ارتفاع أسعار الذهب بدعم تراجع الدولار وانخفاض أسعار النفط وسط تفاؤل بانفراجة أمريكية إيرانية
شهدت أسعار الذهب العالمية انتعاشًا ملحوظًا خلال تعاملات يوم الثلاثاء، بعد موجة من التراجع قادته إلى أدنى مستوياته في نحو أسبوع، وذلك في ظل تحسن شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس
مدعومًا بعوامل متعددة، أبرزها تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض أسعار النفط، إلى جانب تنامي التوقعات بشأن استئناف المحادثات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستويات التضخم العالمية وتوجهات السياسة النقدية.
أداء أسعار الذهب اليوم
ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% ليصل إلى 4779 دولارًا للأوقية بحلول الساعة 11:15 بتوقيت تركيا، وذلك بعد أن سجل خلال الجلسة السابقة أدنى مستوى له منذ السابع من أبريل. كما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم يونيو بنسبة 0.5% لتسجل 4790.70 دولار للأوقية.
ويعكس هذا الارتفاع تحسنًا في الطلب على الذهب كملاذ آمن، بعد ضغوط بيعية سابقة ناجمة عن تقلبات الأسواق المالية وتغير توقعات المستثمرين بشأن التضخم وأسعار الفائدة.
تراجع أسعار النفط يخفف الضغوط التضخمية
في المقابل، تراجعت أسعار النفط إلى ما دون مستوى 100 دولار للبرميل، مدفوعة ببوادر إيجابية لاحتمال استئناف الحوار بين واشنطن وطهران بهدف إنهاء النزاع القائم.
وقد ساهم هذا الانخفاض في تهدئة المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالحصار الأمريكي لمضيق هرمز.
ويُعد النفط أحد أبرز المحركات الرئيسية للتضخم العالمي، حيث يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم ارتفاع الأسعار العامة. وبالتالي، فإن انخفاض أسعار النفط يساهم في تقليص الضغوط التضخمية، وهو ما ينعكس إيجابًا على استقرار الأسواق.
العلاقة المعقدة بين التضخم والذهب وأسعار الفائدة
عادةً ما يُنظر إلى الذهب كأداة تحوط فعالة ضد التضخم، حيث يزداد الطلب عليه في بيئات الأسعار المرتفعة. إلا أن هذه العلاقة ليست مطلقة، إذ أن ارتفاع أسعار الفائدة — الذي غالبًا ما يُستخدم لكبح التضخم — يقلل من جاذبية الذهب، نظرًا لكونه أصلًا لا يدر عائدًا.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات الحالية للأسواق إلى ارتفاع احتمالية خفض أسعار الفائدة الأمريكية بمقدار 25 نقطة أساس هذا العام إلى 29%، مقارنة بنحو 12% فقط في الأسبوع السابق، وهو تحول ملحوظ في توقعات المستثمرين. وقبل تصاعد التوترات الجيوسياسية، كانت الأسواق تتوقع تنفيذ خفضين في أسعار الفائدة خلال العام.
التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على الأسواق
تلعب التطورات الجيوسياسية دورًا محوريًا في تحديد اتجاهات الأسواق، حيث أفادت تقارير باستمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق يخفف من حدة التوتر.
وفي هذا الإطار، صرّح إيليا سبيفاك بأن الأسواق تبدو متفائلة بإمكانية التوصل إلى اتفاق، مشيرًا إلى أن هناك متسعًا من الوقت لتحقيق تقدم في المحادثات.
من جهة أخرى، أكد جيه دي فانس أن الولايات المتحدة تتوقع إحراز تقدم من جانب إيران فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز، وهو ما قد يساهم في تهدئة المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة.
في المقابل، أعلن دونالد ترامب أن الجيش الأمريكي بدأ تنفيذ حصار على الموانئ الإيرانية، في خطوة تصعيدية قد تزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع تهديد طهران بالرد عبر استهداف موانئ دول الخليج عقب فشل محادثات إسلام آباد.
ضعف الدولار يعزز جاذبية الذهب
بالتزامن مع ذلك، استقر الدولار الأمريكي بالقرب من أدنى مستوياته في أكثر من شهر، مما جعل الذهب — المقوم بالدولار — أقل تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما يدعم الطلب العالمي عليه.
وتُعد العلاقة العكسية بين الدولار والذهب من أبرز العوامل المؤثرة في حركة المعدن النفيس، حيث يؤدي ضعف العملة الأمريكية إلى زيادة جاذبية الذهب كاستثمار بديل.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر الارتفاع على الذهب فقط، بل شمل أيضًا بقية المعادن النفيسة، حيث ارتفعت الفضة بنسبة 0.9% لتصل إلى 76.27 دولارًا للأوقية، كما صعد البلاتين بنسبة 0.1% إلى 2071.75 دولار، وارتفع البلاديوم بنسبة 0.2% إلى 1576.23 دولار.
ويعكس هذا الأداء الجماعي تحسنًا في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، إلى جانب التأثر بالعوامل ذاتها التي دعمت الذهب، مثل تراجع الدولار وتخفيف الضغوط التضخمية.
خلاصة تحليلية
يمكن القول إن انتعاش أسعار الذهب يأتي نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية، تشمل تراجع الدولار، انخفاض أسعار النفط، وتغير توقعات السياسة النقدية، فضلًا عن التطورات المتعلقة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية.
وتبقى تحركات الذهب في المرحلة المقبلة مرهونة بتطورات هذه العوامل، لا سيما مسار التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى أي مستجدات في المشهد الجيوسياسي العالمي.