الين الياباني يقفز بقوة ويهز أسواق العملات العالمية وسط مخاوف تدخل منسق غير مسبوق منذ 15 عاماً
شهدت أسواق الصرف الأجنبي العالمية، مع انطلاق تعاملات يوم الاثنين، تحولاً حاداً في المزاج الاستثماري، بعد أن سجل الين الياباني قفزة قوية ومفاجئة، ضاغطاً على الدولار الأميركي عبر مختلف الأسواق، ومطلقاً موجة واسعة من إعادة تسعير المخاطر.
وجاء هذا التحرك وسط حالة تأهب قصوى بين المستثمرين، في ظل تصاعد المخاوف من أول تدخل منسق محتمل بين الولايات المتحدة واليابان في سوق العملات منذ نحو 15 عاماً، بعد سلسلة من التحركات الرسمية غير الاعتيادية، كان أبرزها إجراء فحوص مباشرة لأسعار الصرف من قبل السلطات الأميركية.
أداء أسعار الين الياباني أمام الدولار
بعد الارتفاع الحاد الذي شهده الين يوم الجمعة، عقب تواصل بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك مع متعاملين رئيسيين في السوق لفحص أسعار الصرف، واصل الين مكاسبه مسجلاً ارتفاعاً إضافياً بنسبة 1.2% ليصل إلى مستوى 153.95 مقابل الدولار الأميركي عند الساعة 10:25 بتوقيت تركيا.
هذا الصعود لم يكن حركة فنية عابرة، بل عكس تحولاً جوهرياً في توقعات الأسواق، حيث أعاد المستثمرون تقييم احتمالات التدخل الرسمي، ما أدى إلى تسارع عمليات تغطية المراكز المدينة على الين، وتراجع الرهانات التي كانت تستهدف وصوله إلى مستوى 160 مقابل الدولار.
أدى صعود الين إلى تراجع الدولار الأميركي على نطاق واسع أمام سلة العملات الرئيسية، حيث ارتفع اليورو ليسجل أعلى مستوياته في أربعة أشهر، في إشارة واضحة إلى تزايد الضغوط على العملة الأميركية.
وامتدت تداعيات هذا التحول إلى أسواق السلع والمعادن النفيسة، إذ شهدت الفضة قفزة تاريخية بتجاوزها مستوى 100 دولار للأوقية، في حين اخترق الذهب حاجز 5,000 دولار للأوقية مسجلاً قمماً غير مسبوقة، ما يعكس اتساع حالة العزوف عن الدولار والأصول المرتبطة به، وتزايد الإقبال على الملاذات البديلة.
وصف متعاملون الأسبوع الماضي بأنه من أكثر الأسابيع دراماتيكية في أسواق الصرف منذ سنوات، بعدما اتخذت وزارة الخزانة الأميركية خطوات تمهيدية نادرة نحو التدخل المباشر لدعم الين الياباني.
هذه الخطوات أربكت حسابات المستثمرين، خصوصاً أولئك الذين بنوا مراكز مدينة كبيرة على الين خلال الأشهر الماضية، استناداً إلى فروق العوائد الواسعة بين اليابان والولايات المتحدة، وتوقعات استمرار السياسة النقدية المتساهلة في طوكيو.
فك المراكز المدينة وتغير ديناميكيات السوق
قالت هارونا تاناكا، مديرة قسم الخزانة والأوراق المالية في بنك سايتاما ريسونا بطوكيو، إن من الصعب الجزم بقرب حدوث تدخل فعلي، لكنها أكدت أن السوق يشهد تفكيكاً متسارعاً للمراكز المدينة على الين.
وأوضحت أن تراجع الرهانات على وصول الدولار إلى مستوى 160 ين يعكس إدراك المتعاملين بأن المخاطر أصبحت غير متناظرة، حيث بات أي ضعف إضافي في الين محفوفاً بإمكانية تدخل رسمي مفاجئ.
وأضافت أن الطلب المؤسسي المستمر على الدولار قد يحدّ من تحركات العملتين على المدى الطويل، مرجحة بقاء زوج الدولار/الين في نطاق عرضي واسع بعد انقضاء موجة التذبذب الحالية.
فحص أسعار الصرف… إشارة غير اعتيادية
اعتبر تيم كيليهر، رئيس مبيعات العملات للمؤسسات في بنك كومنولث الأسترالي، أن خطوة فحص أسعار الصرف تمثل تحولاً لافتاً في نهج الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهي الأولى من نوعها منذ أكثر من عقد.
وأشار إلى أن هذه الخطوة أعادت إلى الأذهان سيناريوهات تاريخية، ودفعت الأسواق إلى الحديث عن «نظام جديد» في سوق العملات، مع تزايد التوقعات بتحركات منسقة تستهدف إضعاف الدولار، على غرار اتفاق بلازا في ثمانينيات القرن الماضي.
ماذا يعني “Rate Check” للأسواق؟
قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بصفته الوكيل المالي لوزارة الخزانة الأميركية، بإجراء ما يُعرف بـ "فحص الأسعار" (Rate Check) على زوج الدولار/الين خلال منتصف تداولات الجمعة.
وتتمثل هذه العملية في سؤال المتعاملين عن الأسعار المحتملة في حال دخول السلطات السوق، وهي خطوة تُعد في عرف الأسواق إشارة مباشرة إلى الجاهزية للتدخل الفعلي عبر بيع الدولار وشراء الين، حتى وإن لم يتم التنفيذ فوراً.
قلق متزايد بشأن السياسة الأميركية
قال ديفيد فورستر، كبير الاستراتيجيين في بنك كريدي أجريكول في سنغافورة، إن التهديد بالتدخل يعكس قلقاً أعمق لدى المستثمرين من أن الولايات المتحدة واليابان قد تفضلان دولاراً أضعف في المرحلة المقبلة.
وأضاف أن هذا القلق يتزامن مع سياسات تجارية وتقلبات سياسية في الولايات المتحدة، من بينها تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الصادرات الكندية في حال توقيع اتفاق تجاري مع الصين، ما يضعف جاذبية الأصول الأميركية.
الين والتضخم… البعد السياسي الداخلي
رأى موه سيونغ سيم، استراتيجي العملات في بنك أو سي بي سي، أن مشاركة الولايات المتحدة في فحص أسعار الصرف تُفهم باعتبارها محاولة منسقة لكبح ضعف الين.
وأوضح أن تراجع الين أصبح قضية سياسية داخل اليابان، نظراً لتأثيره المباشر على التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل التهديد بالتدخل أداة وقائية لتفادي تحوله إلى أزمة شعبية.
أدى هذا التحرك إلى ارتفاع الين بنسبة 1.7% مقابل الدولار، وهي أكبر قفزة يومية للعملة اليابانية منذ ستة أشهر.
وقبل فحص الأسعار، كان الدولار قد تجاوز مستوى 159 ين، مهدداً باختراق حاجز 160 الذي يُعد «خطاً أحمر» في نظر الأسواق. وبعد انتشار أنباء التحرك الأميركي، تراجع الدولار سريعاً إلى أدنى مستوى له في أربعة أسابيع عند 155.66 ين، قبل أن يستقر قرب 155.85 ين.
مخاوف انتقال العدوى إلى سوق السندات الأميركية
جاء تدخل وزارة الخزانة الأميركية، بقيادة الوزير سكوت بيسنت، مدفوعاً بمخاوف من أن تؤدي الاضطرابات في السوق اليابانية إلى تداعيات غير مباشرة على الولايات المتحدة.
وألقى بيسنت باللوم على ارتفاع عوائد السندات اليابانية في زيادة تكاليف الاقتراض الحكومي الأميركي، وهو ما تحاول إدارة ترامب كبحه ضمن مساعيها لخفض عوائد سندات الخزانة الأميركية وتحسين الأوضاع التمويلية للأسر والشركات.
تزامنت هذه التطورات مع ضغوط بيع تعرض لها الين خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بتعهدات رئيسة الوزراء سنا تاكايتشي، التي تخوض انتخابات مبكرة الشهر المقبل، بتنفيذ حزم تحفيز مالي واسعة تشمل تعليق ضريبة الاستهلاك على الغذاء لمدة عامين، بتكلفة تُقدّر بنحو 5 تريليونات ين (32 مليار دولار).
وأدت هذه الوعود إلى تآكل ثقة المستثمرين في الانضباط المالي لليابان، خاصة بعد تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 40 عاماً مستوى 4% لأول مرة.
وصف محللون دخول الولايات المتحدة على خط قضية الين بأنه تحرك غير تقليدي، وإن لم يكن بلا سابقة.
وأشاروا إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت يمتلك سجلاً طويلاً من الرهانات الجريئة في أسواق العملات منذ فترة عمله مع جورج سوروس، بما في ذلك الرهانات ضد الجنيه الإسترليني في التسعينيات وضد الين في 2013، ما يفسر النهج الحالي.
ورغم عدم تنفيذ تدخل واسع النطاق حتى الآن، فإن مجرد الإشارة كانت كافية لردع المضاربين مؤقتاً، بانتظار ما ستكشفه بيانات بنك اليابان حول أي تحركات منسقة محتملة.
تحليل فني لزوج الدولار/الين
الاتجاه العام:
لا يزال الاتجاه طويل الأجل صاعداً، حيث يتحرك السعر أعلى المتوسط المتحرك لـ200 يوم عند 149.49، إلا أن تشكّل شمعة ابتلاعية هابطة عند مستوى 159.24 بتاريخ 23 يناير 2026 يمثل تحذيراً فنياً قوياً من انعكاس محتمل.
المؤشرات الفنية:
-
Ichimoku: السعر أعلى سحابة الكومو (154.00 – 155.50)، ما يشير إلى منطقة دعم قوية.
-
SuperTrend: السعر أعلى الخط الأخضر عند 154.14، ما يعني أن الاتجاه الصاعد لم يُكسر بعد.
-
MACD: تسجيل تقاطع سلبي يعكس تسارع الزخم البيعي.
-
كسر السعر نقطة توازن السيولة (POC) عند 156.60، ما يعزز سيناريو التصحيح على المدى القصير.

الخلاصة الفنية:
السوق يقف عند مفترق طرق حساس، حيث إن أي تدخل منسق فعلي قد يدفع نحو تصحيح أعمق، في حين أن غياب خطوات عملية قد يُبقي الين في نطاق تذبذب مرتفع، مع استمرار هشاشة الدولار.