناجمة عن ضعف توقعات الطلب وارتفاع المخزونات الأميركية.

 

إلى جانب التطورات في مضيق هرمز، زاد الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن من حدة المخاوف المتعلقة باضطرابات الإمدادات في غرب آسيا، بعد أن شرعوا في مهاجمة السفن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

 

ويعد باب المندب ممراً رئيسياً آخر لشحن النفط، ما يجعل التطورات الأمنية فيه عاملاً إضافياً يرفع مستوى المخاطر المحيطة بتدفقات الطاقة من المنطقة إلى الأسواق العالمية.

الطلب الضعيف ومخاطر الإمدادات يرسمان مسار النفط

تواجه سوق النفط في المرحلة الراهنة عاملين متعاكسين؛ فمن ناحية، يؤدي خفض توقعات نمو الطلب العالمي وارتفاع المخزونات الأميركية إلى الضغط على الأسعار، بينما توفر المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط دعماً قوياً للسوق.

 

وبالتالي، يبقى مسار الأسعار مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتطورات المتعلقة بالمحادثات الإيرانية الأميركية، ومستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب مؤشرات الطلب والمخزونات في الاقتصادات الكبرى.

 

الخاتمة

تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس بصورة محدودة، مع تأثر معنويات المستثمرين بخفض توقعات نمو الطلب العالمي، وتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش الاستهلاك، فضلاً عن القفزة الكبيرة وغير المتوقعة في مخزونات الخام الأميركية.

 

ومع ذلك، لا تزال العوامل الجيوسياسية تحد من الضغوط الهبوطية على الأسعار، في ظل تعثر المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، وتصاعد الهجمات والمخاطر الأمنية في مضيقي هرمز وباب المندب.

 

وفي ظل الدور الحيوي لهذه الممرات في تجارة الطاقة العالمية، من المرجح أن تظل تطورات الملاحة والإمدادات من أبرز المحركات المؤثرة في أسعار النفط خلال الفترة المقبلة.

تم التحديث في: الخميس, 13 آب 2026 12:07
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول