الدولار يتراجع مع تصاعد الترقب لمسار الحرب في الشرق الأوسط وتغير رهانات الفائدة عالمياً
شهد الدولار الأميركي تراجعاً طفيفاً خلال تعاملات يوم الأربعاء، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب التطورات المتسارعة للحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وجاء هذا التراجع في ظل حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن مسار الصراع وإمكانية احتوائه أو تصعيده خلال الفترة المقبلة، ما انعكس بشكل مباشر على معنويات الأسواق العالمية التي ظلت حذرة ومتقلبة.
وخلال الأيام الأخيرة، كانت الأسواق المالية العالمية تراهن على إمكانية أن يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إنهاء الحرب في وقت قريب، وهو ما دعم توقعات بتهدئة التوترات الجيوسياسية التي أثرت بقوة في حركة الأسواق.
إلا أن هذه التوقعات اصطدمت بتصريحات متشددة صدرت في أكثر من مناسبة، لوّح خلالها ترامب بإمكانية توجيه ضربات قوية لإيران إذا حاولت تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية.
وكان الدولار قد سجل قفزة ملحوظة في وقت سابق من الأسبوع مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية بسبب الحرب.
غير أن العملة الأميركية تخلت لاحقاً عن جزء من تلك المكاسب مع تزايد الآمال بإمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للصراع، رغم استمرار الشكوك لدى عدد من المحللين حول احتمال انتهاء الحرب في وقت قريب.
وفي هذا السياق، قالت كريستينا كليفتون، كبيرة استراتيجيي العملات في بنك كومنولث الأسترالي، إن التوقعات تشير إلى أن الصراع قد يستمر لفترة أطول مما يتوقعه البعض.
وأوضحت أن السيناريو المرجح حالياً هو استمرار الحرب لعدة أشهر وليس لأسابيع، مع الإقرار في الوقت نفسه بوجود درجة عالية من عدم اليقين تجعل من الصعب وضع تقديرات دقيقة لمسار الأحداث.
تحركات العملات الرئيسية
على صعيد أسواق العملات، سجل اليورو ارتفاعاً بنسبة 0.18% ليصل إلى مستوى 1.163175 دولار، مبتعداً قليلاً عن أدنى مستوى له خلال ثلاثة أشهر الذي سجله يوم الاثنين. ويعكس هذا الارتفاع تحسناً طفيفاً في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية.
كما صعد الجنيه الإسترليني بنسبة 0.25% ليصل إلى مستوى 1.3449 دولار، مستفيداً من تراجع الدولار ومن تحسن نسبي في ثقة الأسواق العالمية.
أما الين الياباني، الذي يعد تقليدياً من العملات الآمنة في أوقات الاضطرابات، فقد استقر عند مستوى 158.14 ين مقابل الدولار، ليبقى قريباً من أدنى مستوى له خلال سبعة أسابيع والذي سجله في وقت سابق من هذا الأسبوع.
تراجع مؤشر الدولار
في المقابل، تراجع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، إلى مستوى 98.773 نقطة.
ورغم هذا الانخفاض، لا يزال المؤشر قريباً من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر والذي سجله يوم الاثنين الماضي، ما يعكس استمرار الطلب النسبي على الدولار في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
ومع دخول الحرب يومها الثاني عشر، تبادلت الولايات المتحدة وإسرائيل الضربات الجوية مع الجيش الإيراني في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، وهو ما زاد من حالة القلق في الأسواق المالية العالمية التي تتابع التطورات العسكرية والسياسية بشكل لحظي.
وفي الوقت نفسه، حذرت الحكومة الإيرانية من أن قوات الأمن التابعة لها في حالة تأهب قصوى، مشيرة إلى أن «الأصابع على الزناد» لمواجهة أي احتمال لتجدد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الداخل، في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
أدت هذه التطورات المتسارعة إلى صعوبة تسعير المخاطر بشكل دقيق في الأسواق المالية. ففي ظل غياب رؤية واضحة لمسار الصراع، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سيناريوهات متعددة قد تؤثر بشكل كبير على أسعار الأصول المختلفة.
وفي هذا الإطار، قال كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة بيبرستون، إن المتداولين يفضلون حالياً تبني نهج حذر والترقب حتى تتضح الصورة بشكل أكبر. وأضاف أن الأسواق تحتاج إلى مزيد من المعلومات والتطورات قبل أن تتمكن من تسعير المخاطر بصورة أكثر كفاءة وواقعية.
الدولار الأسترالي يسجل مكاسب قوية
كان الدولار الأسترالي من أبرز العملات التي شهدت تحركات ملحوظة خلال اليومين الماضيين، إذ ارتفع إلى أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2022 عند 0.7182 دولار قبل أن يستقر مرتفعاً بنسبة 0.86% عند 0.718 دولار.
وجاءت معظم مكاسب العملة الأسترالية بعد تصريحات أدلى بها نائب محافظ بنك الاحتياطي الأسترالي أندرو هاوزر يوم الثلاثاء، حذر فيها من أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما قد يعزز الضغوط على البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع السياسة النقدية المرتقب الأسبوع المقبل.
وأوضحت كريستينا كليفتون أن الحرب في الشرق الأوسط كان لها تأثير كبير على توقعات السياسة النقدية لدى البنوك المركزية حول العالم.
وأضافت أن الأسواق المالية غيرت تقييماتها بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب في نهاية شهر فبراير، حيث تحولت من تسعير خفض محتمل لأسعار الفائدة إلى توقعات برفعها أو على الأقل تقليص حجم التخفيضات المتوقعة.
تغير رهانات السياسة النقدية عالمياً
تعكس الأسواق حالياً تحولاً واضحاً في رهانات السياسة النقدية العالمية. فبحسب تسعير عقود الفائدة الأميركية، يتوقع المستثمرون خفضاً إجمالياً يبلغ نحو 39.7 نقطة أساس بحلول نهاية العام الجاري، وهو ما يشير إلى حالة من الشك بشأن ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيقدم على خفض ثانٍ لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال هذا العام.
وفي أوروبا، بدأت الأسواق خلال الأسبوع الماضي في تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي، رغم أن صناع القرار في البنك أكدوا مراراً ضرورة التريث وإعادة تقييم الأوضاع الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوات لتغيير المسار الحالي للسياسة النقدية.
وقبل أسبوعين فقط، كان المستثمرون يتوقعون أن يبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مستقرة طوال العام، مع احتمال محدود لخفضها، خاصة أن البنك أبقى أسعار الفائدة دون تغيير منذ يونيو/حزيران 2025.
بيانات التضخم الأميركية تحت المجهر
إلى جانب التطورات الجيوسياسية، يترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم في الولايات المتحدة لشهر فبراير في وقت لاحق من يوم الأربعاء، والتي قد تلعب دوراً مهماً في تحديد اتجاه السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.
ويتوقع اقتصاديون استطلعت وكالة رويترز آراءهم أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي بنسبة 0.2% خلال الشهر، في حين يُرجح أن يرتفع المؤشر العام بنسبة 0.3%. وتشكل هذه البيانات مؤشراً مهماً على الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي، والتي تعد عاملاً أساسياً في قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
النفط يتراجع بعد مقترح السحب من الاحتياطيات
في موازاة ذلك، شهدت أسعار النفط تراجعاً بعد تقارير إعلامية أفادت بأن وكالة الطاقة الدولية اقترحت تنفيذ أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخها. وجاء هذا المقترح في محاولة لتهدئة الأسواق وتخفيف الضغوط الناتجة عن المخاوف بشأن الإمدادات العالمية في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
ويشير هذا التطور إلى أن أسواق الطاقة قد تظل عرضة لتقلبات حادة خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في التأثير على تدفقات النفط عبر الممرات الاستراتيجية العالمية.
وبينما تظل الأنظار مركزة على تطورات الصراع في الشرق الأوسط، فإن الأسواق المالية العالمية ستواصل موازنة تأثير العوامل الجيوسياسية مع بيانات الاقتصاد الكلي، وعلى رأسها التضخم والسياسة النقدية، لتحديد اتجاهاتها خلال المرحلة القادمة.