الين الياباني يواصل التراجع مع انحسار التضخم وتزايد رهانات قوة الدولار
واصل الين الياباني خسائره خلال تعاملات الأسواق الآسيوية يوم الجمعة، متراجعًا أمام الدولار الأمريكي لليوم الثاني على التوالي، في ظل استمرار قوة العملة الأمريكية وتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية في اليابان.
ويأتي هذا الأداء الضعيف للعملة اليابانية بالتزامن مع تباطؤ معدلات التضخم الأساسية في طوكيو إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من أربع سنوات، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة اليابانية خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، استفاد الدولار الأمريكي من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية واستمرار الطلب عليه كملاذ آمن، وسط متابعة الأسواق للتطورات المتعلقة بمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تمثل عاملًا رئيسيًا في تحركات أسواق العملات والطاقة خلال الفترة الحالية.
الين الياباني يقترب من أدنى مستوى في ثلاثة أسابيع
شهدت العملة اليابانية ضغوطًا بيعية واضحة خلال تعاملات الجمعة، حيث ارتفع الدولار الأمريكي مقابل الين بنسبة بلغت نحو 0.11% ليصل إلى مستوى 159.10 ين، مقارنة بسعر افتتاح الجلسة عند 158.93 ين، بينما سجل أدنى مستوى يومي قرب 158.87 ين.
ويعكس هذا التحرك استمرار حالة الضعف التي تسيطر على الين الياباني، خاصة بعد أن أنهى تعاملات الخميس متراجعًا أمام الدولار، مسجلًا أدنى مستوياته خلال ثلاثة أسابيع عند 159.34 ين، وذلك عقب صدور بيانات اقتصادية أمريكية قوية عززت من جاذبية الدولار الأمريكي.
وعلى المستوى الأسبوعي، يتجه الين نحو تسجيل ثاني خسارة أسبوعية متتالية أمام الدولار الأمريكي، مع انخفاضه حتى الآن بنحو 0.25% خلال تداولات الأسبوع الجاري، في إشارة واضحة إلى استمرار الضغوط السلبية على العملة اليابانية.
تباطؤ التضخم الياباني يضعف احتمالات رفع الفائدة
جاءت بيانات التضخم الصادرة من العاصمة اليابانية طوكيو لتضيف مزيدًا من الضغوط على الين، بعدما أظهرت تباطؤًا ملحوظًا في وتيرة ارتفاع الأسعار الأساسية.
وأظهرت البيانات ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في اليابان بنسبة 1.4% خلال أبريل، وهو أبطأ معدل نمو منذ مارس 2022، كما جاءت القراءة أقل من توقعات الأسواق التي رجحت تسجيل ارتفاع بنسبة 1.7%، مقارنة مع ارتفاع بلغ 1.8% في مارس الماضي.
ويحظى مؤشر التضخم الأساسي بأهمية كبيرة لدى بنك اليابان المركزي، لأنه يستثني العناصر الأكثر تقلبًا ويعكس بصورة أوضح الاتجاهات الحقيقية للأسعار داخل الاقتصاد الياباني.
ويشير هذا التباطؤ إلى تراجع الضغوط التضخمية على صناع السياسة النقدية، ما يقلل الحاجة الملحة لرفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب، خاصة في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بضعف النمو الاقتصادي العالمي وتباطؤ الطلب المحلي.
الأسواق تعيد تسعير توقعات الفائدة اليابانية
أدت بيانات التضخم الأخيرة إلى تغير ملحوظ في توقعات المستثمرين بشأن مسار السياسة النقدية اليابانية، حيث انخفضت احتمالات قيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماع يونيو المقبل من 85% إلى نحو 65%.
ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة لدى الأسواق بأن البنك المركزي الياباني قد يفضل التريث ومراقبة تطورات الاقتصاد والتضخم قبل اتخاذ أي خطوات إضافية نحو تشديد السياسة النقدية.
ويترقب المستثمرون خلال الفترة المقبلة صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية المهمة، وعلى رأسها بيانات الأجور والبطالة والتضخم، باعتبارها عوامل حاسمة في تحديد توجهات بنك اليابان خلال النصف الثاني من العام.
قوة الدولار الأمريكي تضغط على العملات العالمية
في المقابل، واصل الدولار الأمريكي تحقيق مكاسب قوية أمام سلة العملات الرئيسية، حيث ارتفع مؤشر الدولار بنحو 0.15% ليسجل مستوى 99.255، محافظًا على مكاسبه للجلسة الثانية على التوالي بالقرب من أعلى مستوياته في ستة أسابيع.
ويستمد الدولار قوته من عدة عوامل رئيسية، أبرزها:
- ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل.
- استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالاقتصادات الكبرى الأخرى.
- زيادة الإقبال على الدولار كملاذ آمن.
- ترقب الأسواق للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
كما ساهمت البيانات الاقتصادية الأمريكية القوية في تعزيز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يدعم الطلب على الدولار مقابل العملات ذات العوائد المنخفضة، وعلى رأسها الين الياباني.
محادثات السلام الأمريكية الإيرانية تسيطر على الأسواق
لا تزال التطورات الجيوسياسية تلعب دورًا رئيسيًا في تحركات الأسواق العالمية، خاصة مع تصاعد الترقب بشأن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.
وأفادت تقارير إعلامية إيرانية بأنه تم التوصل إلى الصيغة النهائية لاتفاق أمريكي إيراني بوساطة باكستانية، مع توقعات بالإعلان الرسمي خلال الساعات المقبلة.
كما أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى وجود مؤشرات إيجابية بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق، وهو ما عزز حالة التفاؤل الحذر داخل الأسواق العالمية.
ورغم ذلك، لا تزال هناك ملفات خلافية معقدة بين الجانبين، من أبرزها:
- ملف مخزون اليورانيوم الإيراني.
- مستقبل الرقابة النووية.
- السيطرة على مضيق هرمز.
- آليات تخفيف العقوبات الاقتصادية.
وتؤثر هذه الملفات بشكل مباشر على أسواق العملات والطاقة، نظرًا لأهمية المنطقة في تجارة النفط العالمية وحركة الملاحة الدولية.
لماذا يتأثر الين الياباني بقوة الدولار؟
يُعد الين الياباني من العملات الحساسة للغاية تجاه تحركات أسعار الفائدة العالمية، خاصة الفارق بين العوائد الأمريكية واليابانية.
فعندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية أو تتزايد توقعات استمرار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة، يفضل المستثمرون تحويل أموالهم نحو الدولار للاستفادة من العائد الأعلى، ما يؤدي إلى تراجع الطلب على الين.
كما أن السياسة النقدية شديدة التيسير التي اتبعها بنك اليابان لسنوات طويلة جعلت الين من أقل العملات جذبًا للاستثمارات قصيرة الأجل مقارنة بالدولار الأمريكي.
ومع استمرار تباطؤ التضخم في اليابان، تتراجع فرص حدوث تحول قوي في سياسة البنك المركزي، الأمر الذي يبقي الضغوط قائمة على العملة اليابانية خلال المرحلة المقبلة.
توقعات الأسواق لمسار الين الياباني
تشير التوقعات الحالية إلى أن تحركات الين خلال الأسابيع المقبلة ستظل مرتبطة بعدة عوامل رئيسية، أبرزها:
- قرارات بنك اليابان القادمة بشأن أسعار الفائدة.
- تطورات التضخم والأجور داخل اليابان.
- اتجاه عوائد السندات الأمريكية.
- نتائج محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
- أداء الاقتصاد الأمريكي وبيانات التضخم الأمريكية.
وفي حال استمرار قوة الدولار الأمريكي وتراجع احتمالات رفع الفائدة اليابانية، فقد يظل الين عرضة لمزيد من الضغوط، مع إمكانية اختبار مستويات أضعف جديدة أمام الدولار خلال الفترة القادمة.
خاتمة
يعكس استمرار تراجع الين الياباني حالة التباين الواضحة بين السياسة النقدية في اليابان والولايات المتحدة، حيث يواصل الدولار الاستفادة من قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع العوائد، بينما تتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية اليابانية نتيجة تباطؤ التضخم.
ومع استمرار حالة الترقب للتطورات الجيوسياسية ومحادثات السلام الأمريكية الإيرانية، تبقى أسواق العملات العالمية أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تشهد تقلبات واسعة خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا طرأت تغيرات مفاجئة على مسار الفائدة أو الأوضاع السياسية الدولية.