أسعار النفط ترتفع وسط تمديد المفاوضات الأمريكية – الإيرانية وترقب تدفقات النفط الفنزويلي
سجلت أسعار النفط العالمية ارتفاعاً طفيفاً خلال تعاملات نهاية الأسبوع، مدفوعة بتطورات سياسية واقتصادية معقدة، في مقدمتها اتفاق الولايات المتحدة وإيران على تمديد المحادثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، إلى جانب متابعة الأسواق لتداعيات الزيادة المرتقبة في صادرات النفط الفنزويلي، والتي قد تُعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية خلال الأشهر المقبلة.
أداء أسعار النفط اليوم
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم شهر أبريل بنسبة 0.65% لتصل إلى 71.29 دولاراً للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.80% لتسجل 65.71 دولاراً للبرميل، وذلك بحلول الساعة 10:50 صباحاً بتوقيت تركيا، في تداولات عكست حالة من التذبذب والحذر في سلوك المستثمرين.
وعلى مدار شهر فبراير، تحرك الخامان الرئيسيان في نطاق ضيق يميل إلى التراجع الطفيف، حيث جرى تعويض المخاطر الجيوسياسية المتزايدة بعلامات واضحة على وفرة الإمدادات العالمية، إلى جانب تنامي المخاوف المرتبطة بضعف الطلب، لا سيما في ظل التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده بعض الاقتصادات الكبرى.
وعلى أساس أسبوعي، يتجه خام برنت لتسجيل خسارة تقارب 1.8%، فيما يُتوقع أن ينخفض خام غرب تكساس الوسيط بنحو 2.2%، ما يؤدي إلى محو جزء معتبر من المكاسب التي حققها السوق خلال الأسبوع الماضي، ويعكس حالة الحذر التي تسود أوساط المتداولين.
وفي هذا السياق، قالت جون غو، كبيرة المحللين لدى شركة سبارتا كوموديتيز، إن الأسواق تتبنى نهج الترقب والحذر قبيل عطلة نهاية الأسبوع، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران من جهة، واقتراب موعد اجتماع تحالف أوبك+ مع تزايد التوقعات بإقرار زيادات جديدة في مستويات الإنتاج من جهة أخرى.
من جانبه، أوضح دانيال هاينز، المحلل لدى إيه إن زد، أن التقدم في المحادثات الأمريكية – الإيرانية خفف من مخاوف اندلاع عمل عسكري أميركي وشيك، لكنه في الوقت نفسه يضع ضغوطاً زمنية كبيرة على الطرفين، نظراً لضيق المهلة المحددة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تمتد بين 1 و6 مارس 2026، للوصول إلى اتفاق نهائي.
محادثات واشنطن وطهران: انفراجة حذرة بلا اتفاق نهائي
اختتمت الولايات المتحدة وإيران، يوم الخميس، جولة جديدة من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني دون التوصل إلى اتفاق واضح أو حاسم.
إلا أن الطرفين أبديا استعداداً لاستئناف الحوار خلال الفترة القريبة المقبلة، مع تحديد موعد لعقد اجتماعات فنية على مستوى الخبراء الأسبوع القادم في العاصمة النمساوية فيينا، وذلك برعاية سلطنة عمان التي تضطلع بدور الوسيط في هذه المفاوضات المعقدة.
وكانت التوترات المرتبطة بإيران أحد أبرز المحركات الرئيسية لأسعار النفط خلال فبراير، خاصة في ظل قيام الولايات المتحدة بحشد قوات عسكرية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، وتهديدها باتخاذ إجراءات تصعيدية في حال عدم قبول طهران باتفاق جديد يحد من طموحاتها النووية.
مضيق هرمز في صدارة المخاطر الجيوسياسية
وفي مذكرة بحثية، أشار محللو بنك ANZ إلى أن نتائج المحادثات الجارية قد تقود إلى سيناريوهين متناقضين في سوق الطاقة، إذ يمكن أن تنخفض الإمدادات العالمية بما يصل إلى 10 ملايين برميل يومياً في حال تصاعد التوترات، أو ترتفع بنحو مليون برميل يومياً إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل يخفف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
وأضاف المحللون أن مضيق هرمز يمثل محور التركيز الأساسي للأسواق، نظراً لدوره الحيوي في حركة الشحن العالمية للطاقة. وأكدوا أن أي اضطراب غير مستدام في الإمدادات عبر هذا الممر الاستراتيجي سيؤدي غالباً إلى ارتفاعات مؤقتة في الأسعار فقط، في ظل استعداد منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) لضخ كميات إضافية لتعويض أي نقص محتمل.
ويُعد مضيق هرمز واحداً من أهم ممرات شحن النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط القادمة من دول الخليج. وتسيطر إيران على الساحل الشمالي للمضيق، ما يجعل أي صراع واسع النطاق معها تهديداً مباشراً لتدفقات الطاقة العالمية.
عودة النفط الفنزويلي: عامل ضغط إضافي على الأسعار
بالتوازي مع التطورات الجيوسياسية، تترقب الأسواق تأثير الزيادة المتوقعة في صادرات النفط الفنزويلي، عقب اتفاق إمداد حديث بين الولايات المتحدة وفنزويلا، من المتوقع أن تبلغ قيمته نحو 2 مليار دولار بحلول نهاية فبراير، وفق تصريحات مسؤولين أمريكيين.
ويأتي هذا التطور بعد أن فرضت واشنطن سيطرتها على قطاع النفط الفنزويلي في مطلع العام الجاري، عقب إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو من قبل القوات الأمريكية، في خطوة أحدثت تحولات جذرية في المشهد السياسي والاقتصادي للبلاد.
ومنذ ذلك الحين، كثفت فنزويلا جهودها لزيادة الإنتاج المحلي، بالتعاون مع شركات تداول عالمية كبرى مثل Vitol وTrafigura، اللتين تتوليان تسويق الجزء الأكبر من النفط الفنزويلي. ومن المقرر أن تصل شحنات كبيرة من هذا النفط إلى عدد من المشترين في آسيا وأوروبا، بما في ذلك الهند، أكبر مستهلكي النفط في آسيا، خلال الأسابيع المقبلة.
وتُعد عودة فنزويلا بقوة إلى سوق النفط العالمية عاملاً ضاغطاً على الأسعار، إذ تمثل زيادة حادة في المعروض العالمي، وهو ما قد يُعمق المخاوف من فائض الإمدادات خلال عام 2026، وهي المخاوف التي شكلت بالفعل عبئاً كبيراً على أسعار الخام في الأشهر الأخيرة.
تحركات أوبك+ والسعودية لتوازن السوق
وفي محاولة لاحتواء تداعيات أي صدمات محتملة في الإمدادات، تعمل السعودية على رفع إنتاجها وصادراتها النفطية ضمن خطة احترازية مدروسة، بحسب ما أفاد به مصدران مطلعان لوكالة رويترز، وذلك لضمان استقرار السوق وتفادي أي تقلبات حادة في الأسعار.
وفي الوقت ذاته، من المرتقب أن يناقش تحالف أوبك+ خلال اجتماعه المقرر في 1 مارس إمكانية زيادة إنتاج النفط بنحو 137 ألف برميل يومياً لشهر أبريل، وذلك بعد تعليق الزيادات الإنتاجية خلال الربع الأول من العام، في خطوة تعكس سعي التحالف لتحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وتلبية الطلب العالمي.
خلاصة المشهد: توازن هش بين السياسة والاقتصاد
في المحصلة، تقف أسواق النفط العالمية أمام مزيج معقد من العوامل السياسية والاقتصادية، حيث تتقاطع تطورات الملف النووي الإيراني، وعودة النفط الفنزويلي، وقرارات تحالف أوبك+، لتشكل معاً معادلة دقيقة تحكم اتجاهات الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وبينما تظل المخاطر الجيوسياسية عاملاً داعماً للأسعار، فإن وفرة الإمدادات والمخاوف بشأن الطلب العالمي تفرض ضغوطاً معاكسة، ما يرجح استمرار التقلبات في نطاق واسع خلال الأسابيع القادمة.