شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. ماذا يعني وما تداعياته الاقتصادية والسياسية المرتقبة ؟

يمثل قرار الولايات المتحدة البدء بإجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحولاً سياسياً واقتصادياً بالغ الأهمية، بعد أكثر من أربعة عقود من إدراجها ضمن هذه القائمة.

 

ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تمهيداً لتخفيف القيود القانونية والمالية التي فرضتها واشنطن على دمشق، بما قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية جديدة، وإعادة دمج الاقتصاد السوري تدريجياً في النظام المالي العالمي.

 

وجاء الإعلان بعد أن أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره السوري أحمد الشرع بقرار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تحمل انعكاسات مباشرة على مستقبل العقوبات والعلاقات الاقتصادية بين البلدين.

رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب

أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، الرئيس السوري أحمد الشرع بأنه قرر رفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب وقال ترمب في رسالة إلى الشرع :

 

"لقد وعدت بإزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم، وقريباً جداً ستتمكنون أخيراً من القيام بذلك."

وأضاف في الرسالة، التي أكد مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أنها سُلّمت إلى الشرع عقب اجتماعهما في أنقرة:

 

"لدينا شركات أميركية مستعدة للاستثمار في سوريا والمساعدة في جعل بلدكم أعظم وأكثر ازدهاراً من أي وقت مضى."

كما أوضح ترمب أنه أبلغ الكونغرس الأميركي بالقرار، والذي سيخضع الآن لفترة مراجعة تستمر 45 يوماً قبل أن يصبح نافذاً بشكل رسمي.

 

وبحسب الإجراءات الأمريكية المعتمدة، يتعين على الرئيس تقديم إقرار إلى الكونغرس يفيد بأن الحكومة المعنية لم تقدم دعما للإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، مع ضمانات بعدم القيام بذلك مستقبلا، أو إثبات حدوث تغيير جوهري في قيادة الدولة وسياساتها.

 

ويخضع القرار بعد ذلك لمراجعة إلزامية من الكونغرس لمدة 45 يوما، على أن يصبح نافذا في حال انقضاء هذه المدة من دون تسجيل اعتراضات تعرقل عملية الشطب.

 

من جانبه، قال وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني في تغريدة له على منصة إكس "أغلقنا صفحة سوداء في تاريخ سوريا برفع التصنيف الذي فرض عليها بسبب سياسات النظام البائد 1979"

 

ضمن توجيهات فخامة رئيس الجمهورية أحمد الشرع، أغلقنا صفحة سوداء في تاريخ سوريا برفع التصنيف الذي فرض عليها بسبب سياسات النظام البائد 1979 كل الشكر والتقدير للولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب على هذا القرار، ولصديقي وزير الخارجية ماركو روبيو وللسفير العزيز توم باراك ولكل من وقف إلى جانب سوريا.
 
 
بدوره، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو -في بيان- بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، قائلا إن هذا القرار يأتي "بعد الضمانات الرسمية التي قدمها الرئيس الشرع بأن سوريا لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل".

وقال روبيو إن هذا القرار يأتي نظرا "للتغييرات الإيجابية" و"إجراءات مكافحة الإرهاب" التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس الشرع.
 

واعتبر وزير الخارجية الأمريكي أن رفع العقوبات من شأنه فتح باب التجارة والاستثمار الدولييْن ومنح سوريا فرصة للإعمار، معتبرا أن هذا الإجراء خطوة تاريخية أخرى يتخذها ترمب لتمكين السوريين من "تحقيق العظمة".

 

وبينما أشاد بالحكومة السورية "لتبنيها مسارا جديدا"، معربا عن تطلع واشنطن إلى تعزيز شراكتها مع دمشق وشعبها؛ رأى روبيو أن هذا اليوم يمثل محطة مهمة في العلاقات الثنائية المتجددة بين البلدين وفي تاريخ سوريا كدولة.

وقال روبيو إن رفع العقوبات عن سوريا يفتح فصلا جديدا للشعب السوري، منبّها إلى أن وجود سوريا مستقرة وموحدة وتعيش في سلام مع نفسها وجيرانها، يعود بالنفع على العالم بأسره، وليس على المنطقة فحسب.

ما قائمة الدول الراعية للإرهاب؟

هي الدول التي تقول واشنطن إن حكوماتها قدمت "دعما متكررا لأعمال إرهابية دولية"، وتصنف الدول ضمن هذه القائمة بقرار من وزير الخارجية الأمريكي استنادا إلى قوانين أمريكية ناظمة للعقوبات.

 

ويترتب على إدراج أي دولة في هذه القائمة فرض عقوبات تشمل تقييد المساعدات الخارجية الأمريكية، وحظر صادرات ومبيعات الأسلحة والمعدات الدفاعية، وفرض قيود على تصدير السلع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، إضافة إلى قيود مالية وإجراءات عقابية أخرى.

ماذا يعني تصنيف دولة "راعية للإرهاب"؟

في النظام القانوني والسياسي الأميركي، يُعد تصنيف "الدولة الراعية للإرهاب" (State Sponsor of Terrorism) وصفاً رسمياً تمنحه وزارة الخارجية الأميركية للدول التي ترى أنها تقدم دعماً متكرراً لأعمال الإرهاب الدولي ويستند هذا التصنيف إلى ثلاثة قوانين أميركية رئيسية، هي:

  • القسم 1754(ج) من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2019.
  • المادة 40 من قانون مراقبة صادرات الأسلحة.
  • المادة 620أ من قانون المساعدات الخارجية لعام 1961.

وبموجب هذه القوانين، يتمتع وزير الخارجية الأميركي بصلاحية واسعة لتحديد الدول التي تستوفي معيار "تقديم دعم متكرر لأعمال الإرهاب الدولي".

ما القيود التي يفرضها هذا التصنيف؟

يفرض إدراج أي دولة ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب مجموعة واسعة من العقوبات والقيود القانونية والاقتصادية، أبرزها:

أولاً: قيود على المساعدات الخارجية الأميركية

يمنع التصنيف تقديم معظم أشكال المساعدات الخارجية الأميركية للدولة المدرجة.

ثانياً: حظر صادرات ومبيعات الأسلحة

يشمل القرار فرض حظر على تصدير الأسلحة والمعدات الدفاعية، إضافة إلى منع مبيعاتها لتلك الدولة.

ثالثاً: ضوابط على السلع مزدوجة الاستخدام

تُفرض قيود مشددة على تصدير السلع والتقنيات التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية في الوقت نفسه.

رابعاً: قيود مالية وتجارية

يشمل التصنيف قيوداً على بعض المعاملات المالية، إضافة إلى تطبيق قوانين عقوبات أخرى تستهدف الأشخاص والدول التي تتعامل تجارياً مع الدول المصنفة راعية للإرهاب ووفقاً للموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية، فإن هذه الفئات الأربع تمثل الركائز الأساسية للعقوبات المترتبة على هذا التصنيف.

إنهاء العزلة المالية عن سوريا

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع خلال الشهر الماضي أمراً تنفيذياً ينهي برنامج العقوبات الأميركية على سوريا، وهو ما يسمح بإنهاء عزل البلاد عن النظام المالي الدولي.

 

كما أعلنت الولايات المتحدة سابقاً أنها تجري مراجعة لتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، في إطار إعادة تقييم السياسات الأميركية تجاه دمشق.

 

ويمثل شطب سوريا من هذه القائمة خطوة إضافية قد تسهم في تسهيل انفتاح الاقتصاد السوري على المؤسسات المالية العالمية، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية مستقبلاً.

سوريا... أقدم دولة على قائمة الإرهاب الأميركية

تُعد سوريا أقدم دولة بقيت على قائمة الدول الراعية للإرهاب، إذ أُدرجت منذ إنشاء الكونغرس الأميركي لهذه القائمة عام 1979، وفقاً لمعهد واشنطن بوست للدراسات.

ولا تزال القائمة، حتى الوقت الحالي، تضم أربع دول هي:

  • سوريا - إيران - كوريا الشمالية - كوبا

لماذا أُدرجت سوريا على القائمة؟

أُدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب خلال فترة حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، واستمر التصنيف خلال عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد.

 

وكان السبب الأساسي للإدراج هو دعم دمشق في ذلك الوقت جماعات من بينها منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

 

وخلال السنوات اللاحقة، استندت وزارة الخارجية الأميركية إلى مجموعة من الأنشطة التي وصفتها بأنها "خبيثة" لتبرير استمرار التصنيف، ومن أبرزها:

  • العلاقة الوثيقة مع "حزب الله".
  • السماح لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني" بالوجود والعمل داخل الأراضي السورية.
  • العلاقات مع "الحرس الثوري الإيراني".
  • دعم المقاتلين الأجانب المتجهين إلى المنطقة خلال فترات مختلفة.

وبناءً على هذه المعطيات، اعتبرت واشنطن أن سوريا استوفت معيار "تقديم دعم متكرر لأعمال الإرهاب الدولي"، وهو المعيار الذي يمنح وزير الخارجية الأميركي صلاحية الإبقاء على الدولة ضمن القائمة.

ما الذي قد يتغير بعد شطب سوريا؟

إذا أصبح القرار نافذاً بعد انتهاء فترة مراجعة الكونغرس، فمن المتوقع أن يشكل نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية والمالية بين سوريا والولايات المتحدة، وأن يخفف العديد من القيود المرتبطة بالتصنيف، خاصة تلك المتعلقة بالمساعدات الخارجية، والمعاملات المالية، والصادرات الدفاعية، والسلع مزدوجة الاستخدام.

 

كما قد يسهم القرار في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين، ويفتح المجال أمام دخول شركات أميركية وأجنبية إلى السوق السورية، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي في رسالته إلى نظيره السوري، مؤكداً استعداد شركات أميركية للاستثمار والمساهمة في إعادة إعمار البلاد.

ما الذي يضيفه رفع هذا التصنيف تحديدا؟

رفع تصنيف سوريا من القائمة يحمل تبعات لا يزيلها إلغاء قانون قيصر أو العقوبات الاقتصادية العادية ومنها:

1. إسقاط الحصانة السيادية أمام القضاء الأميركي

بموجب "قانون الحصانات السيادية الأجنبية"، فإن تصنيف دولة كراعية للإرهاب يجرّدها من حصانتها السيادية ويسمح للمدّعين الأميركيين برفع دعاوى قضائية ضدها بتهم التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء واحتجاز الرهائن. 


والنتيجة أن المحاكم الأميركية أصدرت منذ 2011 أحكاما بأكثر من 31 مليار دولار ضد نظام الأسد المخلوع عن جرائمه، مع وجود 186 قضية إضافية معلّقة قد يصل إجمالي التعرض القانوني المحتمل منها إلى ما بين 100 و150 مليار دولار – وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي السوري بأكمله (الذي كان نحو 21 مليار دولار في 2014). 


ودون رفع التصنيف، ستستمر دمشق في تجاهل المثول أمام هذه المحاكم لأنها لا تملك حافزًا للتفاعل مع نظام مالي ستصادَر أصوله فورًا.

2. تحرير الاستثمار الأميركي الخاص

حتى مع رفع العقوبات الاقتصادية الشاملة، ظل تصنيف "الدولة الراعبة للإرهاب" بمثابة "إشارة حمراء" رادعة لأي شركة أميركية تفكر جديا بالاستثمار في إعادة إعمار سوريا، لما يحمله من مخاطر سمعة وامتثال قانوني.

 

ورفعه يفترض أن يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية حقيقية لبلد يحتاج، بحسب تقديرات البنك الدولي، ما بين 216 و900 مليار دولار لإعادة الإعمار.

3. رفع الضوابط المتبقية على التصدير

لا تزال بعض قيود التصدير الخاصة بـ"مكافحة الإرهاب" سارية على المعدات مزدوجة الاستخدام بسبب التصنيف تحديدا، بصرف النظر عن تخفيف الضوابط العامة التي قامت بها وزارة التجارة الأميركية سابقا.

4. البعد الرمزي والدبلوماسي

رفع سوريا عن القائمة سيجعلها آخر دولة "تاريخية" (إلى جانب كوبا وإيران وكوريا الشمالية) تظل مدرجة، بينما ستكون دمشق قد قطعت الطريق الكامل من العزلة إلى التطبيع الكامل خلال أقل من عامين فقط من سقوط الأسد – وهو أمر غير مسبوق في تاريخ هذه القائمة.

آلية الرفع القانونية: طريقان لا ثالث لهما

يمنح القانون الأميركي طريقتين لرفع دولة عن القائمة: الشهادة الرئاسية (مراجعة الستة أشهر): يشهد الرئيس أمام الكونغرس بأن حكومة الدولة لم تدعم الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة الماضية، مع تقديم ضمانات بعدم العودة لذلك مستقبلًا. 


مسار "التغيّر الجوهري في النظام" (Fundamental Change): يتطلب إثبات تغيّر بنيوي حقيقي في طبيعة الحكم ذاته.

الضغط السياسي الداخلي في واشنطن

الإعلان لم يأتِ بمعزل عن ضغط متصاعد من الكونغرس؛ فقبل أيام فقط من قمة الناتو، وجّهت مجموعة من المشرّعين من الحزبين — من بينهم السيناتورة الديمقراطية جين شاهين، والسيناتورة إليزابيث وارن، والنائب الجمهوري جو ويلسون — رسالة إلى وزير الخارجية روبيو يحثّونه فيها على رفع التصنيف، مؤكدين أن "الأسس القانونية لتصنيف سوريا لم تعد قائمة، وأن استمرار الإدراج يشكل عائقا كبيرا أمام أولوية الإدارة والكونغرس بمنح سوريا فرصة للنجاح.

 

خاتمة

يمثل شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في حال دخوله حيز التنفيذ، تطوراً سياسياً واقتصادياً كبيراً قد يعيد رسم العلاقة بين دمشق وواشنطن بعد عقود من العقوبات والعزلة.

 

وبينما تبقى الإجراءات القانونية مرتبطة بفترة مراجعة الكونغرس، فإن القرار يحمل مؤشرات على مرحلة جديدة قد تفتح آفاقاً أوسع للاستثمار، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في الاقتصاد العالمي، مع استمرار مراقبة التطورات السياسية والأمنية التي ستحدد مسار هذه الخطوة في المستقبل.

تم التحديث في: الخميس, 09 تموز 2026 15:35
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول