أسعار النفط تتراجع مع بحث واشنطن وطهران اتفاقاً مرحلياً لفتح مضيق هرمز

تراجعت أسعار النفط في تعاملات اليوم، مع تنامي التوقعات بشأن إمكانية توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مرحلي من شأنه إعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة العالمية.

 

وجاء هذا التراجع بعد موجة صعود قوية دفعت أسعار الخام إلى الارتفاع بأكثر من 7% خلال يومين، في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة تترقب تطورات الصراع بين واشنطن وطهران وانعكاساته على إمدادات النفط والغاز وحركة الشحن في الشرق الأوسط.

 

وتحظى التطورات المرتبطة بمضيق هرمز بأهمية استثنائية بالنسبة إلى أسواق الطاقة، نظراً إلى الدور الذي يؤديه الممر في نقل الإمدادات النفطية والغازية من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، بينما تتزامن التطورات السياسية والعسكرية مع مؤشرات على شح في الأسواق الفعلية للنفط وارتفاع العلاوات السعرية على بعض الشحنات الفورية.

أسعار النفط اليوم تتراجع بعد مكاسب قوية

انخفضت أسعار النفط بعدما أفادت تقارير بأن مفاوضين أميركيين وإيرانيين يبحثون التوصل إلى اتفاق مرحلي يمكن أن تعيد طهران بموجبه فتح مضيق هرمز.

 

وتراجع سعر مزيج برنت القياسي العالمي إلى نحو 105 دولارات للبرميل، بعدما كان قد ارتفع بأكثر من 7% خلال اليومين السابقين، بينما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط دون مستوى 93 دولاراً للبرميل.

 

وفي أحدث تعاملات العقود الآجلة، تراجع سعر عقود مزيج برنت تسليم نوفمبر بنسبة 1.1% إلى 105.39 دولار للبرميل، في حين انخفضت العقود المستقبلية لخام غرب تكساس الوسيط تسليم نوفمبر بنسبة 1.9% إلى 92.85 دولار للبرميل.

اتفاق مرحلي محتمل بين الولايات المتحدة وإيران

كان البلدان، اللذان أخفقا في التوصل إلى اتفاقات مماثلة خلال الأشهر الماضية، يسعيان إلى تحقيق اختراق على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقاً لشخص مطلع على المناقشات.

 

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للصحفيين في نيويورك إن طهران قدمت إلى واشنطن مقترحاً جديداً لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، حال تلبية شروط معينة، بحسب ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز.

 

وتعكس هذه التطورات أهمية المسار الدبلوماسي في تحديد اتجاهات سوق النفط، إذ يمكن لأي اتفاق موثوق بشأن إعادة فتح المضيق أن يخفف المخاوف المتعلقة باضطراب الإمدادات وحركة الناقلات، في حين قد يؤدي تعثر المفاوضات أو تجدد الاضطرابات اللوجستية إلى إعادة فرض علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار الخام.

النفط يواجه أسبوعاً جديداً من التقلبات

شهدت أسواق النفط أسبوعاً آخر من التقلبات الحادة، مع اقتراب الصراع بين واشنطن وطهران من نهاية شهره السابع. وتأرجحت الأسعار بفعل مجموعة من الإشارات المتباينة بشأن آفاق الحرب، إلى جانب مؤشرات على زيادة تدفقات النفط من منطقة الشرق الأوسط، وتكهنات بشأن احتمال أن تحظر الولايات المتحدة صادرات الديزل.

 

وعلى الرغم من التراجع الأخير، لا يزال سعر خام برنت مرتفعاً بأكثر من 70% منذ بداية العام، وهو ما يزيد الضغوط التضخمية في الاقتصادات المستهلكة للطاقة.

 

وقال هاريس خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة كاروبار كابيتال (Karobaar Capital)، لـ"بلومبرغ"، إن برنت من المرجح أن يبقى في نطاق يتراوح بين 100 و110 دولارات للبرميل ما لم يحدث تغير جوهري.

 

وأضاف أن التوصل إلى اتفاق مرحلي موثوق قد يدفع الأسعار إلى ما دون مستوى 100 دولار مجدداً بوتيرة سريعة نسبياً، بينما قد يؤدي حدوث تعطل آخر في سلسلة التصدير أو الخدمات اللوجستية إلى إعادة طرح مستوى 120 دولاراً للبرميل في السوق.

مضيق هرمز في قلب أزمة أسواق الطاقة

لا يزال مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية، في قلب الحرب والتوترات الجيوسياسية الراهنة.

 

وأصرت طهران على أنها تتمتع بالسيطرة على الممر، الذي كانت تمر عبره في أوقات السلم نحو خُمس الإمدادات العالمية اليومية من النفط والغاز الطبيعي. وفي المقابل، قالت الولايات المتحدة إن وضع الممر يجب ألا يتغير، في الوقت الذي تفرض فيه حصاراً على الموانئ الإيرانية.

 

ويجعل هذا الموقع الاستراتيجي من أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في توقعات المعروض العالمي من الطاقة، كما يزيد من حساسية أسعار النفط تجاه التطورات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة.

واشنطن تبقي باب الحوار مفتوحاً

أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال منفتحاً على التحدث مع إيران، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى التفاوض، باعتبار أنها في موقف قوي نتيجة حملة العقوبات التي تفرضها والحصار.

 

وكان الرئيس الأميركي قد بدأ الحرب في أواخر فبراير، بشن هجوم مشترك مع إسرائيل، بهدف معلن هو إنهاء البرنامج النووي لطهران.

 

وقالت كارولين كيسان، العميدة المشاركة في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، في تصريح لـ"بلومبرغ"، إن الأشهر الستة الماضية شهدت كثيراً من التأرجح في الأسواق استجابة لتعليق أو عنوان إخباري يصدر من الولايات المتحدة أو إيران.

 

وأضافت أن السوق تريد في الوقت الراهن أن ترى تحركاً فعلياً وحقيقياً، في إشارة إلى أن التصريحات السياسية وحدها قد لا تكون كافية لتغيير توقعات المتعاملين بصورة مستدامة.

التطورات العسكرية تزيد مخاطر أسواق الطاقة

بالتزامن مع التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، أعلن المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، تركي المالكي، اعتراض وتدمير 6 صواريخ باليستية أطلقتها جماعة الحوثي في اليمن، مؤكداً أن الدفاعات الجوية أحبطت محاولة استهداف الطائف وينبع.

 

وأضاف المالكي، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس"، أن تصعيد وانتهاكات الميليشيات الحوثية الإرهابية سيتم التعامل معها بحزم.

 

وتأتي هذه التطورات العسكرية في سياق إقليمي يزيد من حساسية أسواق الطاقة تجاه أي تصعيد جديد، ولا سيما أن اضطرابات الملاحة أو البنية التحتية المرتبطة بالطاقة يمكن أن تؤثر في تكاليف النقل والتأمين وتوافر الإمدادات.

السعودية وباكستان وتركيا تبحث دعم المملكة

بالتزامن مع ذلك، بحث وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا، الخميس، الترتيبات الجارية لعقد اجتماع عاجل لرؤساء أركان الدول الثلاث، بهدف بحث سبل مساندة المملكة وفق "اتفاقية مكة للدفاع المشترك".

 

وتنص الاتفاقية، بحسب البيان، على أن أي هجوم خارجي مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً.

 

وجاء ذلك خلال اجتماع عقده وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في نيويورك مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وذلك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

إدانة الهجمات على السعودية

وأدان الوزراء "بأشد العبارات الاعتداءات الآثمة" التي استهدفت مكة المكرمة والمنشآت المدنية والاقتصادية في السعودية.

 

وأكد الوزراء حق المملكة في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة للدفاع عن أمنها، استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفق ما أوردته وزارة الخارجية السعودية.

 

وتضيف هذه التطورات بعداً إقليمياً آخر إلى المشهد الذي تراقبه أسواق النفط، في ظل ارتباط أمن منطقة الخليج واستقرار خطوط الملاحة والتصدير مباشرة بتوقعات المعروض النفطي العالمي.

شح في الأسواق الفعلية يدعم أسعار النفط

رغم التراجع في أسعار العقود الآجلة، تظهر في الأسواق الفعلية للنفط مؤشرات على شح حاد في المعروض.

 

ووفقاً لـ"بلومبرغ"، دفع المتعاملون علاوات سعرية قياسية يوم الخميس لتأمين براميل للتسليم الفوري في مركز التخزين الأميركي الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما.

 

وفي أوروبا، يجري تداول خام "برنت المؤرخ" (Dated Brent)، وهو معيار رئيسي لأسعار شحنات النفط المادية، بعلاوة كبيرة مقارنة بأسعار العقود الآجلة.

 

وتشير هذه التطورات إلى وجود اختلاف بين حركة الأسعار الآجلة وبعض مؤشرات السوق الفعلية، حيث تعكس العلاوات المرتفعة على الشحنات الفورية استمرار المخاوف بشأن توافر الإمدادات، حتى مع تراجع العقود الآجلة بفعل الآمال المرتبطة بالمسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.

السيناريوهات المحتملة لتحركات النفط

تظل أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة شديدة الحساسية للتطورات السياسية والعسكرية المتعلقة بالولايات المتحدة وإيران، إلى جانب حركة الإمدادات الفعلية عبر الشرق الأوسط.

الاتفاق المرحلي وإعادة فتح مضيق هرمز

يمكن لاتفاق مرحلي موثوق يؤدي إلى إعادة فتح المضيق أن يخفف علاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أقل من 100 دولار للبرميل، وفق تقديرات هاريس خورشيد.

تعطل الإمدادات أو الخدمات اللوجستية

في المقابل، فإن حدوث تعطل جديد في سلسلة التصدير أو الخدمات اللوجستية قد يعيد المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات إلى الواجهة، مع إمكانية إعادة اختبار مستوى 120 دولاراً للبرميل وفق التقدير نفسه.

استمرار حالة عدم اليقين

وفي ظل استمرار التباين بين التصريحات السياسية والتطورات الميدانية، قد تبقى السوق عرضة لتحركات حادة، خصوصاً أن برنت لا يزال مرتفعاً بأكثر من 70% منذ بداية العام، بينما تظهر مؤشرات على شح في بعض الأسواق الفعلية.

 

الخلاصة

تعكس حركة أسعار النفط الحالية تفاعل السوق مع مسارين متوازيين: الأول يتمثل في الجهود الأميركية والإيرانية للتوصل إلى اتفاق مرحلي قد يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، والثاني يتمثل في استمرار المخاطر العسكرية والجيوسياسية التي تهدد حركة الإمدادات والنقل في منطقة الشرق الأوسط.

 

وبينما أدى الحديث عن اتفاق محتمل إلى تراجع برنت إلى نحو 105 دولارات وخام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 93 دولاراً، فإن مؤشرات الشح في الأسواق الفعلية وارتفاع العلاوات على بعض الشحنات، إلى جانب استمرار التطورات العسكرية والإقليمية، تبقي سوق النفط أمام درجة مرتفعة من عدم اليقين.

 

وبالتالي، ستظل تصريحات واشنطن وطهران، ومسار المفاوضات، ووضع مضيق هرمز، وحركة صادرات النفط والإمدادات الفعلية، من أبرز العوامل المحددة لاتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.

تم التحديث في: الجمعة, 25 أيلول 2026 16:00
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول