أسعار النفط تتراجع مع انحسار مخاوف الإمدادات وضغوط التضخم الأمريكي

تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس، متأثرة بارتفاع الدولار الأمريكي عقب صدور بيانات تضخم استهلاكي في الولايات المتحدة جاءت أعلى من المتوقع، ما عزز رهانات الأسواق على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام.

 

كما تعرضت الأسعار لضغوط إضافية بعد خفض وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب العالمي على النفط خلال عام 2026، وسط انحسار جزء من المخاوف المتعلقة باضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط.

 

في المقابل، حدّ الانخفاض الكبير في مخزونات النفط الأمريكية واستمرار شح المعروض والمخاطر المرتبطة بالملاحة في المنطقة من خسائر الخام، فيما تترقب الأسواق اجتماع وكالة الطاقة الدولية بشأن الإمدادات الإضافية من الاحتياطيات النفطية الطارئة.

أسعار النفط اليوم

انخفضت العقود الآجلة للنفط خلال تعاملات الخميس، بعدما تخلت الأسعار يوم الأربعاء عن جزء كبير من مكاسبها إثر صدور بيانات التضخم الأمريكية لشهر سبتمبر، التي دعمت الدولار وعوائد سندات الخزانة وأطلقت موجة خسائر في الأسواق المالية العالمية.

 

وسجلت الأسعار المستويات التالية عند الساعة 11:22 صباحاً بتوقيت تركيا:

  • خام برنت: تراجعت العقود الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة 2.17% إلى 103.67 دولار للبرميل.

  • خام غرب تكساس الوسيط: انخفضت العقود الآجلة تسليم نوفمبر بنسبة 1.2% إلى 94.10 دولار للبرميل.

 

وعززت بيانات التضخم الرهانات على احتمال رفع أسعار الفائدة الأمريكية مجدداً قبل نهاية عام 2026، وهو ما قد يبطئ النمو الاقتصادي ويحد من الطلب على النفط. كما يزيد ارتفاع الدولار تكلفة الخام المقوم بالعملة الأمريكية بالنسبة إلى المشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

وكالة الطاقة الدولية تخفض توقعات الطلب وتدرس ضخ احتياطيات إضافية

خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للاستهلاك العالمي من النفط خلال عام 2026 بمقدار 2.6 مليون برميل يومياً، بزيادة قدرها 100 ألف برميل يومياً مقارنة بتوقعاتها الصادرة قبل شهر، في ظل الضغوط الناجمة عن ارتفاع الأسعار.

 

وفي تقريرها الشهري الصادر يوم الأربعاء، حذرت الوكالة من احتمال استمرار شح أسواق الديزل العالمية حتى عام 2027، بسبب اضطرابات الإمدادات النفطية وتوقف بعض المصافي عن العمل.

 

ويعكس ذلك تباين أوضاع أسواق الطاقة، إذ قد يتراجع الطلب الإجمالي على النفط، بينما تستمر الضغوط على بعض المشتقات نتيجة اختناقات التكرير والإمداد.

اجتماع مرتقب بشأن الاحتياطيات النفطية الطارئة

تترقب الأسواق اجتماع وكالة الطاقة الدولية يوم الخميس، وسط توقعات بأن يحدد الوتيرة التي ستطرح بها الدول الأوروبية مزيداً من النفط من احتياطياتها الطارئة، ويوضح موقف الدول الأعضاء من إطلاق كميات إضافية.

 

وكانت الدول الأعضاء قد تعهدت في وقت سابق من عام 2026 بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فيما أشار بعض الوزراء مؤخراً إلى إمكانية إطلاق 100 مليون برميل إضافية.

 

ومن شأن ضخ كميات جديدة أن يخفف الضغوط على المعروض، لكن تأثيره في الأسعار سيعتمد على حجم الإمدادات وتوقيت طرحها ومدى استمرار الاضطرابات في الأسواق العالمية.

 

وقال تاكاهيرو أساوكا، كبير الاقتصاديين في معهد «إيتوتشو للأبحاث» (Itochu Research Institute)، لـ«بلومبرغ»، إن هجمات الحوثيين لم تتسبب في اضطرابات حادة للإمدادات كما كانت السوق تخشى، ما أدى إلى تراجع جزء من علاوة المخاطر الجيوسياسية.

 

وأضاف أن توقعات وكالة الطاقة الدولية الأضعف للطلب فرضت بدورها ضغوطاً هبوطية على الأسعار.

مخاطر الشرق الأوسط: اضطرابات الملاحة دون تراجع واضح في الإمدادات

رغم انخفاض الأسعار، لا تزال التطورات الأمنية في الشرق الأوسط تشكل مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، خصوصاً مع تجدد الضربات في مضيق هرمز وتصاعد الأعمال العدائية بين السعودية وجماعة الحوثيين اليمنية.

 

وأعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن» يوم الخميس اعتراض وتدمير طائرة مسيرة في المنطقة الشرقية بالسعودية، في وقت يواصل فيه الحوثيون المدعومون من طهران شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على المملكة. ومع ذلك، لم تتأثر إمدادات النفط بصورة واضحة حتى الآن.

 

وعادت صادرات النفط السعودية عبر مضيق باب المندب إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً خلال الأيام الأخيرة، بعدما عبرت ست ناقلات محملة بالنفط على الأقل من ميناء ينبع، وفق بيانات تتبع حركة الشحن حتى 12 أكتوبر 2026.

ناقلات النفط تواجه مخاطر متزايدة

في المقابل، تتجنب أعداد متزايدة من ناقلات النفط المناطق التي اعتادت التوجه إليها لتحميل الخام في الشرق الأوسط، مع تصاعد الهجمات الإيرانية على حركة الملاحة وما تفرضه من تعقيدات على العمليات اللوجستية للتصدير.

 

وتوقفت سفن قادرة على نقل ما لا يقل عن 37 مليون برميل من النفط أو غيرت مسارها أثناء توجهها إلى مناطق التحميل قبالة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، رغم عدم وجود أدلة واضحة على تراجع تدفقات النفط من الخليج.

 

وتسهم اضطرابات الشحن في زيادة تكاليف النقل البحري، ما يضيف ضغوطاً على السوق الفعلية للنفط، حتى عندما تستمر التدفقات الإجمالية من مناطق الإنتاج.

شح المعروض وتراجع المخزونات يدعمان الأسعار

لا تزال سوق النفط تعاني شحاً في الإمدادات بعد أشهر من الاضطرابات الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي دفعت خام برنت إلى الارتفاع بأكثر من 70% خلال عام 2026.

 

ولجأ المستهلكون إلى السحب من المخزونات لتلبية احتياجاتهم، فيما تراجعت المخزونات البرية إلى مستويات قريبة من أدنى مستوياتها خلال عقد على الأقل، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.

 

وفي الولايات المتحدة، أفاد معهد البترول الأمريكي، الممول من قطاع النفط، بأن مخزونات الخام على مستوى البلاد انخفضت بمقدار 11.1 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي، وفق وثيقة اطلعت عليها «بلومبرغ». وإذا أكدت البيانات الرسمية المقرر صدورها يوم الخميس هذه الأرقام، فسيكون ذلك أكبر انخفاض أسبوعي منذ يونيو 2025.

 

وساعدت هذه البيانات في الحد من خسائر أسعار النفط، بالتزامن مع اضطرابات الإنتاج على طول ساحل الخليج الأمريكي. ومع ذلك، لا تزال السوق تواجه مخاطر ناجمة عن انخفاض المخزونات وارتفاع تكاليف النقل وعدم استقرار الإمدادات.

 

وفي تطور آخر، ارتفع إنتاج النفط في الإمارات العربية المتحدة إلى مستويات قياسية خلال الشهر الماضي، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، ما يضيف عاملاً مهماً إلى تقييم التوازن بين العرض والطلب.

تحركات دولية لمواجهة اضطرابات سوق الطاقة

تدرس الولايات المتحدة تخفيف العقوبات المفروضة على سفن أسطول الظل التي نقلت النفط والمنتجات البترولية من دول تشمل روسيا وإيران وفنزويلا، في محاولة لخفض أسعار الشحن العالمية، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» عن مسؤول أمريكي.

 

وقد تتيح الخطوة استخدام بعض السفن في نقل النفط، بما قد يساعد على توسيع القدرة المتاحة للشحن وتخفيف تكاليف النقل. لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الشركات ستقبل بالاستعانة بهذه السفن، في ظل المخاطر القانونية والتجارية المرتبطة بالعقوبات.

 

وفي تطور منفصل، اتهمت روسيا أوكرانيا بمهاجمة مصفاتين للنفط يوم الأربعاء، معتبرة أن الهجمات تمثل انتهاكاً لـ«وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة» الذي روّج له الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فيما نفت كييف الاتهام.

 

وتضيف هذه التطورات مخاطر جديدة إلى أسواق الطاقة، خصوصاً في ظل التحذيرات من استمرار شح أسواق الديزل العالمية حتى عام 2027.

مستقبل أسعار النفط بين التهدئة والتصعيد

لا تزال احتمالات احتواء التوترات في الشرق الأوسط عبر المسار الدبلوماسي غير مؤكدة. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن أهداف إيران ليست «حرباً بلا نهاية» أو محادثات مطولة، بل «استنزاف العدو حتى يُجبر على قبول مطالبنا».

 

ويرى روب بارنيت، كبير محللي الطاقة لدى «بلومبرغ إنتليجنس»، أن حالة عدم اليقين قد تؤدي إلى استمرار «صراع مجمّد» لفترة طويلة، تتخلله تطورات إيجابية تعقبها هجمات جديدة تدفع الأسواق إلى إعادة تقييم الأوضاع. وحذر من أن العودة إلى الصراع النشط قد تدفع الأسعار إلى مستويات «أعلى بكثير».

 

وبذلك، ستظل أسعار النفط رهينة تفاعل عدة عوامل، أبرزها مسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وأمن الملاحة في الشرق الأوسط، وحجم الإمدادات الإضافية من الاحتياطيات الطارئة، إلى جانب تطورات المخزونات والطلب العالمي والسياسة النقدية الأمريكية.

 

خاتمة

يعكس تراجع أسعار النفط خلال تعاملات الخميس تأثير ارتفاع الدولار وخفض توقعات الطلب العالمي، بالتزامن مع انحسار جزء من المخاوف بشأن تعطل الإمدادات. غير أن انخفاض المخزونات الأمريكية واستمرار شح المعروض ومخاطر الملاحة في الشرق الأوسط حدّت من خسائر الأسعار.

 

ومع ترقب قرارات وكالة الطاقة الدولية واستمرار الغموض بشأن المسار الدبلوماسي للحرب، تبقى أسواق النفط عرضة لتقلبات حادة. وسيعتمد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة على التوازن بين ضعف الطلب المتوقع، وتوافر الإمدادات، وتكاليف الشحن، واحتمالات تجدد التصعيد العسكري.

تم التحديث في: الخميس, 15 تشرين الأول 2026 11:32
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول