أسعار النفط تواصل الهبوط مع تحسن تدفقات الخام عبر مضيق هرمز وتراجع المخاوف الجيوسياسية

شهدت أسعار النفط العالمية تراجعاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الثلاثاء، مواصلة خسائرها للجلسة الثانية على التوالي، في ظل تنامي التفاؤل بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية بعد إحراز تقدم في محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب مؤشرات متزايدة على عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية.

 

ويأتي هذا التراجع بعد فترة من التقلبات الحادة التي سيطرت على أسواق الطاقة العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، والتي أثارت مخاوف واسعة بشأن أمن الإمدادات النفطية وإمكانية تعطل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

انخفاض أسعار النفط للجلسة الثانية

تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.09 دولار، أو ما يعادل 1.4%، لتصل إلى 76.81 دولاراً للبرميل، فيما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 87 سنتاً، أو بنسبة 1.2%، إلى 72.99 دولاراً للبرميل.

 

ويعكس هذا الانخفاض استمرار الضغوط البيعية التي بدأت في الجلسة السابقة، حيث تعرضت أسعار النفط لموجة هبوط قوية بعد تغير توقعات المستثمرين بشأن مستقبل الإمدادات العالمية، خاصة مع تراجع المخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز واستمرار تدفق النفط من منطقة الخليج.

محادثات السلام الأمريكية الإيرانية تضغط على أسعار الخام

كان العامل الأكثر تأثيراً في تحركات السوق خلال الأيام الأخيرة هو التقدم الذي شهدته محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، حيث منحت واشنطن طهران إعفاءً مؤقتاً من بعض العقوبات لمدة 60 يوماً عقب الجولة الأولى من المفاوضات.

 

وأدى هذا التطور إلى تعزيز توقعات المستثمرين بإمكانية تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية مستقبلاً، الأمر الذي قد يضيف كميات جديدة إلى الأسواق العالمية ويخفف من مخاوف نقص الإمدادات.

 

كما ساهمت الأنباء المتعلقة بانخفاض حدة التوترات العسكرية في لبنان ضمن إطار تفاهمات إقليمية أوسع في تعزيز حالة التفاؤل داخل الأسواق، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار النفط التي فقدت جزءاً كبيراً من المكاسب التي حققتها خلال فترة التصعيد.

مضيق هرمز يعود إلى الواجهة

يظل مضيق هرمز أحد أهم العوامل المؤثرة في حركة أسواق النفط العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً حول العالم.

 

وخلال الأسابيع الماضية، أثارت التهديدات المتعلقة بإغلاق المضيق مخاوف واسعة لدى المستثمرين وشركات الطاقة، الأمر الذي دفع الأسعار إلى الارتفاع بفعل المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.

 

إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحسن ملحوظ في حركة الملاحة البحرية داخل المضيق، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن عبور ناقلتين تحملان نحو مليوني برميل من النفط الخام يوم الاثنين، وهو ما يمثل مؤشراً واضحاً على استعادة جزء كبير من التدفقات الطبيعية للخام.

 

ويُنظر إلى هذه التطورات على أنها رسالة طمأنة للأسواق العالمية بأن خطر تعطل الإمدادات قد تراجع بشكل كبير مقارنة بالفترة السابقة.

عودة الإمدادات تخفف المخاوف بشأن أمن الطاقة العالمي

يرى محللو بنك "آي إن جي" أن التحسن التدريجي في حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز يشكل عاملاً رئيسياً في الضغط على أسعار الخام خلال المرحلة الحالية.

 

وأشاروا إلى أن استئناف تدفقات النفط عبر الممر البحري الاستراتيجي يقلل من المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة العالمي، ويخفف من علاوات المخاطر التي كانت مضافة إلى الأسعار خلال فترة التوترات.

 

وعادة ما تتضمن أسعار النفط ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى الأسعار تحسباً لأي اضطرابات محتملة في الإمدادات. ومع تراجع احتمالات وقوع تلك الاضطرابات، تبدأ هذه العلاوة في الانحسار تدريجياً، ما ينعكس على شكل انخفاض في الأسعار.

الأسواق بين الحذر والتفاؤل

من جانبه، أوضح نيل كروسبي، رئيس الأبحاث في شركة سبارتا كوموديتيز، أن ارتفاع عدد السفن العابرة لمضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة يعكس تحسناً واضحاً في ظروف السوق.

 

وأضاف أن المستثمرين ينظرون إلى زيادة حركة الملاحة باعتبارها مؤشراً إيجابياً ليس فقط على صعيد الإمدادات النفطية، بل أيضاً على مستوى التقدم الدبلوماسي بين الأطراف المعنية.

 

وأشار إلى أن الأسواق لا تزال عالقة بين عاملين متناقضين:

أولاً: الحذر : ينبع من استمرار المخاطر الجيوسياسية وإمكانية عودة التوترات في أي لحظة.

ثانياً: التفاؤل : مدفوع بالتقدم السياسي وتحسن تدفقات النفط واستقرار حركة الملاحة البحرية.

ويرى أن هذه الحالة قد تستمر لفترة من الوقت إلى أن تظهر تطورات جديدة قادرة على تغيير التوازن الحالي في الأسواق.

شكوك حول استدامة الاتفاق بين واشنطن وطهران

ورغم التحسن النسبي في الأجواء السياسية، لا تزال الشكوك قائمة بشأن قدرة الطرفين على الحفاظ على الاتفاق الحالي.

 

فخلال عطلة نهاية الأسبوع، واجهت التفاهمات التي تم التوصل إليها تحديات جديدة بعدما لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية استئناف العمليات العسكرية إذا قامت إيران بأي خطوات من شأنها تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

 

وجاءت هذه التصريحات عقب إعلان طهران إغلاق المضيق الاستراتيجي لفترة مؤقتة، ما أثار مخاوف جديدة داخل الأسواق العالمية بشأن مستقبل الإمدادات النفطية.

 

وتعكس هذه التطورات هشاشة الوضع السياسي في المنطقة، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن يعيد أسعار النفط إلى مسار الارتفاع سريعاً.

استمرار المخاطر السياسية يدعم الأسعار على المدى المتوسط

قال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى شركة "كي سي إم تريد"، إن الأسواق ما زالت تتعامل بحذر شديد مع التطورات الحالية بسبب غياب الثقة الكاملة بين الولايات المتحدة وإيران.

 

وأوضح أن المستثمرين يدركون أن الخلافات التاريخية بين البلدين تجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي، الأمر الذي يدفع المتعاملين إلى عدم استبعاد سيناريو عودة التوترات مستقبلاً.

 

وأضاف أن أسعار النفط قد تحتاج إلى وقت أطول للعودة إلى المستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع الأزمة، خاصة إذا استمرت المخاطر السياسية والأمنية في المنطقة.

المخزونات الأمريكية تحت المجهر

إلى جانب التطورات الجيوسياسية، تراقب الأسواق عن كثب بيانات المخزونات النفطية الأمريكية، والتي تعد مؤشراً مهماً على توازن العرض والطلب في أكبر اقتصاد مستهلك للطاقة في العالم.

 

ويتوقع محللون استطلعت رويترز آراءهم انخفاض مخزونات النفط الخام الأمريكية خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع تراجع مخزونات البنزين والوقود المكرر.

 

وغالباً ما يشير انخفاض المخزونات إلى قوة الطلب أو محدودية الإمدادات، وهو ما يمكن أن يوفر دعماً للأسعار إذا استمر لفترة طويلة.

الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي عند أدنى مستوياته منذ 1983

أظهرت بيانات حكومية أمريكية أن حجم النفط المخزن في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي انخفض إلى 331.2 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.

 

ويمثل هذا المستوى أدنى حجم للاحتياطي الاستراتيجي منذ يونيو 1983، وهو ما يعكس الضغوط التي تعرضت لها الإمدادات خلال فترة الاضطرابات المرتبطة بالأزمة الأمريكية الإيرانية.

 

ويعد الاحتياطي النفطي الاستراتيجي أحد أهم أدوات الأمن الطاقوي في الولايات المتحدة، حيث يُستخدم لمواجهة أي اضطرابات حادة في الإمدادات أو ارتفاعات استثنائية في الأسعار.

ما الذي ينتظر سوق النفط خلال الفترة المقبلة؟

تواجه أسواق النفط حالياً مجموعة من العوامل المتضاربة التي تجعل اتجاه الأسعار غير محسوم بشكل كامل.

 

فعلى الجانب السلبي، تساهم عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، وتحسن الأوضاع السياسية، واحتمالات زيادة الإمدادات العالمية في الضغط على الأسعار.

 

أما على الجانب الإيجابي، فإن استمرار انخفاض المخزونات الأمريكية، وتراجع الاحتياطي الاستراتيجي، إضافة إلى بقاء المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، قد يوفر دعماً للأسعار ويحد من وتيرة التراجع.

 

وبناءً على هذه المعطيات، من المرجح أن تظل أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة خلال الأسابيع المقبلة، مع استمرار حالة الترقب والحذر بين المستثمرين في أسواق الطاقة العالمية.

تم التحديث في: الثلاثاء, 23 حزيران 2026 10:52
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول