الجنيه الإسترليني يستأنف خسائره أمام الدولار وسط اضطرابات سياسية وترقب بيانات العمل البريطانية
عاد الجنيه الإسترليني إلى التراجع في السوق الأوروبية خلال تعاملات الثلاثاء مقابل سلة من العملات العالمية، ليستأنف خسائره أمام الدولار الأمريكي بعد توقف مؤقت في الجلسة السابقة.
ويأتي هذا الأداء السلبي في ظل تصاعد الضغوط السياسية داخل بريطانيا، إلى جانب تنامي الطلب العالمي على الدولار كملاذ آمن مع استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالأزمة الإيرانية، بينما يترقب المستثمرون صدور بيانات سوق العمل البريطانية التي قد تعيد تشكيل توقعات أسعار الفائدة لدى بنك إنجلترا.
الجنيه الإسترليني يتراجع مجددًا أمام الدولار
سجل الجنيه الإسترليني انخفاضًا ملحوظًا خلال التداولات الأوروبية يوم الثلاثاء، مواصلًا الضغوط التي تعرض لها خلال الأيام الماضية، بعدما عاد المستثمرون إلى شراء الدولار الأمريكي على نطاق واسع.
وتراجع الجنيه الإسترليني مقابل الدولار بنسبة 0.21% ليصل إلى مستوى 1.3394 دولار بحلول الساعة 11:25 بتوقيت تركيا، مقارنة بسعر افتتاح بلغ 1.3432 دولار، بينما سجل أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 1.3438 دولار.
وكانت العملة البريطانية قد تمكنت يوم الاثنين من تحقيق مكاسب بلغت نحو 0.85% مقابل الدولار، في أول ارتفاع يومي خلال ست جلسات متتالية من الخسائر، وذلك بعدما لامست في وقت سابق أدنى مستوياتها في ستة أسابيع عند 1.3303 دولار.
ويعكس هذا الأداء استمرار حالة التقلب الحاد في سوق العملات، مع تحرك المستثمرين بين تقييم الأوضاع السياسية البريطانية والتوترات العالمية المتصاعدة.
الاضطرابات السياسية البريطانية تضغط على الإسترليني
تواجه الساحة السياسية في المملكة المتحدة حالة متزايدة من عدم الاستقرار، وهو ما يمثل أحد أبرز العوامل الضاغطة على الجنيه الإسترليني خلال الفترة الحالية.
وتصاعدت الضغوط على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد سلسلة من التطورات السياسية الداخلية، أبرزها استقالة وزير الصحة ويس ستريتينغ وعدد من المسؤولين الحكوميين، عقب الهزيمة الكبيرة التي تعرض لها حزب العمال الحاكم في الانتخابات المحلية.
وأظهرت الانتخابات المحلية صعودًا ملحوظًا لحزب الإصلاح البريطاني والأحزاب اليمينية والخضر، ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل قيادة حزب العمال وإمكانية حدوث تغييرات سياسية كبيرة خلال المرحلة المقبلة.
ورغم تمسك ستارمر بالبقاء في منصبه وتحذيره من دخول البلاد في حالة من الفوضى السياسية، فإن التحركات الداخلية داخل الحزب بدأت تتزايد لدعم عمدة مانشستر الكبرى Andy Burnham كبديل محتمل لقيادة الحزب والحكومة.
وأكد بورنهام يوم الاثنين أنه في حال وصوله إلى رئاسة الوزراء، فإنه لن يقوم بتعديل القواعد المالية الحالية الخاصة بإدارة الدين العام، في محاولة لطمأنة الأسواق والحفاظ على الاستقرار المالي البريطاني.
بريطانيا تتبنى نهجًا حذرًا تجاه الأزمة الإيرانية
تأتي هذه التطورات الداخلية في وقت تتبع فيه لندن سياسة خارجية حذرة تجاه التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالأزمة الإيرانية.
وتركز الحكومة البريطانية على حماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز ضمن إطار مهمة دفاعية متعددة الجنسيات، مع تجنب الانخراط المباشر في أي عمليات عسكرية ضد إيران.
هذا الموقف الحذر يعكس مخاوف بريطانية من التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية لأي تصعيد واسع في المنطقة، خصوصًا في ظل التأثير المباشر للتوترات على أسعار الطاقة والتضخم العالمي.
الدولار يستعيد بريقه كملاذ آمن
في المقابل، واصل الدولار الأمريكي استعادة زخمه في الأسواق العالمية، مدعومًا بارتفاع الطلب عليه كأصل آمن في أوقات التوترات السياسية والعسكرية.
وارتفع مؤشر الدولار الأمريكي يوم الثلاثاء بنسبة 0.03% ليصل إلى مستوى 99.12 نقطة، مقتربًا مجددًا من أعلى مستوى له في ستة أسابيع، في إشارة إلى استمرار قوة العملة الأمريكية أمام سلة العملات الرئيسية.
ويأتي هذا الارتفاع رغم قرار الرئيس الأمريكي ترامب تأجيل توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، عقب وساطة دبلوماسية قادتها دول خليجية وباكستان.
تطورات الملف الإيراني تزيد حذر الأسواق
بحسب التصريحات الأمريكية، وافق ترامب على منح الوساطة الباكستانية فرصة إضافية، بعد اتصالات مكثفة مع قادة خليجيين، بهدف التوصل إلى تقدم ملموس في مفاوضات السلام.
وفي الوقت ذاته، أصدر ترامب توجيهات إلى وزارة الدفاع الأمريكية بالبقاء في حالة استعداد عسكري كامل تحسبًا لفشل المفاوضات.
وأكد البيت الأبيض أن أي اتفاق نهائي مع طهران يجب أن يتضمن منعًا كاملًا لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا.
من جانبها، قدمت إيران عبر الوسيط الباكستاني ردًا محدثًا يتضمن 14 بندًا، طالبت فيه بهدنة طويلة الأمد وضمانات دولية ورفع الحصار البحري.
ورغم اعتبار مسؤولين أمريكيين أن الطرح الإيراني لا يتضمن تنازلات جوهرية، فإن ترامب وصف المفاوضات الجارية بأنها تشهد “تطورًا إيجابيًا للغاية” بعد قرار تأجيل الضربة العسكرية.
ولا تزال نقطة الخلاف الأساسية تتمثل في مطالبة الولايات المتحدة بتجميد البرنامج النووي الإيراني لمدة 20 عامًا، وهو المقترح الذي ترفضه طهران بشكل قاطع.
صندوق النقد الدولي يلمح إلى خفض الفائدة البريطانية
على صعيد السياسة النقدية، زادت تصريحات صندوق النقد الدولي من الضغوط على الجنيه الإسترليني، بعدما أشار الصندوق إلى أن بنك إنجلترا قد لا يكون بحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، بل ربما يضطر إلى خفضها خلال الفترة المقبلة.
وتسببت هذه التصريحات في إعادة تقييم توقعات المستثمرين لمسار السياسة النقدية البريطانية، خاصة مع استمرار ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع حالة عدم اليقين السياسي.
وتستقر حاليًا احتمالات قيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع يونيو المقبل عند نحو 45%، ما يعكس انقسام الأسواق بشأن الخطوة المقبلة للبنك المركزي.
الأسواق تترقب بيانات سوق العمل البريطانية
يتحول اهتمام المستثمرين الآن نحو بيانات سوق العمل البريطانية المرتقبة في وقت لاحق اليوم، والتي تشمل:
- طلبات إعانة البطالة لشهر أبريل.
- معدل البطالة في المملكة المتحدة.
- متوسط الأجور لشهر مارس.
ومن المتوقع أن تلعب هذه البيانات دورًا محوريًا في تحديد اتجاه الجنيه الإسترليني خلال الفترة المقبلة، خاصة أنها قد تؤثر بشكل مباشر على توقعات أسعار الفائدة البريطانية.
وفي حال أظهرت البيانات تباطؤًا واضحًا في سوق العمل أو تراجعًا في نمو الأجور، فقد يعزز ذلك احتمالات خفض الفائدة لاحقًا، ما قد يزيد الضغوط على العملة البريطانية أمام الدولار الأمريكي.