تراجع أسعار النفط بعد موجة صعود قوية وسط تصاعد التوترات في الخليج وتباين بيانات المخزونات الأمريكية

شهدت أسعار النفط العالمية تراجعاً بعد موجة صعود استمرت ثلاثة أيام، في وقت تواصل فيه الأسواق مراقبة التطورات العسكرية في منطقة الخليج العربي وتأثيرها المحتمل على الإمدادات العالمية، بالتزامن مع صدور بيانات جديدة حول مخزونات النفط الأمريكية عكست استمرار قوة الطلب على الوقود خلال موسم القيادة الصيفي.

 

وتبقى الأسواق النفطية شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، نظراً لأهمية المنطقة في إنتاج وتصدير الطاقة العالمية، بينما تلعب بيانات المخزونات الأمريكية دوراً محورياً في تقييم توازن العرض والطلب العالمي.

أداء أسعار النفط اليوم

انخفضت أسعار النفط بعد ارتفاع استمر ثلاثة أيام، مع تنفيذ الولايات المتحدة جولة جديدة من الغارات الجوية على إيران، وذلك عقب سلسلة من الهجمات التي شنتها طهران على سفن خلال الأسبوع.

 

وتداول خام برنت القياسي العالمي عند 84.67 دولاراً للبرميل عند الساعة 13:00 بتوقيت تركيا بعدما كان قد سجل مكاسب بلغت نحو 12% خلال الجلسات الثلاث السابقة، في حين جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 79.56 دولاراً للبرميل.

 

وفي أحدث التعاملات، تراجعت العقود الآجلة لمزيج برنت تسليم سبتمبر بنسبة 0.4% إلى 85.65 دولاراً للبرميل عند الساعة 7:43 صباحاً بتوقيت لندن، بينما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تسليم أغسطس بنسبة 0.1% إلى 79.49 دولاراً للبرميل.

 

واصلت الولايات المتحدة تنفيذ المزيد من الضربات الجوية على إيران، كما استهدفت ناقلة نفط عملاقة بالقرب من محطة التصدير الرئيسية للخام الإيراني في عمق الخليج العربي.

 

وجاءت هذه التطورات بعدما شنت طهران هجمات على سفن في مضيق هرمز، الأمر الذي أثار مخاوف شركات الشحن وأدى إلى انخفاض حركة الملاحة القابلة للرصد في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً.

تصاعد الصراع يعيد علاوة المخاطر إلى أسواق النفط

قفزت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها خلال نحو شهر، بعدما أعاد تصاعد الصراع الجيوسياسي المخاوف المتعلقة بتدفقات النفط من المنطقة الغنية بالطاقة، وهو ما محا جزءاً من الخسائر التي بلغت نحو 30% خلال الربع الثاني من العام.

 

وفي الوقت نفسه، تواصل الضربات الأوكرانية شبه اليومية على منشآت إنتاج الوقود والناقلات الروسية زيادة الضغوط على الإمدادات العالمية، بما يضيف عاملاً جديداً من عدم اليقين إلى الأسواق.

 

قال جيف كوري، كبير المستشارين لدى كارلايل غروب (Carlyle Group Inc)، في مقابلة مع تلفزيون "بلومبرغ":

 

"لم نفقد الآن مضيق هرمز بأكمله مجدداً فحسب، بل فقدنا أيضاً النفط الخام والمصافي في روسيا وأضاف:"أرى أن الوضع في قطاع الطاقة بالغ السوء."

تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتكثيف قصف إيران إلى أن تتوقف طهران عن مهاجمة السفن في مضيق هرمز، وتوافق على إعادة فتح هذا الممر الحيوي أمام حركة الطاقة العالمية.

 

كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن ترمب يميل إلى توسيع العمليات العسكرية، وناقش إمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج التي تضم محطة تصدير النفط الرئيسية لإيران.

الحرس الثوري: مضيق هرمز سيظل مغلقاً

في المقابل، لم تظهر إيران مؤشرات واضحة على التراجع وأكد الحرس الثوري الإيراني يوم الأربعاء أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً إلى أن تنهي الولايات المتحدة ضرباتها الجوية وحصارها للموانئ الإيرانية.

 

تهدد الهجمات الإيرانية الأخيرة على ناقلات النفط ما يعرف بعمليات "الرحلات المكوكية"، وهي آلية يتم خلالها نقل النفط الخام من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز.

 

وأصبح هذا النظام خلال الحرب شرياناً رئيسياً لتصدير النفط بالنسبة لعدد من الدول، من بينها الإمارات، رغم إمكانية تعرضه لتوقفات قصيرة الأجل.

انخفاض حاد في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز

أوضح محللون في RBC Capital Markets LLC بقيادة هليما كروفت أن المتوسط المتحرك لسبعة أيام لتدفقات النفط عبر مضيق هرمز انخفض بمقدار 4.6 مليون برميل يومياً ليصل إلى 3.9 مليون برميل يومياً منذ استئناف القتال قبل أسبوع.

 

ويرى المحللون أن هذا الانخفاض يعكس انهيار وقف إطلاق النار، وتجدد الهجمات الإيرانية، وعودة الحصار الأمريكي.

 

وأضافوا أنه حتى إذا اختار الرئيس ترمب تبني تراجع استراتيجي، فإنهم لا يتوقعون عودة حركة المرور عبر المضيق إلى مستويات ما قبل الحرب، في ظل استمرار تهديدات الألغام والصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب الرسوم المحتملة التي قد تفرضها طهران.

 

قال جون وودز، كبير مسؤولي الاستثمار ومدير حلول الاستثمار لمنطقة آسيا لدى لومبارد أودييه (Lombard Odier)، في مقابلة مع تلفزيون "بلومبرغ"، إن الأسواق قد تتكيف مع الواقع الجديد بدلاً من انتظار عودة الأوضاع الطبيعية.

 

وأشار إلى أن الأسواق قد تواجه اضطراباً دورياً شبه دائم في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، متوقعاً أن يحمل خام برنت علاوة سعرية دائمة تتراوح بين 5 و15 دولاراً للبرميل باعتبارها جزءاً من الوضع الطبيعي الجديد.

 

ورغم تصاعد التوترات، استمرت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز وأوضح تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، أن عمليات العبور المدعومة من الولايات المتحدة سجلت أرقاماً مزدوجة خلال ليلة الثلاثاء.

 

وأشار إلى أن نحو 300 سفينة عبرت الممر المائي خلال الأسبوع الماضي، حصل ما يقرب من نصفها على دعم ومرافقة من القوات الأمريكية.

بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تكشف انخفاض المخزونات

بالتزامن مع التطورات الجيوسياسية، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) الصادرة يوم الأربعاء انخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين خلال الأسبوع الماضي، مدفوعة بارتفاع معدلات تشغيل المصافي واستمرار قوة الطلب على الوقود خلال موسم القيادة الصيفي.

 

وأوضحت الإدارة أن مخزونات الخام انخفضت بمقدار 1.7 مليون برميل لتصل إلى 409.7 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 10 يوليو 2025، بينما كانت توقعات المحللين تشير إلى انخفاض أكبر يبلغ 2.6 مليون برميل.

 

كما أظهرت البيانات ارتفاع صادرات النفط، رغم أنها لا تزال دون مستويات ما قبل الحرب.

ارتفاع مخزونات كوشينغ فوق الحد التشغيلي

أشارت البيانات إلى ارتفاع مخزونات الخام في محطة كوشينغ بولاية أوكلاهوما، وهي نقطة تسليم خام غرب تكساس الوسيط والعقود الآجلة، بمقدار 430 ألف برميل خلال الأسبوع.

 

كما ارتفعت المخزونات في المركز إلى ما يزيد على 20 مليون برميل، وهو المستوى الذي يُنظر إليه على أنه الحد الأدنى التشغيلي للمحطة.

 

ارتفعت كميات الخام التي عالجتها المصافي الأمريكية بمقدار 99 ألف برميل يومياً، كما ارتفع معدل استغلال طاقات التكرير بمقدار 0.40 نقطة مئوية ليصل إلى 96.20% وقال مات سميث، مدير أبحاث السلع في شركة Kpler:

 

"أسهمت قوة نشاط التكرير المستمرة في ظل ذروة الطلب على القيادة الصيفية في تراجع مخزونات الخام، غير أن حجم هذا التراجع جاء محدوداً بفعل الإفراجات المستمرة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي وتباطؤ وتيرة صادرات الخام."

مخزونات البنزين تتراجع مع استمرار قوة الطلب

انخفضت مخزونات البنزين الأمريكية بمقدار 1.5 مليون برميل لتصل إلى 210.5 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين التي رجحت انخفاضاً قدره 760 ألف برميل.

 

وفي المقابل، تراجعت الكميات المجهزة من البنزين الجاهز للاستخدام، والتي تُعد مؤشراً رئيسياً على الطلب، بمقدار 1,000 برميل يومياً لتبلغ 8.84 مليون برميل يومياً.

تفاعل الأسواق مع البيانات الأمريكية

عقب صدور بيانات المخزونات، ارتفعت العقود الآجلة للبنزين الأمريكي إلى 3.25 دولار للغالون قبل أن تتخلى لاحقاً عن معظم مكاسبها.

 

كما سجلت عقود خام برنت، وعقود الخام الأمريكي، وعقود الديزل الأمريكي منخفض الكبريت تغيرات طفيفة، في ظل استمرار تقييم المستثمرين لتأثير التوترات الجيوسياسية والبيانات الأساسية على اتجاهات السوق.

الخاتمة

تواصل أسواق النفط التحرك تحت تأثير مزيج معقد من العوامل الجيوسياسية والأساسية، إذ أدت التطورات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة تسعير مخاطر الإمدادات العالمية، خصوصاً مع استمرار التهديدات التي تطال مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

 

وفي المقابل، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استمرار قوة الطلب المحلي على الوقود رغم تراجع المخزونات بوتيرة أقل من توقعات الأسواق، ما يعكس استمرار التوازن الدقيق بين عوامل العرض والطلب. ومن المرجح أن تبقى أسعار النفط خلال الفترة المقبلة رهينة للتطورات الأمنية في الشرق الأوسط، إضافة إلى مؤشرات الإنتاج والمخزونات واتجاهات الطلب العالمي.

تم التحديث في: الخميس, 16 تموز 2026 13:00
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول