أسعار الفضة تتجاوز 90 دولاراً للمرة الأولى في تاريخها وسط زخم غير مسبوق للمعادن النفيسة

شهدت أسواق المعادن النفيسة تطوراً تاريخياً لافتاً بعدما تجاوزت أسعار الفضة مستوى 90 دولاراً للأونصة للمرة الأولى في تاريخها، في إنجاز يعكس تحولات عميقة في المشهد الاقتصادي والنقدي العالمي.

 

وجاء هذا الارتفاع الاستثنائي في وقت اقتربت فيه أسعار الذهب من تسجيل قمة تاريخية جديدة، مدفوعة بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تصاعد الضغوط السياسية على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وتزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة، إضافة إلى تفاقم التوترات الجيوسياسية في عدة مناطق حول العالم.

 

وقد أضافت هذه العوامل مجتمعة زخماً قوياً لموجة الصعود الحالية التي تشهدها المعادن النفيسة، في ظل بحث المستثمرين عن أدوات تحوط فعالة لحماية رؤوس أموالهم من المخاطر السياسية والاقتصادية المتزايدة.

أداء أسعار الفضة اليوم

ارتفع المعدن الأبيض بنسبة وصلت إلى 5.3% خلال تعاملات اليوم الأربعاء، ليلامس مستوى 91.5535 دولاراً للأونصة، في حركة تعكس قوة غير مسبوقة في الطلب على الفضة، سواء من قبل المستثمرين أو القطاعات الصناعية.

 

وقد أسهم الطلب الصناعي القوي، لا سيما من قطاعات الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، والتكنولوجيا المتقدمة، في تعزيز مكاسب الفضة، إلى جانب التدفقات المتزايدة نحو الملاذات الآمنة في ظل حالة عدم اليقين العالمية.

 

ويُنظر إلى الفضة حالياً على أنها تجمع بين خصائص المعدن الصناعي والأصل التحوطي، ما منحها أفضلية نسبية مقارنة ببقية المعادن النفيسة.

 

في موازاة ذلك، جرى تداول الذهب عند مستويات تقل بنحو 10 دولارات فقط عن أعلى مستوى تاريخي له، في إشارة واضحة إلى استمرار الزخم الصعودي للمعدن الأصفر. ويعكس هذا الأداء القوي تنامي القلق في الأسواق بشأن مستقبل السياسة النقدية الأميركية واستقلالية البنك المركزي، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة.

البلاتين يسجل مكاسب قوية ويقترب من مستوياته القياسية

لم تقتصر موجة الارتفاع على الذهب والفضة، إذ سجل البلاتين مكاسب ملحوظة بلغت نحو 4%، ليصل إلى 2,415.21 دولاراً للأونصة، مقترباً من المستويات القياسية التي كان قد سجلها خلال الشهر الماضي. ويأتي هذا الصعود مدعوماً بتحسن الطلب الصناعي، لا سيما من قطاع السيارات، إلى جانب محدودية المعروض العالمي.

بيانات التضخم الأميركية تعزز رهانات خفض الفائدة

تلقت أسعار المعادن النفيسة دعماً إضافياً من بيانات التضخم الأميركية التي جاءت أقل من التوقعات، ما عزز الرهانات على توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

 

وأظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأساسي الصادرة يوم الثلاثاء ارتفاعاً بنسبة 0.2% خلال شهر ديسمبر، وبنسبة 2.6% على أساس سنوي، وهي قراءات أقل من توقعات الأسواق. ونتيجة لذلك، باتت الأسواق تُسعّر حالياً احتمال تنفيذ خفضين لأسعار الفائدة خلال عام 2026.

 

وفي هذا السياق، أشار محللو بنك ING إلى أن:

 

"تنفيذ خفضين لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي يبدو أمراً واقعياً تماماً، مع وجود مخاطر تميل نحو خفض ثالث في حال استمرار تباطؤ سوق العمل."

ومن المعروف أن انخفاض أسعار الفائدة يعزز جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، مثل الذهب والفضة، عبر تقليص تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بها مقارنة بالأدوات المالية الأخرى.

الاضطرابات في إيران تزيد الطلب على الذهب

على الصعيد الجيوسياسي، واصلت التطورات في إيران لعب دور محوري في دعم الطلب على المعادن النفيسة، مع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والتي أفادت تقارير بأنها أسفرت عن مقتل نحو 2,000 شخص.

 

وقد أثارت هذه الأحداث مخاوف واسعة من احتمال توسع حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية وسياسية عالمية.

 

وقد دفعت هذه التطورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إطلاق تحذيرات شديدة اللهجة، شملت التلويح باتخاذ إجراءات عسكرية محتملة، إلى جانب التهديد بفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران.

 

كما دعا ترامب المتظاهرين الإيرانيين إلى تكثيف الضغط على قيادتهم السياسية، مشيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى ضرورة "السيطرة على المؤسسات"، ومؤكداً أن "المساعدة في طريقها إليكم"، في تصريحات زادت من حالة التوتر وعدم اليقين في الأسواق العالمية.

مخاوف حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي

من العوامل الجوهرية التي دعمت أسعار الذهب أيضاً، تصاعد المخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعد إعلان إدارة ترامب فتح تحقيق جنائي يتعلق برئيس المجلس جيروم باول.

 

ورغم القلق الذي أثاره هذا الإعلان بين المستثمرين، فقد سارع عدد من رؤساء البنوك المركزية العالمية والمديرين التنفيذيين في كبرى المؤسسات المصرفية إلى إعلان دعمهم العلني لباول، مؤكدين أن استقلالية السياسة النقدية تُعد ركناً أساسياً لاستقرار النظام المالي العالمي.

 

وفي هذا الإطار، أكد الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان تشيس، جيمي ديمون، أن التدخل السياسي في عمل الاحتياطي الفيدرالي قد يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة، سواء على مستوى الأسواق أو الاقتصاد الأميركي ككل.

بداية قوية للمعادن النفيسة في 2026

دخلت المعادن النفيسة عام 2026 بزخم قوي، بعد عام حافل بالمكاسب، في ظل عودة المخاوف المرتبطة بالسياسة النقدية، وتزايد الشكوك حول مستقبل استقلالية البنوك المركزية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية على أكثر من جبهة.

 

كما تلقّى الطلب على الملاذات الآمنة دعماً إضافياً من إقدام الولايات المتحدة على اعتقال رئيس فنزويلا، إلى جانب تجديد التهديدات الأميركية بشأن السيطرة على غرينلاند، فضلاً عن الاحتجاجات العنيفة في إيران، والتي قد تفتح الباب أمام تغييرات سياسية كبرى في المنطقة.

توقعات قياسية لأسعار الذهب والفضة

وفي ظل هذه البيئة المضطربة، رفع محللو سيتي غروب توقعاتهم لأسعار المعادن النفيسة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، متوقعين وصول أسعار الذهب إلى 5,000 دولار للأونصة، وأسعار الفضة إلى 100 دولار للأونصة.

 

وكانت الفضة قد تفوقت على الذهب خلال العام الماضي، بعدما قفزت بنحو 150%، بدعم من موجة ضغط شراء قوية في شهر أكتوبر، إلى جانب استمرار شح الإمدادات في سوق لندن.

 

ويترقب المستثمرون حالياً نتائج التحقيق الأميركي بموجب المادة 232، والذي قد يؤدي إلى فرض رسوم جمركية على واردات الفضة. وقد أسهم القلق من هذه الرسوم المحتملة في تجميد كميات كبيرة من المعدن داخل المستودعات الأميركية، ما تسبب في تراجع المخزونات العالمية، وزاد من حدة الضغوط الصعودية على الأسعار.

تم التحديث في: الأربعاء, 14 كانون الثاني 2026 11:48
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول