سوريا تعتزم اطلاق منصة جديدة لتنظيم سوق الصرف وسط إصلاحات نقدية شاملة

تتجه سوريا نحو مرحلة جديدة من الإصلاح النقدي عبر إطلاق منصة متقدمة لتنظيم سوق الصرف بالتعاون مع شريك دولي، بالتوازي مع تحركات مكثفة لإعادة ربط القطاع المصرفي بالنظام المالي العالمي، وفتح قنوات مصرفية دولية، وتعزيز البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا نحو الشفافية والاستقرار والانفتاح المالي.

إطلاق منصة تنظيم سوق الصرف في سوريا

تعتزم سوريا إطلاق منصة متخصصة لتنظيم سوق الصرف، وذلك بالتعاون مع شركة دولية يجري العمل حاليًا على اختيارها، في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة النظام النقدي وتعزيز الشفافية في سوق العملات.

 

وبحسب ما أكده حاكم مصرف سورية المركزي، عبد القادر الحصرية، فإن المشروع وصل إلى “مراحل متقدمة” في عملية اختيار الشريك الدولي، ما يعكس جدية التوجه نحو تنفيذ هذا المشروع في المستقبل القريب.

 

وتهدف هذه المنصة إلى ضبط آليات العرض والطلب على العملات الأجنبية، والحد من التقلبات الحادة، والوصول إلى سوق صرف “عادل ومتوازن” يعكس الأسس الاقتصادية الحقيقية.

 

وتُعد هذه الخطوة من أبرز الأدوات التنظيمية التي يعوّل عليها المصرف المركزي في إدارة سوق الصرف، خصوصًا في ظل التحديات التي شهدها الاقتصاد السوري خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تشوهات كبيرة في تسعير العملة.

الاستقرار النقدي كقاعدة للإصلاحات المستقبلية

أشار الحصرية إلى أن مصرف سورية المركزي تمكن خلال الفترة الماضية من تحقيق “استقرار نقدي بجدارة”، وهو ما يمثل حجر الأساس لأي إصلاحات نقدية مستقبلية.

 

ويعكس هذا الاستقرار نجاح السياسات النقدية المتبعة في كبح التقلبات الحادة في سعر الصرف، وتعزيز مستوى الثقة النسبي بالليرة السورية، وهو ما يهيئ البيئة المناسبة لإطلاق أدوات تنظيمية حديثة مثل منصة سوق الصرف.

 

كما أن هذا الاستقرار يُعد عنصرًا محوريًا في جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل التحولات الجارية على صعيد الانفتاح المالي.

إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي العالمي

تأتي هذه الخطوة ضمن مسار استراتيجي أوسع يهدف إلى إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، بعد سنوات طويلة من العزلة التي أثرت بشكل كبير على كفاءة القطاع المصرفي.

 

وفي هذا الإطار، بدأت سوريا اتخاذ خطوات تدريجية للعودة إلى نظام التحويلات المالية العالمي SWIFT، الذي يُعد العمود الفقري للمدفوعات الدولية، حيث شهدت الفترة الأخيرة عودة محدودة لبعض قنوات التعامل مع المصارف الخارجية بعد انقطاع استمر لأكثر من عقد.

 

ويمثل هذا التطور نقطة تحول مهمة في قدرة سوريا على تنفيذ التحويلات المالية الدولية، ودعم التجارة الخارجية، وتحسين بيئة الأعمال.

تعزيز التعاون المالي مع تركيا وفتح قنوات دفع جديدة

في سياق تعزيز التعاون الإقليمي، كشف الحصرية عن فتح حساب للبنك المركزي السوري لدى البنك المركزي التركي، في خطوة تهدف إلى دعم العلاقات الاقتصادية الثنائية، خاصة في مجال التجارة.

 

وتأتي هذه الخطوة في ظل غياب قنوات دفع مباشرة بين سوريا وتركيا، وهو ما دفع الشركات في السابق للاعتماد على النقد أو مكاتب التحويل التقليدية، الأمر الذي شكل عائقًا كبيرًا أمام توسيع نطاق التجارة والاستثمار.

 

ومن شأن هذا التطور أن يسهم في تسهيل عمليات الدفع، وخفض تكاليف التحويل، وتعزيز انسيابية التبادل التجاري بين البلدين.

فتح حسابات لدى بنوك مركزية عالمية

ضمن جهود فك العزلة المصرفية، باشر مصرف سورية المركزي بفتح حسابات لدى عدد من البنوك المركزية العالمية، من بينها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الكندي، إضافة إلى المصرف المركزي الإماراتي.

 

وتهدف هذه الخطوة إلى تسهيل إجراء التحويلات الدولية، وتعزيز قدرة النظام المصرفي السوري على التفاعل مع الأسواق المالية العالمية، بما يدعم حركة التجارة والاستثمار.

 

في سياق متصل، كشف الحصرية عن بدء إجراءات فتح حسابات مع مؤسسات مالية كندية، تشمل أحد أكبر البنوك في كندا، بالتوازي مع التنسيق مع البنك المركزي الكندي.

 

كما يجري التحضير لعقد ندوة مصرفية سورية–كندية خلال شهر يوليو المقبل، في إطار تعزيز قنوات التواصل مع القطاع المصرفي الدولي.

 

وعلى الصعيد الأوروبي، من المرتقب عقد اجتماع مع البنك المركزي النمساوي وجمعية البنوك النمساوية، لبحث سبل مباشرة العلاقات المصرفية، إضافة إلى التخطيط لعقد لقاء مصرفي ألماني–سوري وندوة مشتركة لاحقًا، في خطوة تعكس تسارع الجهود لإعادة بناء الروابط مع البنوك الأوروبية.

رهانات على تحسن البيئة السياسية وتخفيف القيود الدولية

يراهن مصرف سورية المركزي على تحسن البيئة السياسية والمالية، حيث أشار الحصرية إلى أن أي رفع محتمل لسوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب سيكون له “أثر إيجابي مهم” على التدفقات النقدية خلال الأشهر المقبلة.

 

ويُتوقع أن يسهم هذا التطور في تخفيف القيود المفروضة على التحويلات المالية، وتعزيز قدرة سوريا على إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.

 

كما أن حصول سوريا على إعفاء شبه كامل من العقوبات الأميركية بعد إلغاء عقوبات “قانون قيصر”، إلى جانب رفع الاتحاد الأوروبي للعقوبات بشكل كامل، يمثل عامل دعم رئيسي لهذه التحركات.

تحديث البنية التحتية للمدفوعات

بالتوازي مع الانفتاح الخارجي، تعمل السلطات النقدية على تطوير البنية التحتية المالية داخليًا، حيث أعلن الحصرية أن المصرف المركزي سيبدأ خلال الأسابيع المقبلة بتلقي طلبات من شركات المدفوعات لإطلاق أنظمة دفع محلية حديثة.

 

وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتقليل الاعتماد على النقد، وتحسين كفاءة النظام المالي.

 

وفي هذا الإطار، أبرم المصرف المركزي شراكات استراتيجية مع شركتي Visa وMastercard، لتطوير منظومة المدفوعات الرقمية، وربطها بالشبكات العالمية.

 

ومن المتوقع أن يتم تنفيذ هذه المشاريع بشكل تدريجي خلال المرحلة المقبلة، بما يساهم في إعادة دمج سوريا في نظام المدفوعات العالمي.

 

خلاصة تحليلية: تحول استراتيجي متعدد المحاور

تعكس هذه التطورات تحولًا عميقًا في السياسة النقدية السورية، يقوم على مزيج من الإصلاحات الداخلية والانفتاح الخارجي.

 

فعلى المستوى الداخلي، تسعى السلطات إلى ضبط سوق الصرف وتعزيز الشفافية عبر أدوات تنظيمية حديثة، في حين تركز خارجيًا على إعادة بناء العلاقات المصرفية الدولية وفتح قنوات مالية جديدة.

 

وإذا ما استمرت هذه الجهود بوتيرتها الحالية، فإنها قد تمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار النقدي والتعافي الاقتصادي، مع تعزيز ثقة المستثمرين، وتحسين بيئة الأعمال، وفتح آفاق أوسع أمام التجارة والاستثمار.

تم التحديث في: الجمعة, 17 نيسان 2026 15:59
حقوق النشر © جميع الحقوق محفوظة لشركة أصول