تراجع حاد لأسعار الفضة بعد موجة صعود تاريخية وتأجيل الرسوم الأميركية

شهدت أسعار الفضة تراجعاً حاداً وقوياً، بعد موجة صعود خاطفة دفعت المعدن الأبيض إلى تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة، قبل أن تنقلب المعنويات سريعاً بفعل عمليات جني أرباح واسعة، وتراجع المخاوف المتعلقة بفرض رسوم جمركية أميركية على واردات المعادن الحيوية.

 

وانخفضت الفضة بشكل ملحوظ مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص مراكزهم، عقب قفزة قوية اعتُبرت مبالغاً فيها على المدى القصير، إلى جانب إحجام الولايات المتحدة في الوقت الراهن عن فرض رسوم جمركية جديدة على واردات المعادن الأساسية، وفي مقدمتها الفضة والبلاتين والبلاديوم.

أداء أسعار الفضة اليوم

خلال تداولات يوم الخميس، هبط المعدن الأبيض بنسبة وصلت إلى 7.3% في ذروة التراجع، قبل أن يقلّص جزءاً من خسائره لاحقاً ليستقر الانخفاض عند نحو 5%.

 

وجاء هذا التراجع بعدما كانت الفضة قد سجلت في وقت سابق أعلى مستوى في تاريخها عند 93.7515 دولاراً للأوقية، عقب ارتفاع تجاوز 20% خلال أربع جلسات تداول فقط، في واحدة من أسرع موجات الصعود التي شهدها السوق.

 

هذا التراجع الحاد عكس قناعة متزايدة لدى المتعاملين بأن الأسعار بلغت مستويات مرتفعة بشكل مبالغ فيه على المدى القصير، ما دفعهم إلى تسريع عمليات جني الأرباح والخروج من المراكز المفتوحة، في ظل بيئة تتسم بتقلبات حادة.

تراجع المخاوف الجمركية يضغط على الأسعار

وجاءت الضغوط الإضافية على أسعار الفضة بعد هدوء المخاوف المتعلقة بفرض رسوم جمركية أميركية على المعادن الحيوية، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده ستتجه إلى التفاوض على اتفاقيات ثنائية تهدف إلى ضمان توافر إمدادات كافية من هذه المعادن، بدلاً من فرض رسوم مباشرة في المرحلة الحالية.

 

كما طرح ترمب فكرة اعتماد حدود دنيا للأسعار على الواردات، عوضاً عن الاكتفاء بالرسوم الجمركية القائمة على النسب المئوية، في إطار مساعٍ لتطوير سلاسل الإمداد الاستراتيجية. ورغم ذلك، لم يستبعد الرئيس الأميركي فرض رسوم في المستقبل، وفقاً لبيان صدر في وقت متأخر من يوم الأربعاء، ما أبقى باب عدم اليقين مفتوحاً أمام الأسواق.

نهج انتقائي يهدئ الأسواق

وفي هذا السياق، كتب دانيال غالي، كبير استراتيجيي السلع في شركة "تي دي سيكيوريتيز"، في مذكرة تحليلية أن هذه التطورات تشير إلى أن الإدارة الأميركية ستتبنى نهجاً أكثر دقة وانتقائية في قراراتها المقبلة، بدلاً من اعتماد مقاربة شاملة وواسعة النطاق.

 

وأضاف غالي أن هذا التوجه يخفف بشكل كبير من المخاوف التي كانت قائمة بشأن فرض إجراءات عامة قد تؤثر بشكل غير مقصود في السبائك الأساسية التي تقوم عليها أسعار المعادن القياسية، وهو ما ساهم في تهدئة المخاوف التي غذّت موجة الصعود القوية في وقت سابق.

موجة صعود واسعة سبقتها اضطرابات جيوسياسية

وكانت موجة صعود قوية قد اجتاحت أسواق المعادن خلال الأيام الماضية، دفعت أسعار الفضة والذهب إلى تسجيل قمم جديدة، إلى جانب ارتفاع النحاس والقصدير، في ظل إقبال المستثمرين على الأصول الملموسة كوسيلة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بقيود الإمدادات.

 

كما عززت عمليات شراء مكثفة في كل من الصين والولايات المتحدة، إلى جانب توجه أوسع نحو السلع الأساسية، الطلب على المعادن، وأسهمت في تسريع وتيرة الارتفاعات التي شهدتها الأسواق.

تقلبات فنية حادة تهيمن على السوق

وعلى مدار الأسابيع الأخيرة، شهدت الفضة تقلبات غير مسبوقة، إذ ارتفع متوسط النطاق الحقيقي لأجل 14 يوماً، وهو مؤشر فني يعكس مستوى التذبذب في السوق، ما يدل على حالة عدم الاستقرار التي طغت على حركة الأسعار.

 

ويُعزى جزء كبير من هذه التقلبات إلى عوامل فنية بحتة، أكثر من ارتباطها بمحركات أساسية تتعلق بالعرض والطلب الفعليين، وفقاً لمحللين في أسواق السلع.

 

وفي هذا الإطار، قال أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في "ساكسو بنك"، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الكثير مما يراه المتداولون على شاشات التداول يعكس تدفقات قسرية، وديناميكيات الهامش، والتحوط عبر عقود الخيارات، وتغطية المراكز المدينة، أكثر مما يعكس تسعيراً حقيقياً قائماً على أسس العرض والطلب.

 

وأضاف أن المستويات الفنية في مثل هذه البيئات تفقد موثوقيتها بسرعة، وتُفعّل أوامر وقف الخسارة بسهولة، وحتى الرؤى الاقتصادية الكلية الصحيحة تجد صعوبة في الصمود أمام الضوضاء قصيرة الأجل التي تهيمن على السوق.

عوامل سياسية تدعم المعادن النفيسة

وعلى الرغم من التراجع الأخير، لا تزال بعض العوامل السياسية والجيوسياسية تقدم دعماً نسبياً للمعادن النفيسة، إذ أسهمت التهديدات المتجددة من ترمب تجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إحياء تداولات "بيع الأصول الأميركية"، ما عزز جاذبية الذهب والفضة كملاذات آمنة.

 

كما ساهمت تطورات أخرى، من بينها إلقاء القبض على رئيس فنزويلا، وتهديدات ترمب المتكررة بالسيطرة على غرينلاند، إضافة إلى الوضع الهش في إيران، في زيادة الطلب على الأصول الآمنة، وإن لم يكن ذلك كافياً لوقف موجة التصحيح الأخيرة في أسعار الفضة.

ترقب نتائج تحقيقات وزارة التجارة الأميركية

في الوقت نفسه، كان المتداولون يترقبون نتائج تحقيق تجريه وزارة التجارة الأميركية حول ما إذا كانت واردات الفضة والمعادن الحيوية الأخرى تشكل تهديداً للأمن القومي. وجاء قرار تأجيل فرض الرسوم ليعزز التوقعات بأن الإدارة الأميركية ستتبع مساراً أكثر توازناً وانتقائية، ما خفف من المخاوف المرتبطة بإجراءات واسعة قد تؤثر في السوق الفعلية للمعادن المرجعية.

 

بحلول الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت سنغافورة، انخفضت أسعار الفضة بنسبة 6% لتصل إلى 87.7795 دولاراً للأونصة، في حين تراجع الذهب بنسبة 0.7% إلى 4591.51 دولاراً للأونصة. كما انخفضت أسعار البلاتين والبلاديوم بأكثر من 2%، بينما استقر مؤشر بلومبرغ لقوة الدولار دون تغير يُذكر.

آفاق المعادن في المرحلة المقبلة

ووفقاً لأحدث استطلاع أجرته "ماركتس بالس"، لا تزال موجة صعود الذهب مرشحة للاستمرار إلى ما بعد شهر يناير، في حين تظهر مؤشرات على تراجع التدفقات الاستثمارية إلى الفضة والنحاس، رغم تسجيلهما مستويات سعرية مماثلة في الفترة الأخيرة.

 

ويعكس ذلك توجهاً متزايداً لدى المستثمرين لإعادة تقييم مدى استدامة قيود الإمدادات، ومدى قدرة هذه العوامل على دعم الأسعار المرتفعة، في ظل بيئة عالمية تتسم بتقلبات سياسية واقتصادية حادة، وتغير مستمر في شهية المخاطر.

تم التحديث في: الخميس, 15 كانون الثاني 2026 11:51
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول