سعر الغاز الأمريكي عند قاع 17 شهراً بالتزامن مع سحب جديد من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي
تشهد أسواق الطاقة الأمريكية تحولات لافتة، حيث تراجعت أسعار الغاز الطبيعي إلى أدنى مستوياتها في 17 شهراً نتيجة وفرة الإمدادات واعتدال الطقس، في حين تتحرك الحكومة الأمريكية بشكل موازٍ عبر السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في محاولة للسيطرة على أسعار الوقود وسط اضطرابات جيوسياسية حادة.
ويعكس هذا التداخل بين عوامل العرض والطلب والسياسات الحكومية مشهداً معقداً يعيد تشكيل توازنات أسواق الطاقة العالمية.
تراجع أسعار الغاز الطبيعي إلى أدنى مستوى في 17 شهراً
سجلت العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة انخفاضاً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الجمعة، لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ نحو 17 شهراً، في انعكاس مباشر لتغيرات هيكلية في توازن العرض والطلب داخل السوق الأمريكية.
وقد تراجعت عقود تسليم شهر مايو في بورصة نيويورك التجارية بنحو 2.2 سنت، أي ما يعادل 0.8%، لتستقر عند مستوى 2.648 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أدنى مستوى إغلاق منذ 29 أكتوبر 2024.
ويُظهر هذا التراجع استمرار الضغوط البيعية على السوق، لا سيما في ظل دخول عقد أقرب استحقاق في حالة "ذروة البيع" لليوم الثاني على التوالي، وهي ظاهرة لم تُسجل منذ ديسمبر 2025.
وعلى المستوى الأسبوعي، يتجه العقد نحو تسجيل خسائر تقارب 5%، بعد تراجعه بنحو 10% خلال الأسبوع السابق، ما يعكس تسارع وتيرة الانخفاضات وتزايد الضغوط السلبية على الأسعار.
وفرة المخزونات واعتدال الطقس كمحرك رئيسي للهبوط
يُعزى هذا التراجع الحاد في أسعار الغاز إلى عاملين رئيسيين يتمثلان في:
1. اعتدال درجات الحرارة
ساهمت التوقعات الجوية التي تشير إلى طقس ربيعي معتدل في معظم أنحاء الولايات المتحدة في تقليص الطلب على التدفئة، وهو ما يُعد عاملاً أساسياً في تحديد استهلاك الغاز الطبيعي خلال هذه الفترة من العام. كما تشير التوقعات إلى استمرار الطقس الأكثر دفئاً من المعتاد حتى 25 أبريل، ما يعني بقاء الطلب على التدفئة والتبريد عند مستويات منخفضة.
2. ارتفاع مستويات التخزين
أدى انخفاض الطلب إلى تمكين شركات المرافق من ضخ كميات أكبر من الغاز في المخزونات، بمعدلات تفوق المتوسطات الموسمية المعتادة لمدة لا تقل عن أسبوعين. ونتيجة لذلك، ارتفعت مستويات المخزون إلى 5.3% فوق المعدلات الطبيعية خلال الأسبوع المنتهي في 10 أبريل، مقارنة بـ 4.8% فوق المعدل الطبيعي في الأسبوع السابق.
الإنتاج القياسي يزيد من ضغوط السوق
تشير البيانات الصادرة عن مجموعة بورصات لندن إلى أن متوسط إنتاج الغاز في الولايات الثماني والأربعين السفلى قد ارتفع إلى نحو 111 مليار قدم مكعبة يومياً منذ بداية الشهر الجاري، مقارنة مع 110.4 مليار قدم مكعبة يومياً خلال شهر مارس.
ويُقارن هذا المستوى مع الرقم القياسي الشهري الأعلى على الإطلاق البالغ 110.7 مليار قدم مكعبة يومياً، والمسجل في ديسمبر 2025، ما يعكس استمرار الإنتاج عند مستويات مرتفعة تاريخياً، وهو ما يزيد من حالة التخمة في السوق ويضغط على الأسعار نحو مزيد من الانخفاض.
في تطور لافت، واصل متوسط الأسعار في مركز "واها" بغرب تكساس تسجيل مستويات سلبية لليوم الخامس والأربعين على التوالي، في أطول فترة من الأسعار السلبية على الإطلاق.
ويعود ذلك إلى استمرار القيود المفروضة على خطوط الأنابيب، والتي تمنع نقل فائض الإنتاج خارج حوض بيرميان، أكبر منطقة صخرية منتجة للنفط في الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، يبقى الغاز محبوساً داخل المنطقة، مما يدفع المنتجين إلى بيعه بأسعار سلبية لتفادي تكاليف التخزين أو الإغلاق.
سحب جديد من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي
بالتوازي مع تطورات سوق الغاز، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية عن سحب دفعة جديدة من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، في خطوة تستهدف احتواء ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن التوترات الجيوسياسية.
تفاصيل الدفعة الثانية
تم إقراض 8.48 مليون برميل من النفط الخام لأربع شركات طاقة كبرى، تشمل:
- جنفور يو.إس.إيه
- فيليبس 66 كومباني
- ترافجورا تريدنج
- ماكواري كوموديتيز تريدنج
وتأتي هذه الخطوة ضمن الدفعة الثانية من برنامج أوسع أعلنت عنه الولايات المتحدة في مطلع أبريل، والذي يتيح إقراض ما يصل إلى 10 ملايين برميل في هذه المرحلة.
استراتيجية أمريكية أوسع بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية
تندرج هذه الإجراءات ضمن خطة أوسع تهدف إلى إقراض ما يصل إلى 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي خلال العام الجاري وحتى عام 2027. كما تأتي في سياق اتفاق دولي مع 32 دولة ضمن وكالة الطاقة الدولية لسحب ما مجموعه 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية.
وتهدف هذه التحركات إلى الحد من ارتفاع أسعار النفط، التي شهدت قفزات حادة نتيجة الحرب، والتي وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها تسببت في "أكبر اضطراب في سوق النفط في التاريخ".
على الرغم من هذه الجهود، تشير البيانات إلى أن شركات الطاقة لم تسحب في الدفعة الأولى سوى 45.2 مليون برميل، أي ما يعادل نحو 52% فقط من الكميات المعروضة، وهو ما قد يعكس محدودية الطلب أو تحديات لوجستية في الاستفادة من هذه الإمدادات.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الطاقة عن طرح دفعة ثالثة تبلغ 30 مليون برميل من النفط الخام الخفيف منخفض الكبريت من موقع "ويست هاكبيري" في ولاية لويزيانا، مع تحديد يوم الاثنين موعداً لتقديم العطاءات.
تعتمد آلية السحب من الاحتياطي الاستراتيجي على نظام القروض، حيث تلتزم الشركات بإعادة الكميات المسحوبة في وقت لاحق مع إضافة براميل إضافية كعلاوة. وتؤكد وزارة الطاقة أن هذا النظام يساهم في استقرار الأسواق دون تحميل دافعي الضرائب أي تكاليف مباشرة.
يبلغ حجم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي حالياً نحو 413.3 مليون برميل، وهو ما يعادل أكثر مما يستهلكه العالم خلال أربعة أيام فقط. ويُعد هذا المستوى الأدنى منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن تغير هيكل السوق العالمي، وخاصة تحول الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط عالمياً، يخفف من المخاوف المرتبطة بانخفاض المخزون.
خاتمة تحليلية: سوق الطاقة بين وفرة الغاز وضغوط النفط
تعكس التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة الأمريكية حالة من التباين الواضح بين سوق الغاز وسوق النفط؛ ففي حين يعاني الغاز من تخمة في المعروض وضعف في الطلب نتيجة عوامل موسمية وهيكلية، يواجه النفط ضغوطاً تصاعدية مدفوعة بعوامل جيوسياسية.
وفي هذا الإطار، تلعب السياسات الحكومية، وعلى رأسها إدارة الاحتياطي الاستراتيجي، دوراً محورياً في محاولة إعادة التوازن للأسواق. ومع استمرار التغيرات المناخية قصيرة الأجل والتوترات الجيوسياسية، من المتوقع أن تبقى أسواق الطاقة عرضة لتقلبات حادة، مما يفرض على المستثمرين وصناع القرار متابعة دقيقة لمؤشرات العرض والطلب والسياسات النقدية والطاقية على حد سواء.