أسعار النفط تتجه نحو أكبر مكاسب شهرية منذ مارس وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق
تواصل أسواق النفط العالمية التحرك تحت تأثير التطورات الجيوسياسية المتسارعة، حيث تتجه الأسعار لتسجيل أكبر مكاسب شهرية منذ شهر مارس، رغم تعرضها لتقلبات حادة خلال الأسبوع الأخير.
ويأتي هذا الأداء القوي مدفوعاً بتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية، إلى جانب الاضطرابات في أهم ممرات نقل الطاقة، وهو ما عزز حالة الترقب بين المستثمرين والمتعاملين في الأسواق.
أداء أسعار النفط اليوم
انخفضت أسعار النفط بشكل طفيف في ختام أسبوع اتسم بتقلبات واسعة، إلا أنها بقيت على مسار تحقيق أكبر مكسب شهري منذ مارس، مدعومة بتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما نتج عنها من ارتفاع في علاوات المخاطر الجيوسياسية.
وتداول خام برنت بالقرب من مستوى 88 دولاراً للبرميل، بعدما تحرك ضمن نطاق سعري واسع بلغ نحو 11 دولاراً خلال الأسبوع الجاري، في حين ارتفع الخام القياسي العالمي بأكثر من 20% منذ بداية شهر يوليو.
في المقابل، استقر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي عند مستويات تقل عن 83 دولاراً للبرميل، مواصلاً الاستفادة من تحسن المعنويات في سوق الطاقة رغم التذبذب المستمر.
الحرب الأمريكية الإيرانية ترفع مستوى المخاطر في أسواق الطاقة
واصلت الولايات المتحدة وإيران تبادل الضربات العسكرية يوم الخميس، في تطور يعكس استمرار التصعيد بين الطرفين ويزيد من حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق العالمية.
ورغم استمرار التوترات، أظهرت البيانات أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شهدت تحسناً خلال الأيام الأخيرة، وهو ما خفف جزئياً من المخاوف المرتبطة بتعطل أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط في العالم.
وفي سياق متصل، أعلنت المملكة العربية السعودية إطلاق مبادرة بالتعاون مع ممثلي 43 دولة لتشكيل تحالف يهدف إلى حماية الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومحيطه، في خطوة تستهدف تعزيز أمن طرق التجارة والطاقة العالمية.
يوليو يشهد قفزة قوية في أسواق الطاقة
حققت أسواق الطاقة أداءً قوياً خلال شهر يوليو، حيث سجلت أسعار النفط مكاسب مكونة من خانتين، كما ارتفعت أسعار المنتجات النفطية، وعلى رأسها الديزل، بنسب ملحوظة.
ويعكس هذا الأداء استمرار المخاوف المتعلقة بالإمدادات العالمية، إلى جانب تنامي علاوات المخاطر الناتجة عن التوترات الجيوسياسية.
تطورات الحرب توسع دائرة المخاطر على الإمدادات العالمية
شهد شهر يوليو سلسلة من التطورات العسكرية التي زادت من حدة المخاطر في أسواق الطاقة.
فقد انهارت الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران، وانضم الحوثيون المتمركزون في اليمن إلى ساحة المواجهة، في الوقت الذي نفذت فيه القوات السعودية ضربات محددة استهدفت جماعات مدعومة من إيران داخل العراق.
وفي الوقت ذاته، واصلت المخزونات النفطية الأمريكية تسجيل انخفاضات متتالية، وهو ما عزز المخاوف المتعلقة بتوازن العرض والطلب في السوق العالمية.
إدارة ترمب أمام خيارات صعبة بشأن مستقبل الصراع
بعد أن بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإسرائيل الحرب في أواخر فبراير بهدف مواجهة البرنامج النووي الإيراني، يجد نفسه مجدداً أمام معضلة استراتيجية تتمثل في الاختيار بين تصعيد الصراع رداً على الهجمات الإيرانية التي استهدفت أصولاً أمريكية، أو التركيز على احتواء التوترات للحيلولة دون اضطراب أسواق الطاقة العالمية بصورة أكبر.
ويترقب المستثمرون المسار الذي ستتخذه الإدارة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، نظراً لما يحمله أي قرار من تأثيرات مباشرة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي.
خبراء: الأسواق تترقب مسار التصعيد العسكري
نقلت وكالة بلومبرغ عن كارولين كيسان، العميدة المشاركة في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، قولها:
"إنها حالة ترقب حقيقية لمعرفة ما إذا كان الصراع سيتوسع، وما إذا كانت الولايات المتحدة سترد بالطريقة التي يهدد بها ترمب، أم أن الأمر سيكون نوعاً من تبادل الضربات، ولكن على نطاق أصغر نسبياً".
وتعكس هذه التصريحات حجم الضبابية التي تسيطر على الأسواق، حيث يراقب المستثمرون أي مؤشرات قد تحدد اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.
اضطرابات البحر الأسود تضيف ضغوطاً جديدة على الإمدادات
بعيداً عن الشرق الأوسط، يواصل المتعاملون في أسواق الطاقة متابعة التطورات في منطقة البحر الأسود، حيث تتزايد المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات.
وتوقفت عمليات التحميل في المحطة الحيوية لصادرات النفط الخام الكازاخستاني مرة أخرى خلال الأسبوع الجاري، عقب تعرض ناقلات جديدة لهجمات.
كما تعرضت تسع سفن لهجمات أثناء وجودها في منشأة اتحاد خط أنابيب بحر قزوين أو خلال توجهها إليها منذ بداية الشهر، وهو أعلى عدد من الهجمات يسجل منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022.
صندوق النقد الدولي يحذر من مخاطر ركود عالمي
حذر صندوق النقد الدولي من استمرار خطر تعرض الاقتصاد العالمي لركود إذا أدت صدمة أسعار النفط في الشرق الأوسط إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة.
ورغم ذلك، ترى المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا أن تأثير هذه الصدمة سيكون محدوداً إذا جرى إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة قريبة، وهو ما قد يسهم في تهدئة الضغوط على أسواق النفط العالمية.
نتائج الشركات الكبرى تحت أنظار المستثمرين
على صعيد الشركات، من المنتظر أن تعلن شركتا الطاقة الأمريكيتان العملاقتان شيفرون وإكسون موبيل هولدينغز نتائجهما المالية في وقت لاحق من يوم الجمعة.
ومن المتوقع أن تشكل هذه النتائج منصة مهمة لكبار المسؤولين التنفيذيين لاستعراض رؤيتهم بشأن تطورات سوق النفط، ومستقبل الإمدادات، وآفاق القطاع خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، أعلنت شركة شل يوم الخميس تحقيق ثاني أعلى أرباح فصلية في تاريخها، مدفوعة بالانتعاش الكبير في أنشطة التداول والتكرير، والذي جاء نتيجة تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وما صاحبه من ارتفاع كبير في الطلب على خدمات الطاقة.
ما الذي يدعم أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة؟
تشير التطورات الحالية إلى أن أسعار النفط ستظل رهينة للمستجدات الجيوسياسية، خاصة في ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والمخاطر المحيطة بمضيق هرمز، والتوترات في البحر الأسود، إضافة إلى تراجع المخزونات الأمريكية.
كما ستلعب نتائج شركات الطاقة الكبرى، ومسار السياسة الأمريكية، وأمن الملاحة البحرية، دوراً محورياً في تحديد اتجاهات الأسعار خلال الأسابيع المقبلة.
خاتمة
تؤكد التحركات الأخيرة في أسواق النفط أن العوامل الجيوسياسية أصبحت المحرك الرئيسي للأسعار خلال المرحلة الحالية، بعدما دفعت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، واضطرابات الإمدادات، والمخاطر التي تهدد طرق التجارة العالمية، الخام إلى تحقيق أكبر مكاسب شهرية منذ مارس.
ومع استمرار حالة الترقب بشأن مستقبل الصراع وتداعياته على الاقتصاد العالمي، ستظل أسواق الطاقة عرضة لتقلبات مرتفعة، بينما يواصل المستثمرون مراقبة التطورات العسكرية ونتائج شركات الطاقة الكبرى بحثاً عن مؤشرات ترسم ملامح المرحلة المقبلة.