أسعار النفط تحقق مكاسب أسبوعية قوية مع تصاعد مخاطر الإمدادات عبر هرمز
تمسكت أسعار النفط بمكاسبها القوية خلال الأسبوع، في وقت يواصل فيه المتعاملون تقييم تداعيات التوترات الجيوسياسية على إمدادات الطاقة العالمية، لا سيما مع تهديد الولايات المتحدة بفرض ضغوط اقتصادية غير مسبوقة على إيران، بالتزامن مع دخول الحرب التي عطلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شهرها السادس.
وتلقت أسعار الخام دعماً من تجدد المخاوف بشأن اضطراب الإمدادات عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، إلى جانب تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران، والهجمات التي استهدفت ناقلات النفط، فضلاً عن توقف صادرات من ميناء نوفوروسيسك الروسي. في المقابل، حدّت توقعات ضعف الطلب العالمي والزيادة الحادة في مخزونات الخام الأميركية من وتيرة المكاسب.
النفط ينهي الأسبوع على مكاسب قوية
أنهت أسعار النفط تداولات الأسبوع على ارتفاعات ملحوظة، إذ حققت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي مكاسب أسبوعية بنحو 5.4%، بعدما ارتفعت من تسوية الجمعة السابقة البالغة 78.18 دولار إلى 82.40 دولار للبرميل، بزيادة أسبوعية قدرها 4.22 دولار.
وفي الاتجاه نفسه، سجلت العقود الآجلة لخام برنت مكاسب أسبوعية بنحو 5.9%، بعدما ارتفعت بمقدار 4.97 دولار، من 83.55 دولار إلى 88.52 دولار للبرميل.
وبذلك ارتفع سعر مزيج برنت مسجلاً مكاسب أسبوعية تقارب 6%، في انعكاس واضح لتزايد علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة.
تسويات الجمعة تدعم المكاسب الأسبوعية للخام
خلال تسويات يوم الجمعة، ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 1.15 دولار، أو بنسبة 1.42%، لتغلق عند مستوى 82.40 دولار للبرميل.
كما صعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.45 دولار، أو 1.67%، لتصل إلى 88.52 دولار للبرميل.
وجاءت هذه التحركات بعد جلسة متقلبة، تحركت خلالها الأسعار بين مخاوف تعطل عمليات الشحن ومؤشرات على توافر إمدادات نفطية أكبر من المتوقع.
مضيق هرمز في قلب مخاوف أسواق النفط
كان تجدد المخاوف المتعلقة باضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز أحد أبرز العوامل التي دعمت أسعار النفط خلال الأسبوع، بالتزامن مع تعثر جهود إنهاء الحرب مع إيران واستمرار الهجمات على ناقلات النفط.
كما تزامنت التطورات مع تهديد واشنطن بالإبقاء على حصار بحري لإيران لأجل غير محدد، وتشديد الضغوط الاقتصادية عليها، في ظل تعثر المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب واستعادة التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز.
وتجري إيران وسلطنة عُمان محادثات بهدف إعادة فتح المضيق، إلا أن الجانبين لم يتوصلا حتى الآن إلى اتفاق، رغم حالة التفاؤل التي سادت في وقت سابق من الأسبوع بشأن اقتراب التوصل إلى تفاهم.
تشدد المواقف الأميركية والإيرانية يعقّد المفاوضات
يُرجح أن تواجه الجهود الدبلوماسية تحديات متزايدة مع تشدد موقفي واشنطن وطهران، خصوصاً بعدما طرح الرئيس دونالد ترمب مطالب جديدة واسعة النطاق على إيران خلال الأسبوع.
ولم يتضح بعد مدى فاعلية الضغوط الاقتصادية الأميركية في إجبار إيران على الرضوخ، خاصة أن طهران سبق أن صمدت في مواجهة موجات عديدة من العقوبات والضغوط المالية دون أن تتراجع عن موقفها بشأن برنامجها النووي، أو تتخلى عن السيطرة على مضيق هرمز.
ومع تعثر التوصل إلى اتفاق، عاد المتعاملون في أسواق الطاقة إلى تقييم حجم إمدادات النفط التي تستطيع المرور عبر هذا الممر الملاحي الاستراتيجي.
واشنطن تهدد بضغوط اقتصادية غير مسبوقة على إيران
صرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة "نيوز ماكس" بأن الولايات المتحدة ستفرض ضغوطاً اقتصادية "لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل"، في الوقت الذي ستواصل فيه الحصار البحري للموانئ الإيرانية.
وأضاف بيسنت أنه سيتم الإعلان عن مزيد من الإجراءات خلال الأسبوع المقبل، ما عزز حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبل الصراع وتدفقات الطاقة من المنطقة.
أسعار النفط ترتفع بأكثر من 40% منذ بداية العام
ارتفعت العقود الآجلة للنفط بأكثر من 40% خلال العام الجاري، بعدما أدت حرب إيران إلى اضطرابات في إنتاج الخام وصادراته من أكبر منتجي منظمة "أوبك" في الخليج العربي، رغم نجاح هؤلاء المنتجين في إيجاد سبل لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.
وأصبحت قدرة المنتجين الخليجيين على الاستمرار في إيصال النفط إلى الأسواق عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالملاحة عبر مضيق هرمز.
على صعيد أساسيات السوق، توقعت "وكالة الطاقة الدولية" خلال الأسبوع تسجيل عجز أكبر في الإمدادات خلال الربع الحالي.
كما ترى الوكالة أن العجز في عام 2026 سيرتفع إلى أعلى مستوى له في خمس سنوات، وهو ما يضيف عاملاً داعماً للأسعار في وقت تواجه فيه السوق بالفعل مخاطر جيوسياسية مرتفعة.
لم تقتصر المخاوف المتعلقة بالإمدادات على منطقة الخليج العربي، إذ زاد توقف صادرات الخام من محطة شيستخاريس في ميناء نوفوروسيسك الروسي المطل على البحر الأسود من الضغوط التي تواجه السوق.
وجاء توقف الصادرات عقب هجوم بطائرة مسيّرة، ما أضاف مصدراً جديداً للقلق بشأن المعروض العالمي من النفط بالتزامن مع الاضطرابات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.
9 ملايين برميل نفط تعبر مضيق هرمز يومياً
قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت لشبكة "فوكس نيوز" إن ما يصل إلى 9 ملايين برميل من النفط يومياً تعبر مضيق هرمز، مكرراً ادعاءً كان قد أدلى به في وقت سابق من الأسبوع.
وأضاف رايت أن قدرة القوات الأميركية على مرافقة الناقلات عبر المضيق آخذة في الازدياد، الأمر الذي يسمح بارتفاع تدفقات الطاقة.
ورغم حالة الجمود السياسي والعسكري، لا يزال النفط الخام يخرج من مياه الخليج العربي عبر مضيق هرمز، وغالباً على متن ناقلات تبحر وتطفئ أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، في الوقت الذي لا تزال فيه السفن العابرة للمضيق تواجه تهديدات مستمرة.
هل تعكس مكاسب النفط نقصاً فعلياً أم علاوة مخاطر؟
قال سكوت شيلتون، المتخصص في شؤون الطاقة لدى "تي بي آيكاب غروب" (TP ICAP Group)، في تصريحات لـ"بلومبرغ"، إن احتمال ارتفاع التدفقات عبر مضيق هرمز عن المستوى الذي توقعته السوق في البداية يشير إلى أن المكاسب المسجلة هذا الأسبوع تعكس علاوة مخاطر أكثر من كونها نتيجة لشح أكبر في أساسيات السوق.
وأضاف شيلتون: "أفترض أيضاً أن المضاربين قصيري الأجل يجنون الأرباح قبيل طرح اتفاق آخر على الطاولة".
وتشير هذه الرؤية إلى أن جانباً مهماً من ارتفاع الأسعار قد يرتبط بالمخاطر المحتملة التي تسعّرها السوق، وليس فقط بتراجع فعلي في حجم المعروض النفطي المتاح.
وفي تطور جديد يتعلق بأمن الشحن في المنطقة، قالت شركة "بترول أبوظبي الوطنية" (أدنوك)، التي تعد من الجهات الأكثر نجاحاً في إخراج الخام من منطقة الخليج، إن سفينتين أخريين تابعتين لها تعرضتا لهجوم في وقت متأخر من يوم الخميس.
وأكدت الشركة أن الوضع أصبح تحت السيطرة، إلا أن الحادثة أضافت مزيداً من المخاوف بشأن سلامة حركة الناقلات واستمرارية تدفقات النفط من الخليج العربي.
وعلى الرغم من الدعم القوي الذي تلقته الأسعار من المخاطر الجيوسياسية ومخاوف الإمدادات، فإن المكاسب واجهت ضغوطاً مقابلة.
وحدّت توقعات ضعف الطلب العالمي من وتيرة صعود النفط، إلى جانب الزيادة الحادة في مخزونات الخام الأميركية، وهو ما أبقى السوق في حالة توازن بين مخاطر نقص المعروض من جهة والمخاوف المتعلقة بمستويات الاستهلاك وتوافر إمدادات أكبر من المتوقع من جهة أخرى.
توقعات أسعار النفط: نطاق بين 80 و90 دولاراً للبرميل
يرى سول كافونيك، كبير محللي الطاقة لدى "إم إس تي ماركي" (MST Marquee)، أنه إلى أن يظهر تطور كبير آخر في السوق، فمن المرجح أن تظل أسعار النفط ضمن نطاق يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل.
وقال كافونيك لـ"بلومبرغ" إن الضبابية المحيطة بمسار الصراع وحجم إمدادات الخام التي تخرج من منطقة الخليج لا تزال تخيم على التوقعات.
وبالتالي، يبقى اتجاه أسعار النفط مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتطورات السياسية والعسكرية، ونتائج المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز، إلى جانب حجم التدفقات النفطية الفعلية وقدرة المنتجين على الاستمرار في نقل الخام إلى الأسواق العالمية.
الخاتمة
اختتمت أسعار النفط الأسبوع على مكاسب قوية، مع ارتفاع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 5.4% وخام برنت بنحو 5.9%، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بإمدادات النفط العالمية وتصاعد الضغوط الأميركية على إيران.
وتبقى التطورات في مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية بالنسبة للسوق، خاصة مع دخول الحرب شهرها السادس وتعثر المفاوضات بين الأطراف المعنية، في الوقت الذي تستمر فيه ناقلات النفط بالعبور وسط مخاطر أمنية متزايدة.
وفي المقابل، فإن استمرار تدفقات النفط بمستويات قد تكون أعلى من تقديرات السوق الأولية، إلى جانب توقعات ضعف الطلب العالمي والارتفاع الحاد في مخزونات الخام الأميركية، قد يحد من قدرة الأسعار على تسجيل ارتفاعات أكبر.
وبين مخاطر الإمدادات وضغوط الطلب، يُرجح أن تبقى أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطورات جديدة في الصراع أو المفاوضات خلال الفترة المقبلة.