- الرئيسية
- الأخبار
- أخبار السلع والمعادن والمؤشرات
- الذهب يحقق أفضل أداء شهري منذ أبريل بدعم من تراجع الدولار وتوقعات خفض الفائدة الأميركية
الذهب يحقق أفضل أداء شهري منذ أبريل بدعم من تراجع الدولار وتوقعات خفض الفائدة الأميركية

اختتم الذهب تعاملات شهر أغسطس على صعود قوي، ليسجل أفضل أداء شهري له منذ أبريل، مستفيداً من تراجع الدولار وتزايد الرهانات على أن يقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على خفض أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب في سبتمبر المقبل.
وجاء هذا الأداء في ظل بيئة دولية ومحلية متشابكة، اتسمت بالاضطراب السياسي داخل الولايات المتحدة بسبب الخلافات غير المسبوقة حول استقلالية الفيدرالي، إضافة إلى تزايد المخاوف الاقتصادية المتعلقة بالتضخم والعجز المالي، فضلاً عن تحركات البنوك المركزية العالمية نحو تعزيز حيازاتها من الذهب.
كل هذه العوامل اجتمعت لتعزز مكانة المعدن النفيس كأحد أبرز الملاذات الآمنة في المرحلة الراهنة.
الأداء اليومي والشهري للذهب والمعادن النفيسة
ارتفعت أسعار الذهب عند التسوية يوم الجمعة 29 أغسطس/آب، حيث أغلقت عقود الذهب الآجلة على ارتفاع بنسبة 1.25% لتسجل 3,517.32 دولارًا للأوقية، بينما ارتفعت العقود الفورية بنسبة 0.92% لتصل إلى 3,448.60 دولارًا. وكانت هذه المستويات قريبة من أعلى مستوياتها في أكثر من شهر والتي لامسها المعدن النفيس في جلسة الخميس.
أما عقود الفضة الآجلة فقد ارتفعت هي الأخرى بقوة، لتغلق عند 40.26 دولارًا للأوقية محققة مكاسب بنسبة 2.37%، فيما تراجعت الأسعار الفورية للفضة لاحقاً بنسبة 0.7% لتستقر عند 38.81 دولارًا.
أما المعادن النفيسة الأخرى فقد شهدت تراجعاً، حيث انخفض البلاتين بنسبة 0.7% ليغلق عند 1349.45 دولارًا، بينما هبط البلاديوم بنسبة 0.1% ليسجل 1101 دولارًا.
إلى جانب ذلك، شهد مؤشر الدولار الأميركي تراجعاً بنسبة 0.05% ليصل إلى 97.69 نقطة مقابل سلة من العملات الرئيسية وعلى رأسها اليورو والجنيه الإسترليني، وهو ما زاد من جاذبية الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، إذ يُسعّر الذهب بالدولار الأميركي، وأي انخفاض في العملة الأميركية يعزز من جاذبيته عالمياً.
الذهب في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة
ارتفعت أسعار السبائك بأكثر من 4.5% خلال شهر أغسطس، وهو الأداء الأفضل منذ أبريل. ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى تصاعد التوقعات بخفض الفائدة الأميركية في سبتمبر. فالمستثمرون يدركون أن الذهب، كأصل لا يدر عائداً ثابتاً، يحقق مكاسب أكبر عندما تنخفض أسعار الفائدة، إذ تقل جاذبية السندات والأدوات الأخرى ذات العوائد المحدودة، ما يدفع رؤوس الأموال نحو الأصول البديلة وعلى رأسها الذهب.
وبالنظر إلى السياسات النقدية، فإن أي خفض للفائدة يُترجم مباشرة إلى دعم إضافي للذهب، لأن تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب تنخفض مقارنة بحيازة أدوات الدين الحكومية. ولهذا، كلما زادت رهانات السوق على تخفيف السياسة النقدية الأميركية، ارتفع الطلب على المعدن الأصفر.
البعد السياسي: معركة استقلالية الفيدرالي الأميركي
من أبرز العوامل التي ساهمت في صعود الذهب مؤخراً، الأزمة السياسية غير المسبوقة في الولايات المتحدة. فقد سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إقالة محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، الأمر الذي أثار حالة من القلق في الأوساط الاقتصادية والمالية، لأنه يمثل تهديداً لاستقلالية البنك المركزي.
وقد عُقدت جلسة استماع عاجلة في واشنطن للنظر في القضية، حيث رفع محامو كوك دعوى قضائية ضد الرئيس، معتبرين أن قرار عزله غير قانوني. هذه التطورات ساهمت في تعزيز حالة عدم اليقين، وهو ما يصب عادة في مصلحة الذهب باعتباره ملاذاً آمناً في الأوقات التي تتعرض فيها المؤسسات الاقتصادية الأساسية للتشكيك.
إن استقلالية الفيدرالي تُعد إحدى الركائز الجوهرية لاستقرار الأسواق، لأنه يحدد السياسات النقدية بعيداً عن الضغوط السياسية المباشرة. وأي مساس بهذه الاستقلالية يعني فقدان الثقة في قدرة البنك على إدارة التضخم وتحقيق التوازن الاقتصادي، ما يدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل أكثر استقراراً مثل الذهب.
رؤى البنوك والمؤسسات المالية
أشارت مذكرة تحليلية صادرة عن كومرتس بنك إلى أن الذهب يستفيد بشكل مباشر من حالة الضبابية هذه، موضحة أن صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب استقبلت تدفقات قاربت 15 طناً خلال يومين فقط. ومع ذلك، حذر البنك من أن استمرار الارتفاع فوق مستوى 3,400 دولار قد يواجه صعوبات على المدى القصير.
في المقابل، أبدى بنك أوف أميركا رؤية أكثر تفاؤلاً، إذ رفع توقعاته لمتوسط سعر الذهب على مدى السنوات الست المقبلة بنسبة 6% ليصل إلى 3049 دولارًا للأوقية، بل وذهب أبعد من ذلك متوقعاً أن يصل الذهب إلى 4,000 دولار للأوقية بحلول النصف الأول من عام 2026.
ويستند البنك في توقعاته إلى عوامل أساسية، منها العجز الهيكلي في الولايات المتحدة، وضغوط الرئيس ترامب على استقلالية الفيدرالي، وتزايد الطلب العالمي على الذهب من البنوك المركزية.
توجهات الاحتياطي الفيدرالي وتوقعات الفائدة
على صعيد السياسات النقدية، جدد محافظ الفيدرالي كريستوفر والر دعمه لخفض الفائدة في سبتمبر، مؤكداً أن تقليص تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل بات ضرورياً، مع إمكانية تنفيذ مزيد من التخفيضات خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة.
ووفقاً لبيانات أداة فيد ووتش، فإن الأسواق تُسعّر احتمالية خفض الفائدة بنسبة 86% بمقدار 25 نقطة أساس في الاجتماع المقبل. وتؤكد هذه المعطيات أن الأسواق باتت شبه واثقة من توجه الفيدرالي نحو دورة جديدة من التيسير النقدي.
التركيز الأكبر للمستثمرين كان على بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل للفيدرالي لمتابعة التضخم. وعلى الرغم من استقرار المؤشر بشكل عام، إلا أن ارتفاع التضخم الأساسي أبقى على الضغوط نحو خفض الفائدة، وهو ما يعزز من موقف الذهب.
البنوك المركزية العالمية وتحولات استراتيجية نحو الذهب
واحدة من أبرز الظواهر التي دعمت صعود الذهب في السنوات الأخيرة هي زيادة حيازات البنوك المركزية العالمية من المعدن الأصفر. فبحسب البيانات الأخيرة، تمثل حيازات الذهب حالياً نحو 27% من إجمالي الاحتياطيات الأجنبية العالمية، وهي أعلى نسبة منذ 29 عاماً.
وفي المقابل، انخفضت نسبة حيازات سندات الخزانة الأميركية إلى 23% فقط من الاحتياطيات الأجنبية، وهو أدنى مستوى لها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. وبهذا أصبحت البنوك المركزية حول العالم تحتفظ بالذهب أكثر من سندات الخزانة الأميركية لأول مرة منذ عام 1996.
منذ عام 2015 ارتفعت الحيازات المعلنة من الذهب بمقدار 3500 طن لتصل إلى 36500 طن، وهو أعلى مستوى منذ سبعينيات القرن الماضي. ويُظهر التحليل أن شراء كل 100 طن إضافية من الذهب من قِبل البنوك المركزية يرفع الأسعار بنحو 1.7%، ما يوضح مدى التأثير الكبير لهذه التحركات على سوق الذهب.
توقعات مستقبلية: الذهب نحو مستويات تاريخية
توقع بنك أوف أميركا أن يبلغ الذهب مستوى 4,000 دولار للأوقية بحلول 2026، مشيراً إلى أن مزيج ضعف الدولار وخفض أسعار الفائدة وتزايد المخاطر السياسية سيشكل بيئة مواتية لاستمرار المكاسب. وأكد البنك أن أي ارتفاع مؤقت في الدولار بسبب ضغوط التضخم قد يقابله المستثمرون بعمليات بيع، ما يعزز استمرار الاتجاه الصعودي للذهب.
ويرى محللون آخرون أن الذهب أصبح اليوم ليس فقط ملاذاً آمناً مؤقتاً، بل أداة استراتيجية للبنوك المركزية والمستثمرين على السواء، خصوصاً في ظل فقدان الثقة التدريجي بالعملات الورقية والدولار الأميركي تحديداً.
خلاصة
إن العوامل الاقتصادية والسياسية والمالية جميعها تتضافر حالياً لدعم أسعار الذهب. فالتراجع المستمر للدولار، والتوقعات شبه المؤكدة بخفض الفائدة، والجدل السياسي حول استقلالية الفيدرالي، إلى جانب تحركات البنوك المركزية العالمية نحو تعزيز احتياطياتها من الذهب، تجعل المعدن النفيس في موقع مثالي لمواصلة الصعود.
وبينما تظل المخاطر قائمة من احتمالات تقلب مؤقت في أسعار الدولار أو قرارات مفاجئة من الفيدرالي، فإن الاتجاه الاستراتيجي الأوسع يشير إلى أن الذهب قد يكون على أعتاب تسجيل مستويات تاريخية جديدة تتجاوز 4000 دولار للأوقية في السنوات القليلة المقبلة، ليبقى بحق "الملاذ الآمن الأول" في أوقات الاضطراب العالمي.